Reading Time: 3 minutes

عندما يقتصر السرطان على بقعة واحدة في الجسم، يمكن للأطباء معالجته غالباً بالجراحة أو العلاجات الأخرى. ومع ذلك، فإن الكثير من الوفيات المرتبطة بالسرطان ترجع إلى ميله إلى الانتشار. إن اللحظة الدقيقة للانتشار السرطاني عابرة، فهي تضيع في ملايين الانقسامات التي تحدث في الورم. ومن المستحيل عادةً رصد هذه الأحداث في الوقت الفعلي. لكن ليس بعد الآن، تمكّن الباحثون في معهد «وايتهيد» للأبحاث الطبية الحيوية الأميركي من رصد لحظة الانتشار السرطاني باستخدام «كريسبر»؛ أداة التحرير الجيني. 

يعالج الباحثون الخلايا السرطانية بالطريقة التي قد ينظر بها علماء الأحياء التطورية إلى الأنواع، ذلك برسم خرائط لشجرة العائلة السرطانية المفصّلة بشكل معقد. ومن خلال فحص الفروع، تمكّنوا من تتبع سلالة الخلية لمعرفة متى يمكن لخلية ورم واحدة؛ أن تنشر نسلها إلى بقية الجسم. ومن خلال القدرة على متابعة تاريخ الورم في الجسم الحيّ، يلقي الباحثون نظرةً أقرب إلى اختلافات في بيولوجيا الورم كانت غير مرئية بطريقة أخرى. ونُشرت تفاصيل الدراسة في ورقة بحثية ضمن دورية «ساينس»

الخلايا السرطانية

تتبع العلماء أنساب الخلايا السرطانية في الماضي من خلال مقارنة الطفرات المشتركة والتغيرات الأخرى في مخططات الحمض النووي الخاصة بهم. ومع ذلك، تعتمد هذه الأساليب إلى حدٍ ما على وجود طفرات كافية تحدث بشكل طبيعي أو علامات أخرى لإظهار العلاقات بين الخلايا بدقة. وهذا هو المكان الذي رأى فيه الباحثون فرصة لاستخدام تقنية كريسبر التي طوّرت في الأصل لتتبّع تطور الخلية السرطانية في مراحلها الجنينية.

بدلاً من مجرد الأمل في أن سلالة السرطان تحتوي على علامات خاصة بالنًّسب كافية لتتبعها، قرر الباحثون استخدام «كريسبر» لإضافة تلك العلامات بأنفسهم. صمّم الباحثون الخلايا السرطانية البشرية بجينات مضافة؛ واحد للبروتين البكتيري «Cas9»؛ الذي يُستخدم كمقص تحريري في تقنية كريسبر، والبروتينات المتوهّجة من أجل الفحص المجهري، وبعض التسلسلات التي ستكون بمثابة أهداف لتقنية كريسبر. ثم زرعوا الآلاف من الخلايا السرطانية البشرية المعدلة في الفئران، لمحاكاة وجود ورم في الرئة. إذ غالباً ما تظهر الفئران المصابة بأورام الرئة البشرية نقائلاً عدوانية، لذلك اعتقد الباحثون أنها ستوفر نموذجاً جيداً لتتبع تطور السرطان في الوقت الفعلي.

عندما بدأت الخلايا في الانقسام، قام «Cas9» بعمل جروح صغيرة في هذه المواقع المستهدفة. وعندما أصلحت الخلية الجروح، قامت بترقيع أو حذف عدد قليل من النيوكليوتيدات العشوائية، مما أدى إلى تسلسل معافاة فريد يسمى «indel». حدث هذا القطع والإصلاح بشكل عشوائي في كل جيل تقريباً، مما أدى إلى إنشاء خريطة لانقسامات الخلايا التي يمكن للباحثين تتبعها باستخدام نماذج كمبيوتر خاصة.

لغز الجين المسئول عن انتشار السرطان

shutterstock.com/jovan vitanovski

 

أسفر تتبع الخلايا بهذه الطريقة عن بعض النتائج المثيرة للاهتمام. لسبب واحد، كانت الخلايا السرطانية الفردية مختلفة كثيراً عن بعضها البعض في آلية الانتشار عمّا توقع الباحثون. إذ كان لدى بعضها عدد صغير جداً من أحداث الانقسام، وكان البعض الآخر ينقسم وينتشر بسرعة كبيرة.

لمعرفة مصدر هذا التباين، زرع الفريق نسختين من نفس الخلية في فئران مختلفة، ومع تكاثر الخلايا، وجد الباحثون أن أحفادها قد انتشرت بمعدل مماثل بشكل ملحوظ. لم يكن هذا هو الحال مع نسل خلايا مختلفة من نفس خط الخلية، إذ يبدو أن الخلايا الأصلية قد طوّرت إمكانات انتشارية مختلفة مع المحافظة على خط الخلية كما هو على مدى عدة أجيال.

تساءل العلماء بعد ذلك عن الجينات المسؤولة عن هذا التباين بين الخلايا السرطانية من نفس خط الخلية. لذلك بدأوا في البحث عن الجينات التي تم التعبير عنها بشكل مختلف بين الأورام غير المنتشرة، وضعيفة الانتشار، والأورام المنتشرة بدرجة عالية.

برز العديد من الجينات، وبعضها كان معروفاً في السابق أنه مرتبط بالورم الخبيث، على الرغم من أنه لم يكن واضحاً ما إذا كانت تقودون الورم الخبيث أو مجرد أثر جانبي له. أحدها، الجين الذي يرمز إلى بروتين «الكيراتين 17»، الذي يظهر بقوة في الأورام منخفضة الانتشار مقارنةً بالأورام عالية الانتشار. وعندما أوقف الباحثون ذلك الجين، ظهر أن هذا الجين كان في الواقع هو الذي يتحكم في غزو الأورام.

يمكن أن تساعد القدرة على تحديد الجينات المرتبطة بالورم الخبيث بهذه الطريقة الباحثين في الإجابة عن أسئلة حول كيفية تطور الأورام وسلوك التكيّف معها. كما يمكن تطبيقها على العديد من المشاكل المختلفة في بيولوجيا السرطان.

كريسبر يعرف أين يذهب السرطان في الجسم

كريسبر, حمض نووي, دنا, بيولوجي, السرطان, علاج السرطان

سمحت طريقة كريسبر للباحثين بالتتبع بمزيد من التفاصيل حول مكان دخول الخلايا المنتقلة إلى الجسم، ومتى تحول نسل إحدى الخلايا السرطانية المزروعة إلى ورم خبيث، وانتشر في أجهزة الجسم. من الناحية العلاجية، قد يكون اكتشاف «محاور» النقل مثل هذا مفيداً للغاية. إذا ركّزت علاجات السرطان على تلك الأماكن، فيمكن حينئذٍ إبطاء ورم خبيث أو منعه من الانتشار في المقام الأول.

يأمل الباحثون في المستقبل في تجاوز مرحلة مراقبة الخلايا فقط والبدء في التنبؤ بسلوكها. إذ يقول أحد الباحثين: «الأمر يشبه ميكانيكا نيوتن، إذا كنت تعرف السرعة والموقع وكل القوى المؤثرة على الكرة، يمكنك معرفة أين ستذهب الكرة في أي وقت في المستقبل. ونأمل أن نفعل الشيء نفسه مع الخلايا. نريد أن نبني أساساً وظيفياً لما يقود التمايز في الأورام، ومن ثم نكون قادرين على قياس مكان وجودها في أي وقت، والتنبؤ بمكان وجودها في المستقبل».