Reading Time: 5 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


كان من المتوقَّع أن تنخفض الانبعاثات العالمية بنحو 7% في عام 2020 (أو ما يعادل 2.4 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون) مقارنة بعام 2019؛ وهو انخفاض غير مسبوق يعود إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي عالمياً بسبب جائحة فيروس كورونا.

لكي نضع الأمر في السياق الصحيح، فقد أدت الأزمة المالية العالمية عام 2008 إلى انخفاض الانبعاثات العالمية بنسبةٍ بلغت 1.5% مقارنةً بعام 2007، ولكنّ الانخفاض الأخير هذا العام كان أكبر بأربع مرات.

لقد عرضنا هذه النتائج في ميزانية العالم الخامسة عشر للكربون؛ والتي تأتي في سياق التقرير السنوي لمشروع الكربون العالمي حول مصادر، وإزالة ثاني أكسيد الكربون؛ الذي يُعد المسبب الرئيسي لتغير المناخ الناجم عن نشاط الإنسان.

تبدو هذه الأخبار جيدة، ولكن لا يمكننا الاحتفال بها بعد، فمن المحتمل حدوث ارتداد كبير في الانبعاثات إلى مستويات ما قبل جائحة فيروس كورونا، ربما بحلول العام المقبل. فقد وجدت دراسة حديثة أنّ الانبعاثات في الصين عادت إلى أعلى من مستويات العام الماضي خلال أواخر الربيع عندما بدأ النشاط الاقتصادي في العودة إلى طبيعته مؤخراً.

تأتي هذه النتائج قبل انعقاد قمة «طموح المناخ» يوم السبت في 12 ديسمبر/ كانون الأول؛ حيث يعرض قادة العالم مدى التزامهم بالإجراءات التي تهدف لتحسين المناخ بعد 5 سنوات من اتفاقية باريس، والإنجازات التي حققتها دولهم على هذا الصعيد. في الحقيقة، يجب أن يُنظر إلى هذا الانخفاض الضخم في الانبعاثات كفرصةٍ فريدة من نوعها لتحويل مسار الانبعاثات التاريخي المتزايد بشكلٍ دائم.

الانبعاثات في عام الجائحة

يُقدَّر إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الأحفوري العالمية لعام 2020 بنحو 34 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون. كانت الانبعاثات المقدَّرة في بداية ديسمبر/ كانون الأول أقل من مستوياتها في الشهر ذاته العام الماضي، على الأقل من قطاعات النقل، ومع ذلك، ارتفعت الانبعاثات مرة أخرى منذ ذروة الانخفاض اليومي العالمي بنسبة 17% في أوائل أبريل/ نيسان الماضي.

كان الانخفاض في الانبعاثات في عام 2020 حاداً، خصوصاً في الولايات المتحدة (12%) والاتحاد الأوروبي (11%)، وقد كانت الانبعاثات تتناقص بالفعل قبل الجائحة، ويرجع ذلك أساساً إلى انخفاض استخدام الفحم، كما انخفضت انبعاثات الهند بنسبة 9%، بينما شهدت الانبعاثات من الصين؛ التي عادت للارتفاع أكثر من مستويات عام 2019 مؤخراً، انخفاضاً يُقدّر بحوالي 1.7% فقط.

وفي أستراليا، انخفضت انبعاثات الغازات الدفيئة خلال ذروة الإغلاق (من مارس/ آذار إلى يونيو/ حزيران من عام 2020) بنسبة 6.2% مقارنةً بفترة الأشهر الثلاثة التي سبقت الإغلاق. لوحظ أكبر انخفاض في قطاع النقل والانبعاثات المتسرّبة أثناء استخراج ومعالجة ونقل الوقود الأحفوري.

مخطط انبعاثات الكربون

كان انخفاض الانبعاثات في عام 2020 حاداً بشكل خاص في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. في حين انخفضت انبعاثات الصين أيضاً بشكلٍ حاد، إلا أنها عادت لترتفع في وقت لاحق من العام – المخطط: بيب كاندل

على الصعيد العالمي، كان لِقِطاع النقل الحصة الأكبر في انخفاض انبعاثات عام 2020، وخاصة قطاع «النقل البري» (السيارات والشاحنات الصغيرة والكبيرة)، ففي العديد من البلدان؛ مثل الولايات المتحدة وأوروبا، انخفضت المستويات المعتادة لانبعاثات النقل إلى النصف في ذروة إجراءات الإغلاق.

وبالرغم من انهيار نشاط قطاع الطيران بنسبة 75%، إلا أنّ مساهمته الإجمالية في انخفاض الانبعاثات كانت ضئيلة نسبياً، نظراً لأنّ انبعاثاته لا تمثل سوى 2.8% من إجمالي الانبعاثات في المتوسط كل عام. بقي عدد الرحلات الجوية العالمية مستقراً عند 45% في الأسبوع الأول من ديسمبر/ كانون الأول من هذا العام مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

انبعاثات الكربون، 2020

كان قطاع الصناعة؛ تحديداً قطاع إنتاج المعادن والكيماويات والتصنيع، ثاني أكبر مساهم في انخفاض الانبعاثات – المخطط: بيب كاندل

كانت الانبعاثات تتباطأ بالفعل قبل الجائحة

بشكلٍ عام، زادت الانبعاثات العالمية بنسبة 61% منذ عام 1990، لكن اختلفت وتيرة هذه الزيادة. تباطأ نمو الانبعاثات في أوائل التسعينيات بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، لكنه زاد بسرعة كبيرة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بمعدل 3% سنوياً في المتوسط. يعود سبب ذلك جزئياً إلى صعود الصين كقوة اقتصادية كبرى.

لكن خلال العقد الماضي، بدأت وتيرة الانبعاثات تتباطأ مرة أخرى، بزيادة أقل بقليل من 1% سنوياً. ولم تتزايد الانبعاثات في عام 2019 كثيراً مقارنة بعام 2018. يعود تباطؤ الانبعاثات العالمي إلى انخفاض انبعاثات 24 دولة من الوقود الأحفوري لعقدٍ واحد على الأقل، رغم استمرار نمو اقتصادها، ومن بين هذه الدول الدنمارك والمملكة المتحدة وإسبانيا والولايات المتحدة والمكسيك واليابان، أما بالنسبة لبقية دول العالم، فقد استمرت الانبعاثات في الازدياد حتى عام 2019.

انبعاثات الكربون, 2020

يُظهر هذا المخطط تزايُد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون منذ عام 1990. لاحظ كيف انخفضت الانبعاثات في بداية التسعينات، وفي عام 2008، والانخفاض الضخم الذي حدث عام 2020 – المخطط: بيب كاندل

فرصة لتعزيز الطموح

لقد وضعَتنا جائحة كورونا والتحوُّل نحو الطاقة النظيفة، على مفترق طرق؛ فالخيارات التي نتخذها اليوم يمكن أن تغير مسار الانبعاثات العالمية إلى الأبد، فبالإضافة إلى التباطؤ في الانبعاثات العالمية في السنوات الأخيرة، وانخفاض هذا العام الفريد، تتعهد عشرات البلدان حالياً بالوصول إلى مستوى صفر انبعاثات بحلول منتصف القرن أو بعد ذلك بقليل.

انبعاثات الكربون, 2020

كيف تغيرت انبعاثات مختلف الدول بمرور الوقت؟

الأهم من ذلك، هو أنّ الدول الأعلى في مستوى الانبعاثات؛ مثل الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية، والمسؤولة عن أكثر من 60% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الأحفوري العالمية، لديها إما تعهُّدات ملزمة قانونياً، أو طموحات جادة للوصول إلى صافي صفر انبعاثات بحلول عام 2050، أو بعد ذلك بوقتٍ قصير.

بلغ إنتاج الفحم؛ وهو أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ذروته في عام 2013، ويستمر انخفاض إنتاجه حتى هذا التاريخ، ومع ذلك، فإنّ زيادة الانبعاثات من الغاز الطبيعي والنفط تلغي أثر الكثير من هذا الانخفاض في الانبعاثات.

انبعاثات الكربون, 2020

كيف تغيرت الانبعاثات من قطاعات الفحم والنفط والغاز والإسمنت بمرور الوقت – المخطط: بيب كاندل

في الواقع، نحن في خِضَمّ مستويات غير عادية من انخفاض النشاط الاقتصادي نتيجة الاستجابة للجائحة، فإذا وُجّه النشاط الاقتصادي بشكلٍ مناسب، يمكنه أن يساعد في تمكين التوسع السريع في التكنولوجيا والخدمات، بالتالي وَضعِنا على المسار الصحيح للوصول إلى طموح صفر انبعاثات.

لقد التزمت العديد من الدول بالفعل بخطط التعافي الاقتصادي الصديقة للبيئة لخفض انبعاثاتها؛ مثل كوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي، وذلك رغم استمرار هيمنة الاستثمارات على دعم البنية التحتية القائمة على الوقود الأحفوري.

في الوقت الذي يعقد فيه قادة العالم قمة «طموح المناخ»، فإنّ لديهم فرصة حقيقية لا سابق لها. يمكن أن يكون للقرارات التي تتخذها هذه الدول تأثير مفصلي على مسار الانبعاثات المستقبلي، والإبقاء على معدل ارتفاع درجة الحرارة أقل من 2 درجة مئوية.