Reading Time: 3 minutes

يبدو المريخ في أغلب الصور التي نراها مسطَّحاً وشاسع الامتداد، ولكنه في الواقع موطنٌ لبعض من أضخم الجبال في النظام الشمسي بأسره. وعلى الرغم من أن الكوكب خامل، فقد كان نشطاً للغاية من قبل، حيث توجد فيه رياح وكثبان رملية تشكِّل تضاريس مميزة على سطحه مشابهة لما نراه هنا على الأرض، وتشير دراسة جديدة إلى أن المريخ قد يشترك مع الأرض في أمور كثيرة تتجاوز ما كنا نعرفه حتى الآن.

تسقط النيازك عبر سمائنا باستمرار وتهبط في جميع أنحاء العالم. ومن حين لآخر، تنجو قطع صغيرة من المريخ من عملية دخول الغلاف الجوي، حتى يتم اكتشافها لاحقاً في الصحراء الكبرى والقطب الجنوبي في أغلب الأحيان، حيث يجمعها الباحثون من أجل الدراسات المستقبلية. وتقول دراسة جديدة نشرت في مجلة Nature Communications أنه يحتمل أن هذه النيازك المريخية قد تشكلت من نفس العمليات البركانية التي أدت إلى ظهور البراكين في هاواي.

وقد ظهرت هذه الجبال النارية في جزر هاواي بفعل ما يسمى “البقعة الساخنة”؛ حيث تصل المواد من طبقة الوشاح إلى السطح وتؤدي إلى ظهور جبل ناتج عن تجمد هذه المواد المنصهرة، ومن الأمثلة على هذا بركان كيلاويا شديد النشاط. ولكن، عندما تصبح براكين “البقعة الساخنة” هذه أشد ثقلاً باطراد من تراكم المواد المنصهرة وتصلبها باستمرار، فقد تؤدي إلى ظهور بركان مختلف تماماً، حيث تصبح صخورها المتراكمة شديدة الثقل إلى درجة أنها تتسبب في انحناء الصفيحة المحيطية أسفل هاواي، وكما في حالة لعبة التوازن، تتمدد المنطقة المحيطة بالبراكين الأضخم والأثقل وتنحني إلى الأعلى، مما يؤدي إلى قمم جديدة متفجرة.

يقول الجيولوجي جيمس داي (الباحث الأساسي في الدراسة في معهد سكريبس لعلم المحيطات في جامعة كاليفورنيا سان دييجو): “إذا ذهبت إلى أواهو أو بعض الجزر الأقدم، يمكنك أن ترى البراكين التي نشأت بعد البراكين الأصلية بفترة طويلة، ومن الأمثلة الجيدة على هذا هي حفرة دياموند هيد”.

وقد تشكلت حفرة دياموند هيد نتيجةً للضغط التكتوني من براكين أقدم وأضخم بكثير، يقول داي: “هذا يطابق تماماً ما نراه في النيازك المريخية”.

وهنا يأتي دور المريخ؛ حيث يعلم العلماء أن هناك نوعين من النيازك المريخية، تسمى الشيرجوتيات والنخليات، وعلى الرغم من أنها تبدو من نفس العصابة، إلا أنها متباينة للغاية من حيث العمر والتركيب الكيميائي. وقد تمكن العلماء من جمع أكثر من 200 نيزك مريخي، وهم يعرفون أنها بركانية الأصل، ولكن ما زالوا لا يملكون أدنى فكرة عن مصدرها على المريخ بالضبط، حيث إن الخريطة الجيولوجية للمريخ مليئة بالبراكين.

ولكن هذا البحث الجديد قد يقدم دليلاً هاماً؛ فقد قام داي وفريقه بتحليل 40 نيزكاً مريخياً للحصول على تراكيبها الكيميائية، واكتشفوا بعض التشابهات فيما بينها، بشكل يذكرنا بما نراه في الصخور البركانية على الأرض. فالنخليات تتمتع بتركيب فريد لا يتوافق مع معظم البراكين على الأرض، في حين أن الشيرجوتيات تشبه مخلفات البراكين (مثل كيلاويا الذي تشكَّل فوق بقعة ساخنة)، وهو ما يعتقد داي أنه حدث على المريخ.

ويعتبر جبل أولمبوس (أضخم بركان في النظام الشمسي، وأعلى بعدة أضعاف من جبل إيفرست) أحد أهم المرشحين، كما تحوي مناطق أخرى من المريخ براكينَ أصغر وأقل شهرة مماثلة لديامونيد هيد. ويقترح داي أن وزن البراكين الضخمة مثل جبل أولمبوس أدى إلى انحناء منطقة كاملة من المريخ نحو الأعلى (كما في هاواي)، مما أدى إلى ظهور جبال أصغر قد تكون مصدر النخليات.

يقول داي: “الشيء المثير للاهتمام حول هذين الشكلين من الحِمم أو البراكين هو أنهما يتطلبان مصدراً تعرض إلى الذوبان من قبل. وإن ما يحدث في دياموند هيد هو أن الصفيحة تعرضت للحني والضغط والسحق، مما تسبب في دفع شيء من المواد الغنية إلى الخارج، وهو ما نراه في النخليات من المريخ”.

تقول كايلا إياكوفينو (وهي باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في علم الصخور التجريبي في جامعة أريزونا الحكومية) إن أروع أمر في الدراسة هي قدرتها على تفسير وجود كل البراكين المريخية، سواء الصغيرة منها أو الكبيرة، وتقول: “يبدو أن نموذجهم يتوافق مع ملاحظاتنا الكيميائية حول تربة البراكين المريخية وتركيبها، التي حصلنا عليها من عينات النيازك، كما أنه لا يتطلب تفسيراً عجيباً لكيفية أو سبب تشكل البراكين على المريخ”.

يقول داي إن مصادر هذه النيازك كانت موضوع بحث مستمر منذ عدة عقود، ويمكن الآن بهذه الدراسة تركيز البحث في مكان معين، حيث يقول: “إذا كان هذا النموذج صحيحاً، فمن المفترض أن يعثروا على هذه الحمم بعيداً عن البراكين الكبيرة، في المناطق التي تتعرض فيها الصفائح الخارجية إلى الضغط نحو الأعلى”.

كما يقول الدكتور بول بيرن (وهو بروفسور مساعد في جيولوجيا الكواكب في جامعة نورث كارولينا الحكومية): “لطالما عرفنا أن البراكين العملاقة على المريخ هي مجرد نسخ أكبر وأكثر قدماً عن البراكين ترسية الشكل في هاواي، وهذه الدراسة تعتمد مقاربة مثيرة للاهتمام بالجمع بين ما نعرفه عن التركيب الكيميائي للنيازك المريخية والعمليات الجيوفيزيائية واسعة النطاق مثل حني هذه الصفائح الضخمة”.

إن فهم العمليات البركانية التي كانت تحدث فيما مضى على المريخ ليس هاماً فقط لاستكمال التاريخ المريخي، بل يمكن أيضاً أن يساعد في تحديد صلاحيته للسكن، حيث يقول داي: “لولا وجود النشاط البركاني على الأرض لافتقدنا بعض الغازات الموجودة في الغلاف الجوي والضرورية لبقاء الكائنات الحية”. إن النخليات -التي اكتشفناها على الأرض- تحتوي على نسبة عالية من الماء، مما يعني ضرورة وجود الماء لحدوث الذوبان، وهو ما قد يشير إلى أن البراكين على المريخ متصلة بالحلقة المائية الجيولوجية.

يقول داي: “إذا رأينا هذه العملية على الأرض، فهل من الممكن أن تماثل النشاط البركاني على كواكب أخرى؟ بناء على النيازك المريخية، فإن الإجابة هي نعم”. والآن، يجب على داي وزملائه أن ينتظروا مزيداً من نتائج رصد الأقمار الاصطناعية لهذه المناطق البركانية لرؤية مدى توافق هذه البيانات مع فرضيته: “الآن، يجب على الحسَّاسات البعيدة أن تقارن الصور والبيانات الطيفية لتحديد مدى التطابق”.