Reading Time: 5 minutes

عندما غادر دانييل هولز (الفلكي المختص بالكونيات) مدينة هونج كونج في 17 أغسطس من عام 2017، كان رأسه يعج بالأفكار التي أمضى الأسبوع بأكمله وهو يلقي المحاضرات حولها، بما فيها أمله بأن الاهتزازات في الفضاء قد تؤدي يوماً ما إلى حسم الجدل المتواصل حول حجم الكون وعمره. ولكنه عرف أن هذا قد يستغرق بعض الوقت، وبالتحديد: الوقت اللازم حتى يرتطم اثنان من أكثر الأجسام كثافة في الوجود ويهزَّا الكون بما يكفي حتى نشعر بالارتجاجات هنا على الأرض، والوقت اللازم لتحديد مصدر الاضطراب، وتوجيه تلسكوباتنا نحو الاصطدام قبل أن يخبو الوهج الضوئي المرافق، وتسود الظلمة مرة أخرى.

وقد قال هولز للحضور في آخر محاضرة له إن الفاصل ما بين رصد الأمواج الثقالية ورصد الضوء من هذه التصادمات بين النجوم النيوترونية سيبلغ حوالي عشر سنوات، وذلك وفق أكثر التوقعات تفاؤلاً. وكان مرصد الأمواج الثقالية بقياس التداخل الليزري (ليجو) قد تمكن من رصد اندماجات ثقوب سوداء، كما أن مقياس التداخل فيرجو كان قد بدأ يعمل منذ أسبوعين في إيطاليا، أي أن العمل كان يسير بانسيابية. ولكن عندما عاد هولز (الذي يعمل في جامعة شيكاغو) إلى إيلينويس، اكتشف أن المستقبل وصل مبكراً. فقد أدت أمواج الصدمة الثقالية الناتجة عن تصادم عملاقين قريبين إلى تموجات اخترقت طائرته -والكوكب بأسره أيضاً- أثناء تحليقه في الجو، وكانت المراصد حول العالم تُسارع إلى إجراء عمليات الرصد المرئية اللاحقة.

يستذكر هولز: “بمجرد هبوطنا، انفجر هاتفي بالرسائل والإشعارات. اتصلت بالإنترنت فوراً وجلست هناك لأبدأ العمل فورياً على حاسوبي المحمول. لقد كانت هذه أروع تجربة في حياتي”. وبعد اثنتي عشرة ساعة من الهبوط، كان هولز قد تمكن من إجراء حساب أولي لأكثر الأرقام إثارة للجدل في علم الكونيات، وهو: سرعة توسع الكون. ولكن بوجود نقطة بيانات واحدة فقط، لم يتمكن هولز من الحصول على القياس الحاسم الذي كان يحلم به منذ ثلاث عشرة سنة، ولكنه على الأقل عرف أخيراً أن المشروع أصبح ممكناً. والآن وبعد إجراء المزيد من الحسابات الرياضية، عاد هولز مع توقع جديد: قد يتمكن مشروع ليجو من حسم الجدل الذي دام لعقود طويلة خلال خمس سنوات، وذلك وفقاً لرسالة جديدة في مجلة Nature.

ويتمحور هذا الجدل حول سؤال واحد: ما هي سرعة توسع الكون؟ يمكننا العثور على الجواب بشكل بسيط من الناحية النظرية، وهو المعروف باسم: ثابت هابل. حيث يجب أن تبدأ بجسم في آخر مراحل حياته (وعادة ما يكون نجماً يقترب من الموت بطريقة معينة)، ينفجر هذا النوع من النجوم (والمسمى “المستعر الأعظم من النمط 1a”) دائماً بنفس الطريقة، ولهذا يمكن للباحثين أن يحسبوا بُعده بناء على درجة السطوع. ولحساب ثابت هابل، يجب أن تعرف السرعة التي يتحرك بها الانفجار مبتعداً عنك، وهو ما يمكنك أن تحققه بدراسة لونه، وهو مقياس لمدى تمدد طيفه الضوئي. ويمكن للباحثين أيضاً أن يفعلوا شيئاً مماثلاً مع المعلومات في الضوء القديم الذي تبقى بعد الانفجار الكبير بفترة قصيرة، والمعروف باسم: إشعاع الخلفية الميكروي الكوني (اختصاراً CMB).

وبمجرد أن تتمكن من حساب سرعة التوسع، يمكنك أن تعود بالحسابات إلى الخلف لمعرفة حجم الكون وعمره بدقة، أو توجِّه حساباتك نحو المستقبل لمعرفة ما سيحدث للكون لاحقاً. أما المشكلة، فهي أن طريقتَي الحساب الحاليتين تعطيان أجوبة مختلفة.

وإن الفرق بين أحدث التقديرات باستخدام طريقة المستعر الأعظم (73.5 كيلومتر في الثانية لكل ميجا فرسخ فلكي، في يناير، ويساوي الفرسخ الفلكي حوالي 30 تريليون كيلومتر) وبين طريقة CMB (67.4، في يونيو) يبلغ حوالي 9%. ولم يُثِر هذا الفرق أية ضجة تذكر في الأوساط الفلكية في البداية، نظراً للصعوبة الهائلة لهذه الحسابات، وبما أن الانفجار الشديد البعيد يبدو مشابهاً لانفجار ضعيف وقريب، فإن حساب بُعد المستعر الأعظم يعتمد على “سلم البعد الكوني”، وهو تقنية معقدة تتضمن استخدام ثلاثة أنوع من الأجسام على أبعاد مختلفة، أو “درجات”. ويدرس الفلكيون أولاً النجوم الوامضة في جوارنا ضمن المجرة باستخدام أساسيات الهندسة، ومن ثم يستخدمون هذه المعلومات على النجوم المماثلة في المجرات البعيدة لتقدير وضع المستعرات العظمى هناك. يقول هولز: “إنهم بالغو الحرص على أكثر من صعيد، ولكن هناك الكثير من التعقيدات”.

وتتطلب الدراسة بطريقة CMB حسابات أقل، ولكنها تحتاج أيضاً إلى افتراضات أكثر. حيث يحتفظ إشعاع الخلفية بسجل لتوسُّع الكون في طفولته، ولاستقراء هذا التوسع وصولاً إلى الوقت الحاضر، يجب على الفلكيين أن يعتمدوا على كل معلوماتهم حول تأثير الجاذبية والمادة والطاقة المظلمة والمادة المظلمة عبر 13 مليار سنة.

وكان من الممكن أن يحدث خطأ في الحساب بأي من الطريقتين بسبب أية عيوب، ولكن النتيجتين رفضتا رفضاً قاطعاً أن تتقاربا، على الرغم من جميع جهود الفلكيين من الطرفين في تدقيق حساباتهم والتحقق منها مراراً وتكراراً. ومن الممكن طبعاً أن يكون هذا الفرق عائداً إلى حظ عاثر للغاية واجه الفلكيين في جميع مراحل حساباتهم في سلسلة لا تكاد تصدق من الحوادث الإحصائية المتتابعة، غير أن هذا الاحتمال لا يتجاوز حالياً واحداً بالألف.

يقول آدم رايس (فلكي مختص بالكونيات في جامعة جون هوبكنز، وممن يعملون على طريقة المستعر الأعظم): “لقد وصلت الأمور بنا إلى مرحلة بدأنا فيها نشك في أن هذه المشكلة لا تعود إلى خطأ في الحسابات. هناك شيء مثير للاهتمام يحدث دون علمنا، شيءٌ ما يتجاوز فهمنا للكون”.

ويراهن هولز بحياته المهنية على أن الأمواج الثقالية قد تكون الفيصل في هذه المسألة. وقد نشأت الفكرة من بحثٍ تخميني يعود إلى العام 1986 للفيزيائي الأميركي برنارد شوتز، وهي تقول بأنه يمكن أن نستخدم نوعاً آخر من النجوم الميتة بدلاً من المستعر الأعظم كوسيلة أكثر دقة لقياس المسافات الكونية. فبعد الانفجار، تنهار النجوم العملاقة التي لا تمتلك مقومات الثقوب السوداء متحولة إلى نجوم نيوترونية، وهي عبارة عن كتلة مكتظة بالجسيمات تبلغ كثافتها حداً يكفي حتى لسحق الذرات، وعندما تتصادم جثتان نجميتان من هذا الشكل، فإن الانفجار الناتج يطلق تموجات تعرف باسم الأمواج الثقالية.

وبما أن هذه الأمواج عبارة عن تموجات في المكان نفسه، لا يمكن لأي شيء أن يقف في طريقها، ولهذا تخترق غيوم الغبار والغازات، وتنتشر من موقع التصادم وصولاً إلى الأرض، وهي التي يشرف العلماء على ثلاثة كواشف تأخذ شكل حرف L (ويبنون المزيد منها) من أجل التقاطها. ونتيجة مرور الأمواج عبر الكوكب، فإنه ينضغط بشكل خفيف للغاية، فتصبح إحدى ذراعي الكاشف أقصر من الأخرى بمقدار قطر بروتون واحد تقريباً، وحينئذ تقوم بتنبيه الفيزيائيين والفلكيين حول العالم. وباستخدام المعادلات الدقيقة للنسبية العامة، يمكن للباحثين أن يحددوا البعد عن موقع التصادم بدقة بالاعتماد على بعض الحسابات وشيء من الافتراضات، دون تسلُّق سلالم فلكية أو تعداد جسيمات.

وقد قام هولز في 2005 بتحسين نظريته، مقترحاً أن التقاط الضوء من تصادم النجوم النيوترونية والتقاط الأمواج يمكن أن يؤمِّن معلومات السرعة اللازمة لدعم قراءة بعد الأمواج الثقالية، ولهذا انضم إلى مشروع ليجو ليترأس هذا العمل. ويستذكر هولز أن الكثير من زملائه أخبروه أن هذا لن يحدث، بما أن البيانات الفلكية تتوقع أن حدوث اندماجات النجوم النيوترونية أمر نادر للغاية، ولكن جميع قطع الأحجية أصبحت بين يديه في 17 أغسطس أثناء رحلة عودته إلى المنزل.

وقد حُسبت قيمة ثابت هابل إثر هذا الحدث، وتبيَّن أنها تساوي تقريبا 70، أي تماماً ما بين القيمتين التقليدين، ولكنها مترافقة بارتياب يصل حتى إلى أكثر تقديرات الطريقتين تطرفاً. ويتطلب حل هذا النزاع تخفيض هذا الخطأ المحتمل إلى 2% أو 3%، وهو ما سيتطلب رصد ما بين 30 و50 تصادماً من نفس النوع الذي تم رصده السنة الماضية وفقاً لحسابات هولز في بحثه. وبناء على تزايد حساسية ليجو، والوتيرة الافتراضية لاندماجات النجوم النيوترونية، فإنه يتوقع الآن أننا سنحصل على ما يكفي من البيانات لحسم النزاع خلال خمس سنوات.

ويوافقه رايس (الذي لم يشارك في هذا العمل) على أن الأمواج الثقالية تمثل مساراً معقولاً ومثيراً نحو الحل، ولكنه يشير إلى أن من الصعب تخمين وتيرة اكتشافنا للاندماجات، ويقول: “ربما ستحدث الاندماجات بشكل أسرع، ولكنها إذا حدثت بعُشر هذه السرعة، فلن أرغب في الانتظار لخمسين سنة”.

ويعترف هولز أن من الصعب تخمين وتيرة حدوث شيء ما بعد حدوثه لمرة واحدة فقط، ولكنه يقول إنه يرى سبباً يدعو للتفاؤل، إذا كانت حساباته صحيحة. ويعتمد نموذجه على أدوات إحصائية شائعة تستخدم لعد الأحداث النادرة، ووفقاً للنموذج فإنه يتوقع حدوث ما بين 30 و400 اندماج بحلول العام 2026. وتكفي أية واحدة من هذه النتائج لتقليل الارتياب في قيمة ثابت هابل إلى أقل من 3% كما يتوقع، ولهذا لن يضطر أحد إلى الانتظار خمسين سنة.

وإذا مكنتنا الأمواج الثقالية من قياس سرعة توسع الكون بشكل حاسم، فإن هناك ثلاثة نتائج محتملة؛ فقد تدعم بيانات ليجو طريقة CMB، مما يعني أن السلم الكوني فشل في الوصول إلى المستعرات العظمى بدقة. ويقول رايس إنه لا يمكن إلا “لمؤامرة من الأخطاء” أن تفسر الفشل الذريع لنصف دزينة من الطرائق المستقلة للمعايرة، ويشبه هذه الحالة بالتعرض لضربة البرق عدة مرات.

يقول كل من هولز ورايس إنه سيكون من المثير للاهتمام أكثر إذا دعمت النتيجة حسابات المستعرات العظمى، وهو ما قد يشير إلى افتراض خاطئ حول كيفية تطور الكون منذ نشأته حتى الآن، وهي إشارة متوقعة لظهور شكل جديد للفيزياء. ويتوقع هولز أن سلوك الجاذبية في ذلك الوقت قد يكون مختلفاً عما كنا نعتقد، أو قد تكون هناك جسيمات غير مكتشفة لم نأخذها بعين الاعتبار في النموذج الكوني.

أما الاحتمال الثالث، فهو أن يقدم لنا ليجو نتيجة مختلفة تماماً وخارجة عن المجال المحدد بالقياسات السابقة بكلتا الطريقتين، وهو ما يعني كابوساً فيزيائياً، ويهز علم الكونيات إلى أعماقه. يقول رايس: “ستُلقي هذه النتيجة بظلال الشك في قدرتنا على إجراء هذه الحسابات بشكل مطلق. وإني آمل ألا نجد أنفسنا في موضع كهذا”.

وحالياً يشعر هولز بالإثارة لنجاح رهانه؛ ففي السنة الماضية كان يعتقد أن نقطة البيانات الأولى كانت تبعد عشر سنوات، ولكنه سيبدأ انتظار النقطة الثانية خلال بضعة أشهر عندما يعود ليجو إلى العمل في فبراير. يقول هولز: “لقد أمضيتُ سنوات وأنا أعمل على هذه الفكرة وأطورها. وفي أقل من نصف يوم، أثبتت فعاليتها أمامي”.