Image

أبنية صديقة للبيئة مشيدة من مواد معاد تدويرها

Bread assortment برج ريفر بريتش، تصميم أولي لناطحة سحاب خشبية في وسط شيكاغو
حقوق الصورة: مجلس المباني المرتفعة والمساكن الحضرية

لن تكون مساكن المستقبل كما تظهر في قصص الخيال العلمي، فلن تزود بسيارة طائرة أو خادم روبوتي. وعلى الرغم من أنها ستكون مزودة بمجموعة من تقنيات الطاقة النظيفة لم يكن وجودها متخيلاً، مثل النوافذ الشمسية، وبطاريات الليثيوم الهوائية، والذكاء الاصطناعي، فإنها ستكون مبنية بشكل أساسي من الخشب والمواد المستعملة، مثل الإسمنت والسجاد المعاد تكريرهما.

يقول الخبراء أن هذه التقنيات تقل تكلفتها بشكل متزايد، وستسهم بشكل مباشر في تخفيف الانبعاثات الكربونية.

تقول إليزابيث بيردزلي، مستشارة أساسية في السياسات في المجلس الأميركي للأبنية الصديقة للبيئة، والذي يعطي شهادات موثقة للأبنية الفعالة من حيث استهلاك الطاقة: “يمكن تشييد أبنية ذات ناتج كربوني معدوم”. وقد ذهبت بيردزلي إلى بون في ألمانيا مؤخراً، وذلك لحضور مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في عام 2017، وهي تؤكد على ضرورة أن تصبح كل الأبنية قادرة على إنتاج ما يساوي استهلاكها من الطاقة على الأقل بحلول عام 2050. وتقول: “لقد كنا ندرس التأثير على المناخ لعقود طويلة، وقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات فعالة”.

تتسبب الأبنية بالتلوث بطريقتين مختلفتين. الأولى هي استهلاك الطاقة، حيث تستهلك الأبنية السكنية والتجارية ما يساوي 70% من مجمل استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، وهي الكهرباء التي ينتج معظمها من حرق الفحم والغاز الطبيعي الغنيين بالكربون، أما الطريقة الثانية فهي استخدام مواد مثل الفولاذ والخرسانة، وهي مواد ذات أثر كربوني كبير.

للتخفيف من استهلاك الطاقة، تقول بيردزلي أنه يمكن لأصحاب المنازل ومدراء الأبنية تركيب مصابيح ثنائية باعثة للضوء LED، وتوليد الكهرباء من الألواح الشمسية على الأسطح، واستخدام سخانات مياه وأجهزة تكييف ذكية لتخزين هذه الطاقة النظيفة. كما تتحدث عن تقنيات أخرى، مثل النوافذ التي تعتم تلقائياً عندما ترتفع حرارة الغرفة، بحيث توفر الطاقة المستهلكة للتكييف مع الحفاظ على راحة سكان المنزل.

تقول بيردزلي: “قام مصنّعو أجهزة الإنارة بتطوير أنظمة تعتمد على الحساسات لتمييز وجود شخص ما في الغرفة، وما إذا كان هذا الشخص نشطاً، ولم تعد هذه الأنظمة مكلفة”.

قرية بيدزيد البيئية، وهي مشروع تطوير عقاري سكني ذي ناتج كربوني منخفض في والينجتون في المملكة المتحدة
حقوق الصورة: توم تشانس

ما سبق هو جزء من المشكلة، أما الجزء الآخر وفق بيردزلي هو أن تحل الشركات العقبات التي تقف في وجه عمليات تشييد الأبنية بمواد ذات نسب قليلة من الكربون، بدلاً من استخدام الفولاذ والإسمنت. ويتم تصنيع الفولاذ بتسخين الحديد الخام مع الفحم في فرن عالٍ (والمسمى أيضاً بالفرن اللافح)، أما الإسمنت، وهو العنصر الرابط في الخرسانة، فيصنع بتسخين الحجر الكلسي والصلصال في فرن، ويؤدي تسخين كليهما إلى إطلاق ثنائي أكسيد الكربون.

ويتطلب تصنيع الفولاذ والإسمنت قدراً هائلاً من الطاقة لتوليد الحرارة الضرورية، ويقوم المنتجون بتوليد هذه الحرارة بحرق الفحم، والغاز الطبيعي بدرجة أقل. ويولِّد مجمل إنتاج الفولاذ والخرسانة ومواد البناء الأخرى ذات الصلة من التلوث الكربوني أكثر من جميع المركبات الآلية على وجه الكوكب، ويشير هواة دراسة الطاقة إلى التلوث الناتج عن مواد البناء بوصفه “الكربون المتجسد”.

تقول بيردزلي: “بالنسبة لمواد البناء، بدأ الاهتمام يتزايد مؤخراً بالآثار البيئية لهذه المنتجات. ما هو عمرها؟ أهي منتجات تدوم طويلاً، أم أنها ستستبدل قريباً وينتهي بها المطاف في مطمر أو فرن للحرق؟ يوجد حالياً منتجات جديدة، وهي قادرة على تقييد الكربون، بحيث تتحول إلى وسيلة لاستهلاكه”.

بدأ المنتجون بدراسة كيفية تشييد أبنية كبيرة، وحتى ناطحات سحاب، باستخدام الخشب. تقوم الأشجار بامتصاص الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه في أوراقها وفروعها. ويمكن لمبنى خشبي أن يحتجز هذا الكربون ضمنه لفترة طويلة للغاية. وبالتالي، طالما أن الغابات تتجدد، وطالما أن عمليات نقل وتجهيز الخشب لا تتطلب حرق الكثير من الفحم والنفط والغاز، فهي صفقة رابحة بالنسبة للمناخ.

تقول بيردزلي: “ندرك تماماً أن التعداد السكاني يزداد، ولا نرغب بأن تمتد المدن والتجمعات السكنية على مساحات كبيرة بسبب استخدام الأبنية المنخفضة وحسب. يوجد استثمارات وأبحاث بدأت منذ حوالي عقدين لتطوير منتجات خشبية أشد قوة بكثير، وقادرة على تحمل الإجهادات الضرورية لبناء ناطحات السحاب”. ووفقاً لأحد التقديرات، يمكن لمبنى خشبي واحد بارتفاع عشرين طابقاً أن يحتجز حوالي 272,1554 كيلوجرام من الكربون، وهو الناتج السنوي لما يقارب 600 سيارة.

مبنى المكاتب الخشبي “ألبينا يارد” في بورتلاند في أوريغون
حقوق الصورة: شركة ليفر للعمارة

حتى في الأبنية الخشبية، يستخدم المصممون الخرسانة والفولاذ للأساسات، والفولاذ للوصلات بين قطع الخشب. ويعمل بعض العلماء والمهندسين على تقليل الناتج الكربوني لهذه المواد الأساسية. تقول بيردزلي: “أدت جميع الجهود الموجعة نحو إعادة التدوير إلى ظهور فرص لأفكار ومنتجات جديدة”.

على سبيل المثال، يقوم مصنّعو الفولاذ بصنع القطع الجديدة من خردة المعادن. أما في السويد، يستخدم العلماء الطحالب لامتصاص الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تصنيع الإسمنت. وفي الناحية الأخرى من المحيط الأطلسي، قامت شركة “سوليديا تكنولوجيز” الأميركية لإنتاج الخرسانة بتطوير نوع جديد من الخرسانة يمتص ثنائي أكسيد الكربون عندما يبدأ بالتصلب.

بدأ المنتجون أيضاً بدراسة إمكانية استخدام مواد أخرى من أشياء أعيد تدويرها، مثل استخدام ألواح الكرتون المعاد تدويرها كمواد عازلة، وصنع السجاد من الزجاجات البلاستيكية القديمة. تقول بيردزلي: “حالياً، يتألف أغلب السجاد المتوافر من المواد المعاد تدويرها، ويمكن إعادة التدوير مرة أخرى. إنها عملية متكررة لا يوجد فيها هدر”.

قد نجد أن منازل المستقبل مصنوعة من نفايات الحاضر، مثل نفايات الخشب والمعادن والكرتون والبلاستيك، إضافة إلى الكربون الذي يتسبب برفع حرارة الكوكب، والذي يمكن امتصاصه مباشرة من الغلاف الجوي. وبإضافة الإنارة الذكية، والأدوات المنزلية ذات الفعالية العالية، يمكن أن نحصل على مبنى ذي أثر كربوني صغير.

تقول بيردزلي: “إذا أتيحت لك فرصة استخدام الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، يمكنك أن تجعل الناتج الكربوني لمنزلك معدوماً، وهو بطبيعة الحال أفضل بكثير. لدينا الحلول، ولقد بدأنا بتطبيقها”.

error: Content is protected !!