Image

"ما نراه هو صورة مصغرة عن المستقبل"

Bread assortment صدع في الجرف الجليدي سي في شبه جزيرة لارسن في القارة القطبية الجنوبية.
حقوق الصورة: وكالة الفضاء الأميركية ناسا

في تطور ينذر بارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل بحيث يمكن أن يشكل تهديداً على التجمعات السكانية الساحلية، انفصل جبل جليدي بحجم ولاية ديلاوير الأميركية عن أحد الجروف الجليدية في القارة القطبية الجنوبية، تاركاً ما تبقى من الجرف الجليدي عرضة للانهيار.

وقد حصل الانفصال في الجرف الجليدي لارسن سي، وهو الجرف الجليدي الرئيسي في المنطقة والواقع في أقصى الشمال، يوم الأربعاء 12 يوليو 2017، وذلك بحسب مشروع ميداس، وهو مجموعة رصد مقرها في المناطق البريطانية من القارة القطبية الجنوبية.

والجروف الجليدية هي ذلك الجليد السميك العائم على حافة القارة، والذي يكون بمثابة دعامات تحفظ الأنهار الجليدية الشاطئية من الانزلاق إلى البحر. وكان الباحثون يراقبون الصدع في الجزء سي من جرف لارسن الجليدي لسنوات، وأصبحوا قلقين في ديسمبر 2016 عندما اتسع الصدع بشكل كبير. وفي وقت ما من ربيع 2017 نما هذا الصدع بمقدار 17.7 كيلومتراً في أقل من أسبوع، تاركاً 12.8 كليومتراً منه فقط، مما أثار المخاوف من أن الانفصال الكامل أصبح وشيكاً. وبعد أكثر من ستة أشهر، في منتصف الشتاء القطبي الجنوبي، حدث الانفصال.

يقول مايكل أوبنهايمر، أستاذ علوم الأرض والشؤون الدولية في جامعة برينستون : “إن وضع جرف لارسن الجليدي يجمع بين الروعة وإثارة القلق. وهو جزء ملموس من كارثة بطيئة أكبر تتكشف أمام أعيننا. إننا نشهد صورة مصغرة عن المستقبل، المستقبل الذي قد يكون حتمياً. وإذا لم يكن كذلك، فمن المرجح أنه سيحدث إذا تجاوزنا هدف الحفاظ على معدل الاحترار العالمي عند درجتين مئويتين”.

تبلغ سماكة جرف لارسن الجليدي حوالي 335 متراً، ويقع على الحافة الغربية للقارة القطبية الجنوبية، محتجزاً الأنهار الجليدية التي تتغذى منه. وتقوم كل الجروف الجليدية في المنطقة، بما فيها الأجزاء الثلاثة لجرف لارسن: إي وبي وسي، بإعاقة حركة الأنهار الجليدية القطبية، والتي يمكن أن تسرّع ارتفاع مستوى سطح البحر إذا ما طفت في المحيط.

انهار الجرف الجليدي لارسن إي عام 1995، وانهار الجرف لارسن بي بشكل مفاجئ عام 2002 بعد أن حدث تطور لصدع مشابه.

يقول أوبنهايمر، وهو المشارك طويل الأمد في الفريق الحكومي الدولي التابع للأمم المتحدة المعني بشؤون التغير المناخي: “إن إحدى العمليات التي تسبب تفكك الجرف لارسن، هي أيضاً مرتبطة بالتغيرات السريعة في منطقة بحر أموندسن في غرب القارة القطبية الجنوبية- نهر ثويتيس الجليدي، ونهر جزيرة باين الجليدي”. وهو يوضح أن فقدان الجروف الجليدية سيودي على الأرجح بجليد اليابسة في المحيط، مما يسبب زيادة إضافية في مستوى سطح البحر.

ويقول أوبنهايمر: “هناك كمية صغيرة نسبية من الجليد خلف جرف لارسن، ولذلك حتى إذا تفكك بالكامل، فإن مساهمته في ارتفاع سطح البحر ستكون طفيفة”. ومع ذلك، فإن ارتفاعاً بمقدار حتى بضعة سنتيميترات في مستوى سطح البحر له تأثيره، خاصة عندما يترافق مع موجة العواصف في المناطق المنخفضة.

انفصال
حقوق الصورة: كلايمت سيجنالز

وما يحدث مع الجرف لارسن سي ليس مشكلة منفصلة. فقد تطورت شقوق في جروف قطبية أخرى. يقول أوبنهايمر: “هناك ما يعادل عدة أمتار من الجليد خلف الجروف الجليدية الأخرى وأكثر خلف الجروف الجليدية الحساسة في شرق القارة القطبية الجنوبية. ولذلك فإن ما نراه هو عرض حي لما يمكن أن يفعله الماء الدافئ والطقس الدافئ للجرف الجليدي وللصفيحة الجليدية التي كان الجرف الجليدي يحتجزها”.

وقد فقد الجرف لارسن سي بعد هذه الانفصال 10 في المائة من مساحته، تاركاً الجبهة الجليدية في الموقف الأكثر تراجعاً في التاريخ، وذلك بحسب مشروع ميداس البحثي.

يقول مايكل مان، أستاذ الأرصاد الجوية في جامعة ولاية بنسلفانيا، ومدير مركز علوم نظام الأرض التابع لها: “هذا أحدث الأدلة التجريبية على ما توصل إليه العلماء بشكل متزايد في السنوات الأخيرة. بمعنى أن الطبقة الجليدية الغربية في القطب الجنوبي أقل استقراراً حيال الاحترار العالمي مما كان يعتقد من قبل، وأن انهيارها يحدث قبل الموعد المحدد، وبالتالي سيحدث المزيد من ارتفاع مستوى سطح البحر”.

ويرى كيفن ترينبرث، عالم المناخ البارز في المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي، أن هناك نظريات متضاربة حول تأثير تغير المناخ على المنطقة. ويقول “إن احترار الغلاف الجوي يعني أن الرطوبة يمكن أن تنتقل الى الداخل، وأحد الاحتمالات المطروحة هو إمكانية هطول المزيد من الثلوج في القارة القطبية الجنوبية، ما قد يساهم في خفض مستوى سطح البحر، ومواجهة الاتجاهات في مكان آخر. ولكن الملاحظات حول هطول الثلوج ضعيفة، وليس لدينا معلومات جيدة عن هذا الجانب”.

ويوضح ترينبرث أن المياه المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية ترتفع حرارتها أكثر من أي مكان آخر، مما يقوّض الجروف الجليدية. ويقول: “لقد اكتسب هذا الأمر الدعم من مختلف الدراسات على مر السنين، وستكون النتيجة مرة أخرى المزيد من الجبال الجليدية المنفصلة عن القارة القطبية الجنوبية”.

القارة القطبية الجنوبية
حقوق الصورة: جوش لانديس

ويتابع ترينبرث بالقول: “السؤال الرئيسي هو: ما الذي يعنيه هذا بشكل عام؟ هل الصفيحة الجليدية في غرب القارة القطبية الجنوبية أقل استقراراً وربما تنتهي تحت الأرض، ما يؤدي في نهاية الأمر إلى ذوبانها وارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار ستة أمتار؟ الشكوك كبيرة، والقضية هامة جداً”.

ويؤيده في ذلك ريتشارد ألي، عالم الجيولوجيا من جامعة ولاية بنسلفانيا، الذي يعتقد أن انكماش الجروف الجليدية في شبه الجزيرة القطبية الجنوبية هو على الأرجح نتيجة للاحترار العالمي، رغم وجود الشكوك حول ذلك.

يقول ألي: “فكّر في كل فناجين القهوة الخزفية التي رأيتها تسقط على الأرض. بعضها ارتد سليماً، وبعضها تشظى، وبعضها انفصل إلى جزأين، وبعضها تفتت. ونحن نعلم جميعاً أن إسقاط فنجان القهوة الخزفي على الأرض يعرضه للكسر، ولكن سيكون من الصعب علينا التنبؤ ما الذي سيحدث له بالضبط. وهذا ما يحدث مع الجرف الجليدي لارسن سي، الذي سيؤدي إلى احتمال حدوث انفصالات إضافي. وبإمكاننا بالتأكيد أن نطور معلوماتنا، وفهمنا للوضع، وأن نقلل من الشكوك حول الحوادث المشابهة المتوقعة في المستقبل. ولكن سيكون هناك دائماً بعض الشكوك. فإذا كان أحدنا يتمنى تجنب الانفصال المكلف فعلاً، والذي يؤدي إلى ارتفاع في مستوى سطح البحر، فإن ما عليه فعله هو ترك هامش واسع من الأمان، ما يعني الحد من الاحترار العالمي”.

أما بالنسبة لمصير جبل الجليد المنفصل، فقد طور علماء المناخ نماذج يمكنها التنبؤ بمساره. وقد حدد الباحثون في مركز هيلمهولتز للبحوث القطبية والبحرية التابع لمعهد ألفريد، كيف تنجرف الجبال الجليدية في القارة القطبية الجنوبية عبر المحيط الجنوبي.

تظهر هذه الخريطة المسارات الجبلية لأحجام مختلفة من الجبال الجليدية في القارة القطبية الجنوبية. الجبال الجليدية من الفئة 1 هي الأصغر، بينما الفئة 5 هي الأكبر.
حقوق الصورة: توماس راكو

عندما يتعلق الأمر بجبل جليدي ضخم مثل لارسن سي، فإن حركته يحددها وزنه، وكون سطح المحيط الجنوبي غير مسطح ولكنه يميل إلى الانحناء قليلاً باتجاه الشمال. ويمكن أن يرتفع مستوى سطح البحر عند الحافة الجنوبية لبحر ويديل أو على طول شبه الجزيرة القطبية الجنوبية بمقدار حتى نصف متر أعلى من مركزها. ويرى الباحثون أن مدى الانجراف يعتمد على ما إذا كان الجبل الجليدي ما يزال سليماً، أو أنه ينقسم إلى أجزاء أصغر. كما يمكن أن يرتطم جبل الجليد باليابسة لفترة من الزمن.

يقول توماس راكو، مصمم النماذج المناخية الذي يعمل في معهد فيجنر وأبرز مؤلفي هذه الدراسة: “إذا لم يتفكك جبل الجليد، فإن لديه فرصة جيدة للانجراف أولاً لمدة سنة تقريباً عبر بحر ويديل على طول ساحل شبه الجزيرة القطبية الجنوبية. ثم يرجح أنه سيتبع مساراً باتجاه الشمال الشرقي متوجهاً إلى جزر جورجيا الجنوبية وجزر ساندويتش”.

وبحسب النماذج الحاسوبية التي وضعها العلماء، وبسبب كونه ثقيلاً جداً، فإن أمام جبل لارسن سي فرصةً للبقاء لمدة تتراوح بين 8-10 سنوات، وهي الفترة التي تعتبر الحد الأقصى للعمر المتوقع حتى للجبال الجليدية الأكبر منه.

error: Content is protected !!