Reading Time: 5 minutes

ظلت أجزاء كبيرة من أعماق البحار بمنأى عن اكتشاف البشر لها عن كثب، صحيح أن بعض الغواصات سبرت أعماق البحار، إلا أن بلوغ قاع المحيطات رحلة علمية مكلفة ومعقدة، وهي مهمة مليئة بالتحديات أيضاً نظراً لأن قاع البحر يقع تحت ما يتجاوز 3 أميال من المياه، مما يفرض مستويات هائلة من الضغط على المعدَّات المستكشِفة. حيث يقول أوليفييه سولبيس (باحث وطالب دكتوراه في قسم علوم الأرض والكواكب الأخرى لدى جامعة ماكغيل): “نحن نعرف عن الفضاء الخارجي أكثر مما نعرف عن قاع المحيطات في كوكبنا نفسه، على الرغم من أن أكثر من ثلثي سطح كوكب الأرض مغطى بالرواسب البحرية”.

ولذلك يضيف أوليفييه: “لا نسمع الكثير عن آثار الأنشطة البشرية على قاع البحار (مثلما هو الحال فيما يتعلق بالشعاب المرجانية على سبيل المثال)، ويعود السبب في ذلك ببساطة إلى أن الشعاب المرجانية تبدو موضوعاً أكثر جاذبية من الطين المنحلِّ القابع في قاع البحار. وعندما تدرك أنه قبل إطلاق خرائط غوغل، قضى البشر عدة قرون لكي يضعوا خرائط للقارات كلها، سيكون من السهل عليك أن تدرك مدى الصعوبة البالغة لاستكشاف قيعان البحار والمحيطات ووضع خرائط مفصلة لها”.

درس الباحث سولبيس وفريقه عينة من الرواسب المستمدة من قاع منطقة بحرية تقع وسط شمال المحيط الأطلسي.
مصدر الصورة: أوليفر سولبس

لكن على الرغم من المصاعب، فقد وجد أوليفييه وزملاؤه طريقة لدراسة قاع المحيطات دون المغامرة والذهاب إلى هناك بأنفسهم؛ حيث قاموا بإعادة إنشاء بيئة قاع المحيطات في مختبرهم، وذلك بصناعة عُلَب مليئة بالرواسب التي تعلوها مياه البحر، وإبقائها في مكان مظلم. كما قام فريق البحث بمحاكاة درجة حرارة مياه البحر ومكوناتها الكيميائية كما توجد في الطبيعة، ولم ينسوا أيضاً محاكاة التركيب الكيميائي للرواسب المتجمعة في القاع، ويقول أولفييه إنه من خلال محاكاة الظروف الطبيعية لقاع البحر “لسنا في حاجة إلى الذهاب إلى هناك لأخذ القياسات، وبالتالي نوفر علينا بعض الوقت والجهد”.

ومن ناحية أخرى، يبدو ما اكتشفه فريق البحث من خلال دراستهم أمراً مثيراً للقلق، فقد أصبح العلماء متيقنين الآن من أن التغير المناخي -لا سيما ثاني أكسيد الكربون الموجود في الجو والمنبعث من حرق الوقود الأحفوري- يتسبب في زيادة حموضة المحيطات، ويُتلف الشعاب المرجانية الهشَّة، ويلحق الأضرار البالغة بالنُظم البيئية البحرية سريعة التأثر. إلا أن هذه المجموعة البحثية التابعة لجامعة ماكغيل اكتشفت أيضاً أن ثاني أكسيد الكربون بدأ بالفعل في جرف قاع المحيطات، مما سيؤدي إلى تذويب المواد التي تساعدنا على وقف ارتفاع الحموضة نفسها.

وبهذا الصدد يقول سولبيس: “أصبح البشر الآن قوة جيولوجية إلى جانب القوى الطبيعية الأخرى، ولا يوجد مكان حالياً على سطح الأرض لا نجد فيه أثراً من آثار النشاط البشري. وعلماء المناخ القديم والمتخصصون في علوم الأرض قد تكلموا ووصفوا في كثير من الأحيان التغيرات المناخية الجذرية ووقائع تحمُّض المحيطات التي حدثت في الماضي السحيق منذ ملايين السنين، والتي تسببت في حوادث انقراض جماعي عبر كافة أنحاء الكوكب. وقد وقعت تلك الحوادث بسبب الاصطدامات النيزكية، وحرائق الغابات الهائلة والشاملة، والانفجارات البركانية وغيرها. وفي وقتنا الحالي، يبدو أننا على حافة إحدى هذه الحوادث الكارثية الشاملة، ولست في حاجة إلى القول بأن المتسبب فيه معروف للجميع، لأنه هو نحن تحديداً”.

محترف غوص يستكشف منطقة بحرية تعاني من ظاهرة ابيضاض الشعب المرجانية.
مصدر الصورة: ذا أوشين أجينسي The Ocean Agency

ويبدو قاع البحر في شكله الطبيعي باللون الأبيض الطباشيري، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى تكونه من مادة كربونات الكالسيوم (الكالسيت)، التي تنحل من الهياكل العظمية وأصداف الكائنات البحرية مثل العوالق والشعاب المرجانية. وتقوم هذه المادة بتخفيف حموضة ثاني أكسيد الكربون، مما يحول دون أن تصبح مياه البحر ذات مستوى حموضة مرتفع للغاية.

لكن في أيامنا هذه -وعلى الأقل في بعض المناطق ذات النشاط الإنساني المكثف مثل شمال المحيط الأطلسي ومحيطات الأرض الجنوبية- تحوَّلت قيعانها بالفعل من اللون الطباشيري الأبيض إلى اللون البني القاتم، وذلك نتيجة للأنشطة البشرية التي رفعت جداً من مستويات ثاني أكسيد الكربون في مياه المحيطات، مما أدى بدوره إلى جعلها حمضية للغاية، وذلك وفق دراسة جديدة نشرت في مجلة “بروسيدينغز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز (Proceedings of the National Academy of Sciences)”. وفي ختام دراستهم، توقع الباحثون أن مادة الكالسيت لن تتمكن من مواكبة معدل ارتفاع الحموضة، مما يعني انحلالها قبل أن تؤدي مهمتها الحيوية والضرورية.

وفي هذا السياق يقول سولبيس: “إن مادة الكالسيت في قاع المحيطات تعتبر دواءً ناجعاً مضاداً للحموضة؛ حيث تنحل مادة الكالسيت عندما ترتفع نسبة ثاني أكسيد الكربون في مياه البحر إلى درجة كبيرة، وأثناء عملية انحلالها تزيل مادة الكالسيت الكميات الزائدة من ثاني أكسيد الكربون، ولذلك يفقد المحيط دوائه الخاص ضد الحموضة في حال نفدت مادة الكالسيت من قاعه، وبهذا الشكل سترتفع حموضة المحيطات دون ضابط ولا رادع”.

ولذلك قام الباحثون بقياس سرعة تحلل الترسبات عندما توضع في علب مغطَّاة بمياه البحر، وأوضح سولبيس: “لقد قمنا بذلك لعدد من السنوات، وفي نهاية المطاف أدركنا أنه يمكن وصف هذه التفاعلات الانحلالية بشكل أفضل باستخدام معادلات رياضية بسيطة؛ لأنه إن كنا نعرف الشروط الكيميائية وخصائص الرواسب المتجمعة في القاع، فبمقدورنا حساب معدَّل ذوبان مادة الكالسيت الموجودة في تلك الرواسب”.

وقد استخدم الباحثون أحدث النماذج العلمية الموجودة لتمثيل المحيطات، ومن ثم حسبوا معدلات انحلال الكالسيت في مناطق مختلفة من قيعان البحار والمحيطات. وأسفرت التجارب عن رؤى مهمة بشأن العوامل التي تتسبب في انحلال الكالسيت في الرواسب البحرية. ومن خلال مقارنة معدلات انحلال قاع البحار في زمننا الحديث بتلك المسجلة في عصر ما قبل الصناعة، تمكن العلماء من تحديد الكمية الإجمالية للكالسيت التي تسببت الأنشطة البشرية في انحلالها.

قاع المحيط في منطقة “الماسيف الأطلنطي” من المحيط الأطلسي.
مصدر الصورة: الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)

يعرف العلماء أن مادة الكالسيت لها تاريخ حافل في مساعدة المحيطات والبحار على تخفيض معدل الحموضة، لكن الباحث سولبيس يقول: “إن الأمر الذي يثير الدهشة والقلق في آن معاً هو أن هذه العملية تجري في وقتنا الحالي، ففيما مضى كان العلماء يظنون أنه ما زال أمامنا الكثير من الوقت حتى نرى بعض الكالسيت ينحلُّ في قاع البحار والمحيطات نتيجة ثاني أكسيد الكربون الناجم عن الأنشطة البشرية. لقد كنا ندرك الآليات العامة التي يسير مناخنا وفقها، كما كنا نعرف الآليات التي تمضي المنظومة البيئية البحرية وفقها، إلا أن ما لا نستطيع فعله -بصفتنا علماء- هو توقع أنشطة المجتمع البشري، والطريقة التي ينبغي علينا اتباعها للتأقلم مع هذا العالم المتغير”.

إن النتائج التي اكتشفها هذا الفريق البحثي ذات آثار وعواقب بعيدة المدى، حيث يقول ديفيد تروسمان (وهو باحث مشارك لدى جامعة تكساس-أوستن، ومؤلف مشارك في الدراسة): “لا يرتبط تغير المناخ بالدببة القطبية فقط، وكذلك لا يقتصر تحمّض المحيطات على الشعاب المرجانية وحدها. وتظهر دراستنا أن آثار الأنشطة البشرية أصبحت ظاهرة للعيان وواضحة على طول امتداد مئات الأمتار من السطح وحتى قاع البحار والمحيطات في العديد من المناطق، وارتفاع مستوى الحموضة الناجم عن ذلك في هذه المناطق قد يؤثر على طريقة فهمنا ومعرفتنا بالتاريخ المناخي لكوكب الأرض”.

ومن ناحية أخرى، يخطط الباحثون في أعمالهم العلمية القادمة لدراسة ما سيؤول إليه تحلل الكالسيت في القرون القليلة القادمة، ولذلك يقول العلماء إن الكميات الكبيرة من ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري ما زالت على سطح المحيطات، ومن المحتمل أن يستغرق الأمر عقوداً -بل حتى قروناً- من الزمن، من أجل أن ينزل ثاني أكسيد الكربون إلى قاع البحار والمحيطات، ولذلك يقول سولبيس إننا لم نخسر المعركة بعد، على الأقل في هذه الجولة.

ويضيف: “لحسن الحظ، تحتوي قيعان البحار والمحيطات على كميات هائلة من الكالسيت، على الرغم من أن لدينا أيضاً الكثير جداً من الوقود الأحفوري لحرقه. وبالطبع هذا لا يمنحنا الضوء الأخضر للتسبب في المزيد من التلوث للمحيطات، ولكنه يعني أن المحيطات والبحار ما زالت تعمل من أجلنا ولصالحنا، حيث تنظِّف الفوضى التي نُخلِّفها بتأنٍّ وصبر، مع أن عملها بطيء جداً وقد يستغرق آلاف السنوات…”.

ويختتم سولبيس كلامه آملاً: “نتمنى أن نكون وقتئذ قد أقلعنا عن إدماننا غير الصحي ولا البيئي على الوقود الأحفوري، وذلك إما لأنه قد نفد من بين أيدينا تماماً، أو -وهذا خيار ذكي- لأننا أصبحنا نعتمد على بديل آخر من الطاقات المتجددة”.

مارلين سيمونز، كاتبة لدى مؤسسة نيكسوس ميديا، وهي وكالة أنباء مرخَّصة تغطي أخبار المناخ والطاقة والسياسة، والفنون، والثقافة.