Reading Time: 4 minutes

يُسبب تآكل المفاصل عادةً ألماً شديداً، وكذلك الجراحات اللازمة لتصحيحها، على الأقل في الفترة الأولى عقب الجراحة مباشرة. لذا تشكك الأطباء في مستشفى ريجمور في إينفيرنيس بإسكتلندا، في رواية امرأة تبلغ من العمر 66 عاماً، أنها لا تشعر بأي ألمٍ في يدها المتضررة بشدة من التهاب المفاصل، سواءً قبل الجراحة أو بعدها. كما أن حالة مفصل إبهام يدها كانت متدهورةً بشدة، لدرجة جعلتها بالكاد تستطيع استخدامه، فكيف لا تشعر مع ذلك بالألم؟

للتأكد من حالتها، قام الأطباء بإرسالها إلى خبراء متخصصين في علم وراثة الألم بجامعة أكسفورد وكلية لندن الجامعية، حيث قاموا بأخذ عيناتٍ من حمضها النووي وكذلك من بعض أفراد أسرتها لاكتشاف السبب وراء عدم شعورها بالألم. أظهرت نتائج التحليل أن السبب في ذلك وجود طفرة صغيرة في جين مُكتشف حديثاً، وتم بنشر هذه النتائج في الدورية البريطانية للتخدير.

تمثلت الطفرة في جزء صغير محذوف داخل ما يُعرف بالجين الكاذب، وهو عبارة عن نسخة مجتزئة من جين كامل، تم إدخالها في مكان مختلف من الجينوم. عادةً لا تقوم الجينات الكاذبة بأداء وظيفة محددة – في بعض الأحيان تمثل حمضاً وراثياً زائداً لا وظيفة له– لكن قد يحتفظ بعضها بخصائص وظيفية متبقية من الجين الأصلي.

نعمة أم نقمة؟

قبل عامٍ واحد من هذه الجراحة، أُجريت للمريضة الاسكتلندية عملية لاستبدال مفصل الفخذ، الذي كان يعاني هو الآخر من تآكلٍ شديد. وفي اليومين التاليين للعملية، اكتفت بتناول 2 جرام من الباراسيتامول -واستعملته فقط بناءً على طلب الأطباء- ولم تكن في حاجة لأي مسكنات أقوى للألم.
وفضلاً عن عدم حاجتها لأي دواء مسكنٍ للألم، سواءً لالتهابات الشديدة في مفاصل اليد، أو حتى بعد الجراحة، فقد اكتشف الباحثون أن لها تاريخا طويلاً من المشاكل الصحية دون أي شكوى من الآلام المصاحبة.

وبطرح المزيد من الأسئلة عليها، أخبرت الباحثين أنها كثيراً ما كانت تشم رائحة احتراق قبل أن تكتشف أنها تتعرض للحرق، وأنها تستطيع أكل الفلفل الحار الاسكتلندي المعروف بشدة حرارته دون أدنى إحساسٍ بالانزعاج، فقط يُسبب لها شعور بوهجٍ لطيف في الفم. وفي مراتٍ سابقة، احتاجت لخياطة جروحٍ كبيرة، وكُسر مِعصمُها الأيسر، وأُجريت لها عمليات لعلاج أسنانها، وتمَّ كل هذا دون أن تشعر بأي ألم.

كذلك يبدو أنها لا تعرف معنى الشعور بالقلق أو الخوف. فخلال حادثة سيارة حدثت لها مؤخراً، قالت أنها لم تشعر خلالها بالفزع على الإطلاق، كما أخبرت الباحثين أن والدها أيضاً لم يضطر إلى استعمال الأدوية المسكنة للألم إلا نادراً.

ومع أن ابنتها تبدو طبيعية للغاية، فإن استجابة ابنها للألم كانت أقل من المتوسط. واتضح فيما بعد أن لديه نسخة سائدة مفردة للطفرة الوراثية النادرة التي تحملها والدته (ومن المرجح أنها ورثتها هي الأخرى من والدها، الذي لا تتوافر له معلومات جينية، نظراً لوفاته).

أسباب الإصابة

لمعرفة سبب إصابة هذه المرأة بتلك الحالة الجينية النادرة، اكتشف الباحثون جين كاذب جديد يُسمى (FAAH-OUT)، وهو نسخةٌ تؤدي وظيفة جزئية من جين “FAAH” أو (fatty acid amide hydrolase). في الظروف الطبيعية تتم ترجمة شفرة هذا الجين للحصول على إنزيم قادر على تكسير عدد من النواقل العصبية مثل الأنانداميد (anandamide) الذي يؤدي دوراً هاماً في العديد من العمليات الحيوية في الجهاز العصبي.

الأنانداميد مركب كيمائي ينتمي لفصيلة الكانابينويد، أي أن له تأثيرات شبيهة بتأثيرات نبات القنب (الحشيش)، فهو يسبب شعوراً بالنشوة والسعادة، كما يقلل المشاعر والأحاسيس السلبية. وتفترض بعض الدراسات أن تحسّن الحالة المزاجية بعد ممارسة التمارين الرياضية، يرجع جزئياً لارتفاع مستويات الأنانداميد في الدم.

قام الباحثون بمحاولة اكتشاف طرق لجعل العلاجات المثبطة لـجين “FAAH”، والعلاجات القادرة على زيادة مستويات الأنانداميد، تُستخدم كأدوية لعلاج القلق أو الاكتئاب. وحتى الآن لم تنجح أي من التجارب التي تم إجراؤها، وإن كان من غير الواضح بعد سبب عدم نجاح هذه الأدوية في أداء مهمتها.

وبالرغم من أن الجزء الصغير المحذوف في حالة هذه المريضة كان من الجين الكاذب “FAAH” وليس من الجين الأصلي، فإن هذا لم يمنع متخصصي علم وراثة الألم من التساؤل عن احتمالية تأثير هذه الطفرة بشكلٍ ما على مستويات الأنانداميد لدى المريضة، وهو ما تم اكتشافه بالفعل.

فقد اكتشف الباحثون أن مستويات الأنانداميد في دم المريضة كانت أعلى 70% من المعتاد. ولم يتم التأكد بعد من الكيفية التي تُمكن الجين الكاذب من أداء هذا الدور بالضبط، لكنهم ينوون مواصلة بحث هذه المسألة بشكل أكبر.

ربما نكتشف أن من المفيد استعمال أدوية تستهدف (FAAH-OUT)، خاصة في ضوء فشل المحاولات السابقة لاستهداف “FAAH” مباشرةً. فهذه الطريقة تبدو قادرةً بالتأكيد على مساعدة هذه المرأة.

تتفق كل هذه المعلومات مع ما نعرفه من التجارب التي أُجريت على الفئران، والتي استهدفت اختبار تأثير منع جين “FAAH” من أداء وظيفته. ونعرف أيضاً أن طفراتٍ صغيرة في جين  “FAAH”لدى بعض البشر، ترتبط بخفض مستوى القلق وتقليل حاجتهم لمسكنات الألم بعد خضوعهم للجراحة، ومع ذلك لم يصل هذا التأثير إلى نفس الدرجة التي كانت لدى هذه المرأة.

أظهرت الفئران التي لا تحمل جين “FAAH” إحساساً أقل بالألم، وقدراً أقل من الاستجابة للتوتر والقلق، كما أظهرت تحسناً في شفاء الجروح الجلدية وفي وظائف الذاكرة قصيرة المدى، وهي أعراضٌ تظهر كلها عند هذه المرأة. فجروحها الكثيرة كانت تشفى تماماً في وقت قصير، كما اشتكت من فقد مفاتيحها باستمرار، ومن نسيان كلمات في وسط الجُمل أثناء الكلام. أيضاَ حصلت على نتيجة 0 من 21 في استبيان لقياس اضطراب القلق العام، و0 من 29 في استبيان آخر لقياس مرض الاكتئاب.

هل هناك حالات أخرى؟

قد تُشجع حالة المريضة الإسكتلندية الباحثين على استخدام التحكم في مستويات الأنانداميد لإحداث تأثير علاجي، ويرى الباحثون أن اكتشاف هذه الحالة في هذا العُمر، يُشير إلى إمكانية العثور على حالاتٍ أخرى مثلها.

عادةً يتم استكشاف الأشخاص الذين يعانون من خلل شديد في إدراك الألم في وقت مبكر من حياتهم، لأن هذه الحالة قد تشكل خطورةً حقيقية على الأطفال المصابين بها. فالطفل يتعلم سريعاً عدم اللعب بالأجسام الحادة أو لمس الأشياء الساخنة؛ لأنها أفعال تسبب الألم. أما إذا فقد القدرة على الشعور بالألم، فلن يتمكن من تعلم هذا الدرس، كما سيصبح أكثر عرضةً للأذى.

لكن هذه المرأة لم يتم تشخيصها حتى أواخر الستينات من عمرها، لذا هناك إمكانية أكبر مما كنا نعتقد لوجود أشخاص آخرين، لديهم اختلالات كبيرة في إدراك الألم.

ومن جانبها، تبدو هذه المرأة سعيدةً للغاية؛ لأن حالتها غير المعتادة يمكن أن تساعد الآخرين. وصرحت في بيانٍ لها “سأكون في غاية السعادة لو أن الأبحاث التي يتم اجراؤها على معلوماتي الوراثية، يمكنها مساعدة الآخرين في التخفيف من معاناتهم. منذ سنوات قليلة لم يكن لدي أي فكرةٍ عن أن قلة شعوري بالألم، يعتبر شيئاً غير عادي، فلطالما ظننت أنه أمرٌ طبيعي”.