Image

هل يمكن لأيّ منا التنبؤ بمدى رواج منشور ما على شبكة الإنترنت؟

التقنيات الحيوية الحديثة جعلت الإجابة أكثر تعقيداً!

Bread assortment

تشير الإحصائيات إلى أن مستخدمي الإنترنت حول العالم يرسلون يومياً حوالي 4 مليارات رسالة على الفيسبوك، و500 مليون تغريدة على تويتر، و200 مليار رسالة بريد إلكتروني، وتُحقق بعض الصور أو المنشورات رواجاً كبيراً منذ اللحظات الأولى وتأخذ بالانتشار عبر شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم. وقد أفاد باحثون بأنهم توصلوا على ما يبدو إلى فهم الأسباب التي تدفع البعض إلى مشاركة منشورات محددة على الإنترنت والإحجام عن مشاركة منشورات أخرى، وأن السر يكمن في قدرة الدماغ على توقع المنشورات التي سوف تلقى رواجاً على شبكة الإنترنت.

ففي دراسة جرى نشرها مؤخراً في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، قام باحثون بعرض عناوين وفقرات موجِزة لثمانين مقالة صحية من مجلة نيويورك تايمز على مجموعة من المتطوعين، ثم طلبوا منهم تحديد إذا كان من الممكن أن يُشاركوا هذه المقالات مع أصدقائهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو لا. وفي تلك الأثناء قام الباحثون بمراقبة النشاط الدماغي للمشاركين عن طريق التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي، ووجدوا أنه كلما ازداد النشاط في مناطق محددة من الدماغ في أثناء استعراض المشارك لمقالة معينة، كلما كانت تلك المقالة أكثر قابلية للمشاركة على الإنترنت، ليس في سياق الدراسة وحسب، وإنما على أرض الواقع أيضاً.

تقول المعدة الرئيسية للدراسة كريستين شولز، طالبة الدكتوراه بجامعة بنسلفانيا: “نود توظيف هذا النشاط العصبي لمعرفة سبب انتشار بعض المقالات على شبكة الإنترنت أكثر من بعضها الآخر”.

ولتحقيق ذلك، قامت شولز مع زملائها بمعاينة ثلاث مناطق هامة في الدماغ، هي المنطقة المسؤولة عن التعامل مع النفس، والمنطقة المسؤولة عن التعامل مع المجتمع، والمنطقة المسؤولة عن التقييم.

تنشط مناطق القِيَم في الدماغ عندما يقوم الشخص بإعطاء قيمة محددة للأشياء التي تصادفه في الحياة، مثل المقالات التي يقرأها على الإنترنت. أما المناطق المسؤولة عن التعامل مع النفس فتنشط عندما يُفكر الشخص بسلوكياته، أو عندما يفكر ما إذا كان سيقوم بمشاركة منشور محدد أم لا.

أما منطقة التعامل مع المجتمع فتبدو ذات صلاحيات أكبر، وتنشط عند التفكير بنتائج وعواقب مشاركة المنشور أو المقال على وسائل التواصل الاجتماعي. أما مناطق التقييم في الدماغ، فتنشط عند مصادفة شيء يبدو جيداً وذا قيمة هامة للشخص. فعلى سبيل المثال، سيزداد نشاط هذه المنطقة بشكل أكبر عند رؤية قطعة من الحلوى المُحببة للشخص ولن تنشط كثيراً عند رؤية أحد أصناف الأطعمة غير المُحببة.

تقول شولز: “إن الاعتبارات الشخصية والاجتماعية من قبيل: هل سيلقى هذا المنشور إعجاب أصدقائي؟ أو هل سأبدو مميزاً عند مشاركة هذه المقالة؟ هي اعتبارات موجودة في منظومة القيم لدى الشخص، وهي الأسس التي تستخدمها هذه المنظومة في أثناء عملها، وتُملي علينا تقييمها النهائي للشيء”.

ولذلك، في كل مرة يقرأ فيها الشخص مقالةً أو منشوراً ما، يقوم دماغه بشكل تلقائي بالموازنة بين ما إذا كان سيشارك هذه المقالة أم لا، وهو ما سيقرر في النهاية مدى رواج هذه المقالة على الإنترنت.

وبحسب شولز، فإن أهمية الدراسة تكمن في أنها تُفسر سبب إقبالنا على مشاركة المقالات أو الصور أو غيرها، وتقول: “على الرغم من وجود العديد من التوصيات الدقيقة حول كيفية جعل منشوراتنا تلقى رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي، كأن تحتوي على قدر من العواطف على سبيل المثال، فإن دراستنا أظهرت بأن هنالك حافزان أصيلان في النفس البشرية يدفعاننا إلى مشاركة المنشورات مع الآخرين، وهما: حب التواصل مع الآخرين، والرغبة بالظهور بمظهر إيجابي في أعينهم”.

وبحسب الباحثين، فإن المقالة التي لاقت رواجاً أكبر بين المتطوعين كانت بعنوان: “الحمية الخالية من الجلوتين، هل أنت بحاجة لها أم لا”، والتي كان موجزها: “إن تجنب الجلوتين هو ضرورة حتمية بالنسبة للمرضى المصابين بالداء الزلاقي، إلا أن العديد من الأشخاص يلجؤون إلى الحمية الخالية من الجلوتين كنوع من البرامج الغذائية الصحية”، وكانت هذه المقالة هي الأكثر انتشاراً أيضاً على أرض الواقع، إذ جرت مشاركتها أكثر من 12,500 مرة في غضون الأشهر الثلاثة التي تلت نشرها.

وفي معرض التعليق على نتائج الدراسة، يقول بريان نوتسون، أستاذ الطب النفسي والعلوم العصبية بجامعة ستانفورد: “أرى بأن نتائج هذه الدراسة مثيرة للاهتمام. فهذه هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي لتوقع مدى رواج مقال معين على وسائل التواصل الاجتماعي”

ويُضيف نوتسون: “لقد بدأت العديد من الدراسات مؤخراً بالتساؤل ما إذا كان النشاط الدماغي قادراً على توقع خيارات الناس على المستوى التسويقي. ولعل أحد أحد الأمثلة على ذلك، هو الاستماع إلى الموسيقى. فقد قام باحثون بمعاينة الخيارات الموسيقية لمجموعة من المراهقين، وبعد سنتين من ذلك قاموا بتتبع عمليات تحميل الأغاني من الإنترنت، ووجدوا بأن النشاط الدماغي في بعض مناطق التقييم قد استطاع توقع أي من الأغاني سوف تحصل على أعلى معدلات التحميل من الإنترنت”.

وبحسب الباحثين، فإن الدراسة الحديثة تُظهر بأن البيانات العصبية يمكن استخدامها كأداة لتوقع خيارات المستخدمين والزبائن. وأن النشاط الدماغي يبدو قادراً على توقع مدى رواج مادة معينة على شبكة الإنترنت، حتى وإن لم يُبدِ الشخص رغبة في نشرها على أحد حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي.

تقول شولز: “يعني ذلك بأن هناك شيء ما يدركه الناس في اللاوعي حول ما يمكن أن يكون رائجاً بينهم، دون أن يمتلكوا قدرةً على الوصول المباشر إليه. وإن التصوير العصبي يسمح لنا بتحرّي تلك المعرفة الفطرية دون الحاجة إلى سؤال الشخص بشكل مباشر”.

وتعكف شولز وزملاؤها حالياً على التحضير لدراسات جديدة تهدف إلى استخلاص قواعد لزيادة رواج مادة ما على شبكة الإنترنت. وبحسب شولز فإن فهم أسباب مشاركتنا للمواد على شبكة الإنترنت سوف يساعدنا على تطوير إستراتيجيات يمكننا من خلالها تعديل أي مادة أو محتوى بطريقة تزيد من قابليته للرواج على شبكة الإنترنت.

وتختم شولز بالقول: “إن الدوافع التي استطعنا تحديدها تؤثر في جميع مناحي حياة الشخص، وعلى الرغم من أن تجربتنا اقتصرت على تحري رواج بعض المقالات الصحية، إلا أن هذه المبادئ يمكن أن تطبق على أي نوع من المحتوى على شبكة الإنترنت”.

error: Content is protected !!