Reading Time: 4 minutes

كشف العلماء في بحثٍ نُشر حديثاً في دورية نيتشر العلمية عن نوع من الحيوانات الثديية عاش فيما يُعرف اليوم بجزيرة مدغشقر إلى جانب العديد من الديناصورات، وقد اعتمد بحثهم على هيكل عظمي كامل للحيوان والذي اُكتشف منذ أكثر من عقدين من الزمن.

الحيوان بحجم القط، ومعروفٌ باسم «Adalatherium hui» أو الوحش المجنون، ويمتلك ميزاتٍ غير موجودة في ثدييات اليوم، لذلك قد يكون أحد تجارب الحياة التطورية التي فشلت في النهاية. 

أصل الثدييات

تنقسم جميع الثدييات اليوم تقريباً إلى مجموعتين: المشيميات (تشمل الكلاب والفئران والحيتان والأبقار والبشر) والجرابيات (الكنغر، الكوالا والشيطان التسماني). وبالرغم من أن هاتين المجموعتين متمايزتان تماماً اليوم، إلا أنهما كانتا صغيرتين على الأرجح وبحجم الفأر نسبياً في عصر الديناصورات.

خلال ذلك الوقت، جابت عدة أنواع أخرى من الثدييات الأرض. بعضها كان من أسلاف الثدييات الحديثة، ولكن العديد منها انقرض منذ زمن طويل. لم يعد من أثر تلك الحيوانات الثديية المنقرضة سوى القليل، مع ذلك، ما تزال لغزاً بالنسبة لنا.

منذ ثمانينيات القرن الماضي، عُثر على أحافير أسنان غريبة الشكل في أماكن مثل جنوب أمريكا ومدغشقر والهند. في الواقع، كانت هذه المناطق الجغرافية الواسعة يوماً ما متصلةً مع بعضها البعض كجزءٍ من القارة الكبرى الجنوبية التي عُرفت باسم «جندوانا». وقد دُعيت الأحفوريات المكتشفة هناك باسم «Gondwanatheria» أو جوندواناتريا.

عندما يكون كلّ ما هو متوفّر من معلومات عن الحيوانات هو أسنانه فقط، سيكون من الصعب في الواقع تمييز نوعه بالضبط وكيف يرتبط بالبقايا الأحفورية لحيوانات أخرى من الثدييات المبكرة.

بحاجة إلى هيكل عظمي

جاء هذا الاختراق الكبير في مجال الاحفوريات عندما اكتشف فريق من علماء الحفريات (بقيادة ديف كراوس) أول هيكل عظمي سليم خلال الحفريات في مدغشقر في عام 1999. وقد أظهر هذا الاكتشاف الرائع، الذي يرجع تاريخه إلى نهاية الحقبة الطباشيرية (قبل 66 مليون سنة)، أن ثدييات «الجندوانتيرين» كانت مختلفةً عن جميع الثدييات الأخرى المعروفة.

حمل الهيكل العظمي من موقع الاكتشاف. (ديفيد كراوس على اليسار).
الصورة: ماريا ستينزل/ National Geographic Society

كان هناك الكثير من الألغاز المحيطة بكيفية ظهور هذا الحيوان لدرجة أنه لا يزال يمثل تحدياً لربط هذه النوع بالثدييات الأخرى. ونتيجة لذلك، كانت عملية توصيفه العلمي طويلة ومعقدة.

الوحش المجنون

أعطينا للهيكل العظمي الكامل المُكتشف اسم «Adalatherium hui»، وهي مزيجٌ من كلمة Adàla، والتي تعني «مجنون» في لغة سكان مدغشقر، وكلمة thorium اليونانية والتي تعني الوحش، وذلك في إشارة منا إلى الميزات الغريبة الموجودة في هذه الثدييات غير العادية.

كان الهيكل العظمي مُحاطاً بكتلة من الحجر الرملي، وأزيلت بعناية كي تظهر العظام كاملةً دون المساس أو الحاق الضرر بها. ونظراً لأن العظام كانت هشّة للغاية، اعتمدنا على فحصها بتقنية التصوير الطبقي المبرمج التي تستخدم الأشعة السينية لرسم خريطةٍ للعظام والأسنان رقمياً. كانت بعض الأجزاء في الاحفورية متآكلة، خصوصاً الأسنان الخلفية والدماغ.

الهيكل العظمي مغمورٌ في الحجر الرملي
الصورة: ماريلو ستيورات، الكاتب

استغرق العمل مئات الساعات من العمل الشاق لتشكيل صورةٍ ثلاثية الأبعاد للحيوان في النهاية باستخدام الكمبيوتر.

ثم بعد ذلك، كان ممكناً طباعة كل جزءٍ بالحيوان ليظهر بالأبعاد الحقيقية باستخدام الطباعة الثلاثية الأبعاد، أو على الأقل تكبيره لدرجة يمكن عندها رؤية التفاصيل بشكل أدق.

اليستر ايفانز وهو يتفحّص أسنان الحيوان المصنوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد
الصورة: جوردون إيفانز، الكاتب

أكثر الثدييات غرابة

كان هناك الكثير من الميزات الغريبة في هذا الحيوان. لم نعثر على مميزات الجمجمة (الثقوب الصغيرة التي تمر عبرها الأعصاب والأوعية الدموية في معظم الثدييات) وعظام الأذن (العظام الصغيرة المتكهفة داخل القوقعة) التي تميز معظم الثدييات أيضاً.

 

كانت تركيبة أسنان هذا الحيوان من بين السمات الأكثر غرابةً لديه. حيث لم يكن يمتلك أسناناً أمامية تنمو باستمرار كما الفأر وحسب، بل كانت أسنانه الخلفية مختلفة تماماً عن أسنان أيّ حيوان ثدي آخر تم وصفه على الإطلاق.

عادةً ما تكون الحواف والنتوءات على الأسنان متسقةً للغاية داخل كل مجموعة من الثدييات، لذلك يمكن أن تعمل مثل بصمة الإصبع لنتعرّف على هوية الحيوان. بينما امتلك هذا الحيوان بصمةً مختلفة، حيث تتخذ شكلاً ذو حواف تشبه حواف الماس وتصطّف بشكل غريب.

يُظهر فحص عظام الساق المنحنية بشكلٍ غير عادي بالإضافة لعضلات الظهر القوية والمخالب الكبيرة على القدمين الخلفيتين أن هذا الحيوان كان حيواناً قوياً، وربما قادراً على الحفر بحثاً عن الطعام أو المأوى، وقد تشير أسنانه الغريبة إلى أنه كان حيواناً عاشباً.

وتظهر الاختلافات الكبيرة بين هذا الحيوان وجميع الثدييات الأخرى المعروفة، في الماضي والحاضر، أن هناك أنواعٌ أخرى من الثدييات. لذلك قد تُمثّل ثدييات «Gondwanatherians» تجربةً مختلفة في التطور ومجموعةً من الثدييات الأولى التي امتلكت أجساماً وطرق حياة مختلفة، قبل أن تفشل هذه التجربة ويموت معظمها تاركةً ورائها الثدييات الأخرى المألوفة اليوم.

الثدييات في عصر الديناصورات

يعود سبب اختلاف هذه المجموعة من الثدييات على الأرجح إلى المكان الذي نشأت فيه، أي على جزيرةٍ معزولة. فقد عاش هذا الحيوان على جزيرة مدغشقر، والتي كانت في ذلك الوقت قد بدأت بالانفصال عن قارة افريقيا والكتل الأرضية الضخمة الأخرى منذ عشرات ملايين السنين.

يمكن أن يحدث الكثير من الأشياء غير المألوفة على الجزر المعزولة. فقد تتطور الحيوانات الكبيرة لتصبح أصغر بسبب نقص الغذاء اللازم لتغذية أعداد كبيرة من الحيوانات الكبيرة.

وعلى العكس من ذلك، فقد تتطور الحيوانات الصغيرة لتصبح أكبر، خصوصاً إذا لم يكن هناك حيوانات مفترسة كبيرة معها. كان الحال كذلك مع الليمورات التي كان حجمها بحجم الغوريلا والتي عاشت على جزيرة مدغشقر قبل بضعة آلاف من السنين فقط، أي قبل وصول البشر إليها.

يُعرف هذا التأثير التطوري بتأثير الجزيرة، وقد يفسر لماذا كان هذا الحيوان يُعتبر واحد من أكبر الثدييات في عصره. كان بحجم القط المحلي وبلغ وزنه 3.1 كجم، وربما بسبب عدم وجود منافسين له من الثدييات على الجزيرة.

نُشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن