Image

النظام البيئي لهذا النهر يعتمد على الآلاف من حيوانات التيتل الأفريقية الغارقة والمتفسخة

إنها دورة الحياة

Bread assortment يحاول 1.2 مليون من حيوانات التيتل الأفريقية عبور النهر عشرات المرات كل عام. ولكنهم لا ينجحون جميعاً في ذلك.
حقوق الصورة: مستخدم فليكر RayMorris1

عندما نموت، تساهم أجسادنا في نمو العشب الذي تأكله الظباء. وهكذا فنحن جميعاً مرتبطون بالدورة الكبيرة للحياة. والجميع يعرف المسلسل الكلاسيكي “الأسد الملك” الذي أنتجته ديزني. وبالتالي فقد لا يتفاجأ الأطفال والآباء بأنه يجب على حيوانات التيتل الأفريقية أن تعبر النهر لتتناول الطعام، وتموت مجموعة كاملة منها في هذه العملية. ثم تتغذى كل الكائنات التي تعيش في النهر على البقايا المتفسخة لهذه الحيوانات. كما أن عظامها تستمر في تزويد الماء بالمواد الغذائية حتى بعد أن يتم التهام لحومها من قبل الأسماك والحشرات. وتقوم كائنات أخرى أيضاً بأكل الطحالب التي تنمو على العظام. إذاً فلا بد لبعض هذه الحيوانات أن تموت.

ويحدث هذا في الواقع في نهر مارا في أفريقيا. ووفقاً لدراسة نشرت هذا الأسبوع في The Proceedings of the National Academy of Sciences، فإن الغرق الجماعي المتكرر لحيوانات التيتل الأفريقية هو أمر ضروري لصحة وسلامة سهول سيرينجيتي.

ويُذكر بأن حوالي 1.2 مليون من حيوانات التيتل الأفريقية تتنقل عبر شرق أفريقيا كل عام أثناء موسم الهجرة. وتعتبر هذه الحركة – وهي الهجرة البرية الأكبر على كوكب الأرض – ضرورية لبقائها على قيد الحياة، ومساعدتها على مواكبة هطول الأمطار والعثور على بقع وفيرة من العشب الطويل. ولكن طريقها يجعلها تمر ذهاباً وإياباً بنهر مارا عشرات المرات، ولا تنجح جميعها في ذلك.

وتقول الكاتبة الرئيسية أماندا سوبالوسكي: “إنها لا تتحرك كقطيع واحد مؤلف من 1.2 مليون حيوان، بل تتحرك في مجموعات من مئات أو آلاف الحيوانات. ولذلك هناك مجموعات ضخمة تقوم بالعبور من مواقع متعددة في النهر كل يوم”. وعندما تكون الظروف خطرة، يمكن لمجموعة كاملة أن تغرق بشكل جماعي.

وتقول سوبالوسكي: “تنتهي نسبة صغيرة نسبياً من محاولات العبور تلك بالغرق الجماعي، وربما لا تشكل سوى واحد في المئة من كامل القطيع. ولكن هذا يعادل أكثر من 6000 حيوان كل عام”.

وهذا ما يعادل غرق 10 جثث من حيوان الحوت الأزرق في النهر الذي يبلغ متوسط عرضه حوالي 150 متراً، بينما لا يكون عمقه سوى متر واحد غالباً. ومن الشائع جداً وجود أعداد كبيرة من الجثث في ماء النهر والتي تترك لتتفسخ في الشمس. ومن الواضح بأن هذا التدفق السنوي الضخم من اللحوم الطازجة يجب أن يكون له بعض التأثير على النظام البيئي المحلي. ولكن سوبالوسكي وزملاءها أرادوا قياس ذلك. فبعد التوصل إلى تقدير رسمي لحالات الغرق السنوية – وهي مهمة صعبة تتطلب “إحصاء أكبر عدد ممكن من الجثث” – عمل الفريق على تفسير ما تعنيه كل تلك اللحوم.

وتقول سوبالوسكي: “ماذا تمثل كل جثة من تلك الجثث الغارقة؟ وماذا تقدم للنهر؟ لقد قمنا بالبحث عن الأجسام الجديدة – أي تلك التي لم تقترب منها التماسيح أو غيرها – وشرّحنا جميع أجزائها لمعرفة المواد الغذائية التي تقدمها إلى النهر، أي قمنا بإعادة بناء الجثة قطعة قطعة”. ثم حاولوا حساب كل تلك العناصر المغذية في النظام البيئي للنهر. فأين تذهب كل هذه الحيوانات؟

ومن غير المستغرب، فقد وجدوا الكثير من الكائنات التي تتغذى على الجثث. إذ قطعت بعض الحيوانات أكثر من 100 كيلومتر لتتغذى على بقاياها، وعموماً حدث ذلك بسرعة، حيث كان من الصعب التقاط صورة لجثة سليمة بواسطة الكاميرات المنصوبة. ولاحظوا أيضاً زيادة في مستويات المواد المغذية في مجرى النهر، ولكن ليس بقدر ما كانوا يتوقعون.

وتقول سوبالوسكي: “لم تكن الحيوانات تتفسخ وتطلق كافة المواد المغذية لتتدفق مع النهر فحسب. فقد كان هناك شيء مفقود”.

وقاموا بالتحقق للتأكد من أن المواد الغذائية لم يتم التقاطها من قبل التكتلات الميكروبية المعروفة باسم الأغشية الحيوية (البيوفيلم) والطحالب النامية في التيار، ولكن المحتوى العالي من المواد الغذائية عموماً في النهر لم يترك الكثير من المجال للميكروبات الجائعة لتنتزع بعضاً من بقايا الحيوانات.

وجاء التفسير الأخير عندما وجّه الفريق تركيزه على الأسماك، والتي كانت تُشبع نصف نظامها الغذائي من اللحم اللذيذ لهذه الحيوانات، وذلك مباشرة بعد الغرق الجماعي.

وتقول سوبالوسكي: “إن ذلك ليس مستغرباً أبداً. فهو في الأساس عبارة عن رمي مجموعة من شرائح اللحم في النهر”.

وحتى بعد أشهر من زوال الجثث، وجد الباحثون علامات لحيوانات التيتل الأفريقية عند الأسماك في النهر، والتي كانت تتغذى على الأغشية الحيوية التي تنمو على العظام فقط. وتقول سوبالوسكي: “كانت العظام مثل الصخور العضوية، التي توفر بيئة لكل هذه الأغشية الحيوية”. وفي الوقت نفسه، كانت العظام تسرب ببطء بعض المواد المغذية مثل الفوسفور في الماء، وبالتالي ترد القليل إلى الأرض بعد فترة طويلة من موت القطيع. وأضافت: “تبدو من الخارج وكأنها نبضة قصيرة الأمد من المواد المغذية في النظام البيئي، ولكنها في الواقع طويلة الأمد”.

بالنسبة للكاتبة سوبالوسكي، فإن النقطة الأساسية هي أن هذا النوع من الموت الجماعي كان شائعاً بشكل لا يصدق على الأرجح، حيث قالت: “إن هذا الأمر يعطي فكرة عن الزمن الذي كان فيه الملايين من الأبقار والأنهار من دون سدود في أنحاء الولايات المتحدة.  وقد ارتبط الكثير من موت الديناصورات بالغرق الجماعي. ولهذا فإن فهم الدور الذي تلعبه في تشكيل النظام البيئي مهم في فهم كيف يمكن أن تتأثر الأنهار التي خسرت هجراتها الجماعية”. ولسوء الحظ، فإن نهر مارا ليس بالضرورة بمأمن عن هذا المصير.

وتقول سوبالوسكي: “على مر السنين، عمل الكثير من الناس على حماية ممرات الهجرة بأكملها، وذلك باجتياز جميع أنواع الحدود، وهي قصة نجاح كبيرة في الحفاظ على البيئة”. ولكن سيكون هناك دائماً تهديدات لذلك، حيث بدأت المناقشات تدور مرة أخرى حول إنشاء طريق سريع يربط غرب تنزانيا بالساحل، إلى جانب الحديث عن بناء سدود الطاقة الكهرومائية لخلق المزيد من مخزون المياه للزراعة لأن تغير المناخ يجعل هطول الأمطار أقل احتمالاً.

وتقول: “إنه التوازن القديم بين التنمية والموارد الطبيعية”، مضيفة بأن هذه التغييرات في البنية التحتية يمكن أن تفيد الناس الذين يعيشون في المنطقة بكل تأكيد. وليس الأمر كما لو أن كل التنمية يمكن أن تتوقف إلى الأبد.

وتضيف: “لكنك تتحدث عن تغييرات هائلة في نظام التدفق الطبيعي والرواسب لهذا النهر. فالهجرة تقوم حقاً بتشكيل كافة مكونات هذا النظام البيئي، ولذلك فمن المحتمل ملاحظة سلسلة من الآثار المتوقعة وغير المتوقعة، وأعتقد بأنه سوف يتعين علينا رؤية ذلك”.

error: Content is protected !!