Reading Time: 4 minutes

بعد تفشِّي الإصابات بالحصبة في منطقة شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، صار الناس يتوافدون لتلقِّي لقاحها. لكن للأسف لا يعرف كثيرٌ من الكبار المولودين في فترة طفرة المواليد Baby Boomers (الفترة التي امتدَّت من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف الستينيات تقريباً) أنهم قد يحتاجون إلى جرعة جديدة من اللقاح.

إذا كنتَ من مواليد ما قبل العام 1957، فقد وُلدتَ في فترة كان فيروس الحصبة فيها منتشراً للغاية إلى درجة أن مراكز مكافحة الأمراض واتقائها (CDC) تعتبرك أحد المُحَصَّنين من الإصابة بالمرض؛ حيث أن تَلَافِي الاحتكاك بالفيروس في طفولتك كان في حُكم المستحيل تقريباً. أما مَن وُلدوا بعد عام 1975 فقد أتوا إلى عالَمٍ مختلف يحميه لقاحُ حصبةٍ شديد الفاعلية، وهو ما تلقَّته الغالبية العظمى من الأمريكيين اليوم في طفولتهم. لكن المشكلة تكمُن في تلك المنطقة الرمادية، عند مواليد الفترة ما بين أولئك وهؤلاء.

استُخدِمَ لقاح الحصبة للمرة الأولى عام 1963، لكن النسخة الأكثر انتشاراً منه حينها كانت مكوَّنة من فيروسات “ميتة” فقدَت فاعليتها تماماً، أما النسخة “الحَيَّة” المُوهَنَة من اللقاح فلَم تكن قد اعتُمِدَت كنسخة وحيدة حصرية من اللقاح في الولايات المتحدة حتى قدوم العام 1968 (وهناك بلدان أخرى استمرت لسنوات قليلة بعد ذلك في استخدام النسخ الميتة الخاملة). في الواقع هناك 600 ألف إلى 900 ألف شخص فقط هُم مَن تلقُّوا نسخة اللقاح المهجورة، لكن الخبراء بمراكز مكافحة الأمراض CDC يوضحون أن المشكلة الحقيقية هي أن معظم هؤلاء لا يعرفون أنهم ينتمون لهذه المنطقة الرمادية؛ لأنهم لا يحتفظون في العادة بسجلات أو توثيقات لعمليات التطعيم.

هناك أيضاً نسخة أقل فاعلية من اللقاح الحي استُخلِصَت من سلالة “إدمونستون بي” من فيروسات الحصبة التي عُزِلَت لأول مرة من المراهق ذي الإثني عشر عاماً (ديفيد إدمونستون)، فالذين أخذوا تلك النسخة تلقُّوا معها أجساماً مضادة، مما قلَّل بشكل ملحوظ من فاعلية اللقاح، كما يزعم الخبراء. وتُقَدَّر أعداد جرعات هذه النسخة المُعطاة ما بين عاميّ 1963 و1975 بـ 18.9 مليون جرعة (جرعة، لا شخص).

فإن كنتَ من مواليد 1976 أو ما بعدها، فخبراء مراكز مكافحة الأمراض CDC يؤكدون أنك قد تلقَّيْتَ، ولا بد، اللقاح الثلاثي الحديث MMRII الذي ما زال مُستخدَماً حتى يومنا هذا. أما إن كنتَ من مواليد الفترة الرمادية، ولديك قلقٌ مستَحَقٌّ على مناعتك، فتحدَّث إلى طبيبك بشأن إعادة التطعيم.

نقطتان يجب توضيحهما لمن أخذ اللقاح القديم

لاحظ العلماء في الستينيات أن مَن أخذوا اللقاح المُستخلَص من فيروسات ميتة خاملة كانوا عُرضَةً لحالة مرضية جديدة غريبة ظهرَت عند التعرض لفيروس الحصبة الحقيقي بكامل قوته، أطلقوا عليها “متلازمة الحصبة اللانَمَطية”، تضمَّنَت أعراضها هجمات قصيرة حادة من الحمى (تستمر ليومين أو ثلاثة) مع الصُّداع والسُّعال والطفح الجلدي وآلام العضلات، وفي بعض الحالات رُصِدَت كذلك إصابات رئوية أو كبدية.

هذه الحالة حقيقية ومُسجَّلة بالطبع، لكنها لا تُمثِّل تهديداً كبيراً لمتلقِّي اللقاح الميت. تقترح بعض الدراسات الحديثة على القِرَدة أن الإصابة بالحصبة اللانمطية قد تكون نتيجة النقص في نضوج الأجسام المضادة، الناشئ بدوره عن استخدام لقاح غير فعَّال. وتُعدُّ احتمالات الإصابة في الواقع ضئيلة للغاية، لكن المراجع الطبية لا تزال تُدرجها تحت التنويعات غير المعتادة للحصبة. وهناك دراسة في عام 2015 لحالة واحدة من الحصبة اللانمطية، جاء فيها أن الحالة محل الدراسة هي أول حالة تُرصَد منذ عام 1980. وفي عام 1982 وَرَد خِطاب كَتَبَهُ اثنان من خبراء CDC إلى دورية الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ذكرا فيه ملاحظتهما بأن الحصبة اللانمطية لم تمثِّل في الواقع أي تهديد سوى لنُدرة من الناس أخذوا اللقاح الحي بعد اللقاح الميت بأشهر قليلة، ما يعني أن الأمر برمته يمكن التغافل عن خطره الآن تماماً. مع ذلك فبعض معارضي مبدأ التطعيم يحلو لهم استحضار الحصبة اللانمطية كفزَّاعة لإقناع الناس بمخاطر التطعيم، لكن مؤسسة CDC لا تزال تؤكد على أهمية أن يحظى كلُّ مَن تلقَّى اللقاح الميت قديماً بجُرعة جديدة من اللقاح الحي، لأن مخاطر عدم التطعيم كبيرة وحقيقية تماماً.

النقطة الثانية هي أن بعض مَن تلقّوا اللقاح الجديد (بعد اللقاح القديم الميت) أبلغوا بتعرُّضهم لتفاعلات حساسية موضعية شديدة في أماكن حَقن اللقاح. وقد افترض العلماء الذين بحثوا – في الستينيات – في أمر تلك الشكاوى أن السبب نفسه يقف خلف هذه التفاعلات والإصابة بالحصبة اللانمطية؛ وهو تلاقي فيروسات الحصبة في الدم بالأجسام المضادة الضعيفة التي أنتجها اللقاح الميت، بالإضافة إلى الحساسية المتأخرة التي يثيرها الفيروس نفسه. وهناك دراسة أجريت عام 1978 على 75 طفلاً ممن تعرضوا لإعادة التطعيم، وجدَت أن 45% منهم لم تظهر عليهم أية أعراض جانبية بعد تلقِّي اللقاح الجديد، و28% اشتكوا من بعض الأعراض الجسمانية العامة مثل الصداع أو الإجهاد أو السعال أو الحمى الخفيفة أو احتقان الحلق، و20% تقريباً شعروا بآلام موضعية حول مكان الحَقن لفتراتٍ وصلَت إلى خمسة أيام، وأخيرا أقلية عاثرة الحظ (4%) عانَت من وعكات شديدة -شملَت كلاً من الأعراض العامة والآلام الموضعية- لفترات امتدَّت حتى ثمانية أيام بعد الحَقن. مع ذلك فقد تعافى جميع مَن شارك في الدراسة بعد ذلك على نحو جيد، وقد وصفَت الدراسة الأعراض الجانبية في عمومها بأنها أخف وطأةً بكثير من أعراض الإصابة بمتلازمة الحصبة اللانمطية.

وبعد هذا التوضيح – ورغم هذه المخاطر المُحتمَلة – لا تزال مؤسسة CDC توصي بشدة بتلقِّي اللقاح الجديد الحي؛ حيث لا تُوفِّر النسخة القديمة المهجورة حمايةً كافية من الإصابة بالحصبة. ويمكنك بالطبع – إذا كانت لديك مخاوف حول أية آثار جانبية محتملة – أن تطلب من الأطباء في مركز التطعيم الإبقاء عليك قليلاً هناك تحت الملاحظة، فهذا بالطبع أفضل كثيراً من الإصابة بالفيروس فضلاً عن المساعدة في نشره.

ماذا تفعل لو لم تكن تعرف أي لقاحٍ أخذْت؟

إذا كنتَ من مواليد الفترة الرمادية، فالخطوة الأولى هي محاولة العثور على وثائقك وسجلاتك الصحية. على الأرجح لن يحتفظ الأطباء بوثائق بهذا القِدَم، لهذا يوصي CDC بسؤال أفراد العائلة عن المَواضِع المحتملة لتخزين السجلات العائلية القديمة من هذا النوع. إن لم تنجح بعد ذلك في العثور على شيء، تستطيع استشارة طبيبك بشأن الخضوع لاختبار معايرة. تُظهِر اختبارات المعايرة إذا ما كانت لديكَ أجسامٌ مضادة خاصة بمرض معين، وستخبرك النتيجة بمدى كفاءة مخزونك من الأجسام المضادة للحماية من الإصابة بفيروس الحصبة؛ فإن لم يكن لديكَ ما يكفي منها فبإمكانك أن تتلقى جرعة جديدة من اللقاح على الفور.

ومع ذلك، فإن خبراء CDC يؤكدون أنه لا يوجد ضرر من تلقِّي جرعة أخرى من لقاح الثلاثي MMR حتى إن كنت تمتلك المناعة اللازمة ضد الحصبة (أو الحصبة الألمانية أو النُّكاف). فإذا كان سيشق عليك البحث في سجلات العائلة القديمة أو الخضوع لاختبار معايرة، يمكنك التوجه في الحال للحصول على جرعة من اللقاح، خاصةً إذا كنتَ تعيش قريباً من أماكن انتشار الإصابة