Image

سيتم إطلاق "إنسايت" هذا الأسبوع

Bread assortment تصّور فنّي للمسبار إنسايت وأجهزته على كوكب المريخ.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفّاث - معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

من بين جميع العجائب الموجودة في نظامنا الشمسي، لا يوجد مكان خارج كوكبنا تمت دراسته بشكل معمّق جداً أكثر من المريخ. منذ المرة الأولى التي تم فيها إرسال البشر إلى النجوم، قمنا بإرسال أكثر من 21 مركبة فضائية مختلفة لدراسة جارنا الذي يتّسم بلونه الصدئ. توجد الآن عربتان تتجولان داخل الحفر، وستة أقمار صناعية تحوم في سمائه. لكن هذه النشاطات كلها تبقى غير كافية، لذلك فإن المريخ على وشك أن يستقبل نزيلاً آخر.

في غضون أسبوع تقريباً، سوف تطلق ناسا مسبارها المسمّى إنسايت. سيكون هذا أول مسبار فضائي يهبط على السطح الغباري بعد مرور 10 سنوات على هبوط المسبار فينيكس بالقرب من قمة القطب الشمالي عام 2008. وخلافاً للعربة كيوريوسيتي الأخيرة، فإنّ المسابر مثل إنسايت وفينيكس لا تتجول حول الكوكب، بل تقوم بدلاً من ذلك باستكشاف المناطق المحيطة بمكان هبوطها على عمق أكبر.

على الرغم من أن كوكب المريخ قد استحوذ على الاهتمام لعقود من الزمن، إلّا أنه لا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه عنه. نحن نعلم أنّ له نواة، إلا أنَّ العلماء ليسو متأكدين من حجمها أو مماذا تتكون. قد تكون صغيرة وكثيفة، مصنوعة من الحديد والنيكل مثل نواة كوكبنا الأرضي، أو أكبر منها ومصنوعة من عدة أنواع من المواد. كثيراً ما يشار إلى كوكب المريخ على أنه كوكب ميت، ولكنه في الواقع نشط إلى حد كبير، فقد كان لديه براكين نشطة قبل مدة تتراوح بين 50-100 مليون سنة فقط، وفي الآونة الأخيرة ومن الناحية الجيولوجية، يرغب الباحثون في معرفة المزيد عن كيفية تشكّلها، وما الذي جعلها تتوقف عن الثوران.

يقول مارك بانينغ، وهو باحث مساعد في بعثة إنسايت: “كل ما نفعله من خلال المسبار إنسايت، هو أننا نحاول فهم كيفية تشكّل وتطوّر المريخ”. ويضيف أيضاً: “لكي نشكل الصورة الكاملة لكيفية تشكل الكواكب الأرضية (الكواكب الصخرية)، نحتاج إلى فهم هذا الجزء الأساسي من كوكب المريخ وتاريخه”. إنّ الهدف من بعثة إنسايت هو النظر تحت سطح المريخ لحل هذه الألغاز الكبيرة وهذا يعني أنها ستحمل معها بعضاً من المعدّات على درجة عالية من التخصّص.

كيف يعمل؟

سوف يهبط المسبار إنسايت في منطقة تسمى “إليسيوم بلانيتيا”، إلى الشمال قليلاً من المنطقة التي تتجول بها العربة الجوالة كيوريوسيتي. بعد هبوطه، سيقضي شهرين من الزمن وهو يضع أدواته العلمية على أرض المريخ باستخدام ذراعه الروبوتية، وأكثر هذه الأدوات حساسية هو مقياس الزلازل المصنّع بشكل خاص. إنّ هذا المقياس ليس كغيره من مقاييس الزلازل كتلك التي تقيس الزلازل في كاليفورنيا، فهو حساسٌ لدرجة أنه يستطيع قياس حركة الأرض بمقادير تعادل أبعاد الذرة الواحدة. فإذا اهتزّ المريخ حتى بمقدار ضئيل يصل إلى مستوى المسافات التي تفصل بين الذرات، فإنّ إنسايت سوف يلتقط ذلك الاهتزاز.

بعد ذلك سوف يقوم بنصب جهاز HP3 الخاص به، والذي سوف يتم غرزه على عمق يقرب من 5 أمتار تحت سطح التربة. إنّ جهاز HP3 هو أساساً مقياس كبير للحرارة سيبقى في التربة لمدة عام مريخي كامل، أو عامين أرضيين. أثناء دوران المريخ حول الشمس، سيراقب جهاز HP3 تقلّبَ درجة الحرارة الداخلية للكوكب.

إن فهم الحركات الداخلية ومستويات الحرارة داخل المريخ يمكنه أن يخبرنا الكثير عن مدى نشاط هذا الكوكب، وهو ما يعطينا بالتالي فكرة عن تاريخه. قد يكون هنالك رواسب حارة منصهرة لا زالت تتدفق على أعماق كبيرة تحت قشرة الكوكب، أو ربما لاتزال هناك دلائل حتى على وجود براكين نشطة. يشير أعضاء الفريق إلى كوكب المريخ على أنه كوكب “معتدل” لأنه أكبر من القمر ولكنه أصغر من الأرض. خسر القمر الكثير من حرارته في وقت مبكر بعد تشكّله بينما احتفظت الأرض بالكثير من حرارتها.

إنّ كوكبنا نشيط جداً لدرجة أنّ الصفائح التكتونية، البراكين، والعمليات الجيولوجية الأخرى الناجمة عن هذه الحرارة الداخلية باستمرار تتسبب بمحو السجلات الجيولوجية التي تعود إلى الحقبة الأولى من تاريخ نشأتها. إن نشاطاً من هذا النوع يكون مدفوعاً بالحرارة التي تريد الخروج من المناطق العميقة في باطن الكوكب. يتصف المريخ بما يجعله يحتل منزلةً تتوسط بين الكواكب النشطة في مجموعتنا الشمسية، وقمرنا الصغير غير النشط، مما يجعله مكاناً رائعاً لكي نفهم بشكل أفضل الاختلافات والتشابهات بين الأجسام الصخرية الصغيرة في نظامنا الشمسي الداخلي.

لن يكون إنسايت أول مركبة فضائية مصممة لدراسة البنية الداخلية للمريخ فحسب، بل إنه سيصنع التاريخ بطريقة مختلفة. للمرة الأولى، تصمم وكالة ناسا اثنين من الأقمار الصناعية المكعبة، وهي أقمار صناعية مصغّرة (بحجم الحقيبة تقريباً) للسفر برفقة إنسايت خلال رحلته إلى المريخ، حيث سيعملان كوحدتين لترحيل الاتصالات Comm Relay. فحالما يدخل إنسايت مدار المريخ، سيكونان شاهدين على دخوله الغلاف الجوي، عندما يقومان بإرسال بيانات الاستجابة إلى “شبكة الفضاء السحيق” التابعة لناسا، مما سيسمح لفريق البعثة بمتابعة حالة المركبة التي تخص عملية الهبوط.

سيكون من شأن هذا العمل الجماعي وهذه الرحلة الطويلة أن يجعل الأقمار الصناعية المكعبة الخاصة بالمشروع التجريبي “ماركو” (Mars Cube One) تحمل لقب أولى الأقمار الصناعية المكعبة للتجوال بين الكواكب يتم إطلاقها في الفضاء. في حال تمّت عملية ترحيل الاتصالات بالطريقة التي يأملها الفريق، فإنها قد تغير الطريقة التي تتواصل بها البعثات الكوكبية أثناء عمليات دخول الغلاف الجوي الخطرة مستقبلاً. حيث تعتمد المركبة الفضائية التي تدخل الغلاف الجوي عادةً على أقمار صناعية أكبر حجماً لترحيل الاتصالات، ولكنها تعمل فقط حالما تصل المركبة الفضائية إلى سطح الكوكب. يمكن لمجموعات الأقمار الصناعية المكعّبة مثل ماركو أن تتعقب البعثة وتقوم بتحديث بياناتها على طول الطريق، مما يضفي مستوى من الحماية على حيثيات البعثة.

على افتراض أن كل شيء سيسير على ما يرام مع عمليتي الإطلاق والهبوط، يمكن لإنسايت أن يقدم لنا منظوراً فريداً عن الكوكب الشهير المجاور لنا. بعد أن يهبط المسبار على الكوكب، لن يطول الأمر بالعلماء حتى يبدأوا بتركيب الأجزاء التي تخص عدداً من أكبر الألغاز عن الكوكب الأحمر، وهو ما سيساعدنا في معرفة المزيد عن كوكبنا في النظام الشمسي.

تصور فنّي عن إطلاق إنسايت.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفّاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

متى سيتم إطلاقه؟

ستُفتح نافذة الإطلاق رسمياً في 5 أيار في تمام الساعة 4:05 صباحًا بتوقيت المحيط الهادي. سيتم إطلاق إنسايت من قاعدة فاندنبرج الجوية في كاليفورنيا، مما يجعلها أول بعثة كوكبية يتم إطلاقها من الساحل الغربي للولايات المتحدة. ستستغرق المركبة الفضائية مدة ستة أشهر حتى تصل إلى المريخ، حيث من المقرر أن تهبط في إليسيوم بلانيتيا في 26 نوفمبر من هذا العام.

error: Content is protected !!