Reading Time: 4 minutes

تُعدّ النباتات والأشجار أعظم حليف للإنسانية في معركتها للقضاء على التغير المناخي. ذلك أن هذه الكائنات تمتص ثاني أكسيد الكربون وتحوله إلى أوراق وأغصان. وهكذا كلما زاد عدد الأشجار التي يزرعها البشر، قلّ تلوث الكربون الذي يحبس الحرارة في الجو. إلا أنه ولسوء الحظ، تتطلب الأشجار كميات كبيرة من المياه والأراضي، وهذه الكميات كبيرة لدرجة أنه على البشر أن يبحثوا عن حليف آخر في معركتهم ضد التغير المناخي، يساعدهم على شفط كل ذلك الكربون من الجو.

بهذا الصدد، تشير دراسة جديدة أنجزها فريق من العلماء الألمان إلى أن التركيب الضوئي الاصطناعي يمكنه أن يساعد البشر في إنجاز تلك المهمة. يحثّ العلماءُ العالمَ الآن على ضخ استثمارات أكثر لتطوير هذه التقنية، التي لا زالت مكلفة جداً لتكون عملية وواسعة الانتشار.

يتمثل التركيب الضوئي الاصطناعي، كما يوحي بذلك اسمه، في محاكاة العملية الطبيعية التي تجريها النباتات لدعم أنشطتها الحيوية. ومثلما هو الحال في العملية الطبيعية، تستخدم تقنية التركيب الضوئي الاصطناعي ثاني أكسيد الكربون والماء كغذاء، وضوء الشمس كمصدر للطاقة. لكن وبدلاً من تحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى أوراق وأغصان، تنتج عملية التركيب الضوئي الاصطناعي منتجات غنية بالكربون، مثل الكحول. تستعمل هذه التقنية نوعاً خاصاً من الخلايا الشمسية التي تمتص أشعة الشمس وتنقل الكهرباء إلى حجيرة مليئة بثاني أكسيد الكربون المُنحلّ في الماء. من ثم تُطلق المواد المُحفِزة شرارة تحول كيميائي ينتج الأوكسجين ومُنتجاً ثانوياً يتضمن الكربون.

صورة معبرة عن التلوث

“عندئذ يُطلق ذلك الأوكسجين في الجو، تماماً مثلما تفعل النباتات. فيما يتم التقاط ذلك المُنتج الآخر ويخزن في الحقول النفطية المُستنفَدة على سبيل المثال” كما يقول ماتياس ماي، عالم الفيزياء لدى معهد هيلمهولتز زينتروم برلين للوقود الشمسي، والمؤلف المساعد للدراسة التي نتناولها هنا، والتي نشرت في المجلة العلمية “ديناميات نظام الأرض” (Earth System Dynamics). بينت الدراسة أن التركيب الضوئي الاصطناعي، أكثر كفاءة من التركيب الضوئي الطبيعي. ويضيف ماتياس بهذا الصدد “أن أكبر فرق بين العمليتان، أننا نستخدم في التركيب الضوئي الاصطناعي مواداً اصطناعية غير عضوية، الأمر الذي يجعل عمليات التحويل أكثر كفاءة بكثير. وهذا لعمري أمر مثير!، لأنه مع تحقيق كفاءة عالية في التحويل يمكننا استخدام هذه التقنية ضمن مساحات اقل من الأراضي واستهلاك كميات أقل من المياه”. يقول العلماء أنه يمكننا تركيب هذه الأوراق الاصطناعية في المناطق الصحراوية، حيث لا توجد أي أشجار أو مزارع تقوم بالفعل بالتقاط ثاني أكسيد الكربون.

ويضيف ماي: “أنه وحتى الآن، لا زالت بؤرة تركيز مجتمع التركيب الضوئي الاصطناعي تتمحور حول إنتاج الوقود الشمسي” وذلك باستخدام أشعة الشمس وثاني أكسيد الكربون لإنتاج مختلف أنواع الوقود السائل. إلا أن المشكلة تبرز عندما يتم حرق ذلك الوقود الشمسي، حيث ينطلق الكربون المخزن فيه نحو الغلاف الجوي مجدداً. وللتصدي لهذا المشكل، اقترح العالم ماي طريقة لتخزين الكربون تحت الأرض. تتمثل هذه الطريقة، في دفن ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض بعيداً عن المناطق الحضرية، مما يساهم في تبريد الكوكب، بدل إعادة ثاني أكسيد الكربون الحابس للحرارة إلى الغلاف الجوي. مع ذلك، لا زالت جميع تقنيات التقاط الكربون واحتجازه مكلفة مادياً وغير عملية، أي لا يمكن تطبيقها على نطاق واسع بسعر اقتصادي معقول يبرر تكاليفها. لهذا تظل المساعي الرامية للحد من استخدام الوقود الأحفوري الطريقة الأقل تكلفة والأكثر فعالية لمكافحة التغير المناخي.

بهذا الصدد، يقول ماي “أن الحد من الانبعاثات الكربونية سيظل دائماً الطريقة الأكثر اقتصادية وجاذبيةً. لكن وبالنظر إلى أن تطوير تقنيات جديدة لالتقاط الكربون واحتجازه -لا سيما على نطاقات واسعة- يستغرق عقوداً من الزمن، ولعلنا سنضطر لتركيب تلك التقنيات ونشرها في وقت أقرب من المتوقع بحلول العام 2030، إلا أنه علينا الآن تقييم ودراسة الخيارات التي بين أيدينا ولا ننتظر مناقشتها بعد فوات الأوان”. ويشير العالم ماي إلى أن أخفّ المقترحات للحد من تغير المناخ تتطلب إزالة 10 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون  من الغلاف الجوي كل سنة وحتى العام 2050، وهي كمية صغيرة في هذا المجال تعادل تقريباً رُبع التلوث الكربوني الذي تسبب فيه البشر في العام 2018 فقط.

تعد الغابات وسائل ممتازة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون.

يرى العلماء أن تحقيق هذه الأهداف بالاستعانة بالتركيب الضوئي الطبيعي أمر صعب نظراً لكميات المياه ومساحات الأراضي التي تتطلبها. من ناحية أخرى، يمكن للتركيب الضوئي الاصطناعي أن يمثل بديلاً واقعيا وعملياً. لتوضيح الفرق ما بين العمليتان: الطبيعية والاصطناعية؛ يقول العالم ماي أن تغطية منطقة بمساحة هاواي تقريباً بالأوراق الاصطناعية يمكنها احتجاز كميات من ثاني أكسيد الكربون تماثل ما ستحتجزه منطقة بمساحة قارة أوروبا كلها مغطاة بأكثر النباتات الطبيعية قدرة على امتصاص الكربون.

أما التحديات التي تواجه هذه التقنية فتتمثل في تطوير محفزات كيميائية فعالة وغير مكلفة وخلايا شمسية تدوم وقتاً أطول. يقول العالم ماي”أن حلّ هذه المشاكل يتطلب إجراء بحوث عالمية طويلة الأمد، تماثل الجهد العالمي المبذول حالياً في تطوير عمليات توليد الطاقة بالاندماج، والتي حتى إن نجحت لا نضمن نجاحها في الوقت المناسب، أي قبل فوات الأوان”. ناهيك عن أن البلدان التي سترعى هذه البحوث ستحتاج إلى إيجاد طرق لتمويلها أيضاً.

ويشير ماي إلى أن التركيب الضوئي الاصطناعي ليس إلا واحداً ضمن العديد من الإمكانيات والخيارات المتاحة أمامنا. ويقول “في الوقت الحالي، من الصعب أن نحدد أكثر التقنيات جدوى في هذا المجال”. إذ أنه وعلى الرغم من أن التركيب الضوئي الاصطناعي من بين أغلى التقنيات الحالية “إلا أن إمكانياتها عظيمة” يختتم العالم ماي كلامه.