Reading Time: 4 minutes

عندما توفي إسحاق نيوتن، حضر جنازته عدد من نبلاء المملكة المتحدة، وعندما توفي «تشارلز داروين»، لم يتردد عميد كنيسة ويستمنستر آبي في قبول دفنه في الكنيسة المرموقة، على الرغم من معتقداته اللاأدرية. بالمثل، في جنازة «ستيفن هوكينج» عام 2018، قرأ الممثل «إيدي ريدماين» -الحائز على جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم «نظرية كل شيء»- بضع مقاطع من الإنجيل في تأبين هذا الأخير.

لكن «آلان تورينج»، عالم الكمبيوتر الرائد وأب الذكاء الاصطناعي، لقي نهاية مختلفة تماماً، فعندما توفي في عام 1954، ذر رماده في سرّية بالقرب من «محرقة ووكين». قضى تورينج سنواته الأخيرة كمجرم، حيث ألقي القبض عليه في عام 1952 بسبب مثليته، وكعقوبة على ميوله الجنسية، التي كانت تعد مخالفة للقانون في ذلك الوقت، حُكم عليه بالإخصاء بطريقة كيميائية.

أمضى الناشطون سنوات في محاولتهم ترميم سمعة تورينج وإعادة الاعتبار لإنجازاته. ففي عام 2009، أنشأ المبرمج «جون غراهام كامينغ» عريضة يطلب فيها من الحكومة البريطانية الاعتذار عن سوء معاملتها لتورينج. رداً على ذلك، أصدر رئيس الوزراء آنذاك «جوردون براون» بياناً أدان فيه «الطريقة المروعة التي عومل بها تورينج»، وختمه بقوله: «نحن آسفون، لقد كنت تستحق معاملةً أفضل». بعد سنوات من النقاش حول الموضوع في البرلمان، أصدرت الملكة إليزابيث عفواً ملكياً عن تورينج في عام 2013. ومؤخراً، أعلن بنك إنجلترا أن صورة تورينج ستوضع على الأوراق النقدية من فئة 50 جنيه إسترليني، والتي سيبدأ تداولها انطلاقاً من عام 2021.

عن حياته وأعماله

ولد تورينج سنة 1912، في غرب لندن، وأظهر ميولاً نحو العلوم منذ طفولته المبكرة، والتحق بجامعة كامبريدج، حيث درس الرياضيات وانخرط في فك الشيفرات. في عام 1936، نشر فاتحة أبحاثه عنونها «On Computable Numbers» حيث جادل فيها بأن «بالإمكان اختراع جهاز يمكن استخدامه لحساب أي سلسلة من العمليات الحسابية». فعلى النقيض من الآلات المتخصصة التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت، تصور نموذج «آلة حوسبة شاملة» يمكنها معالجة أي مجموعة من البيانات أو التعليمات.

قصر «بلتشلي بارك» الذي عمل فيه آلان تورينج

عندما أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في عام 1939، بدأ تورينج العمل في  قصر «بلتشلي بارك»، الذي اختارته الحكومة كموقع لفك الشيفرات السرية أثناء الحرب. وهناك، شرع هو وخبراء آخرون في فك شيفرات الاتصالات السرية الألماني، لاسيما تلك التي كانت تنتجها آلة «إنيجما».

للوهلة الأولى، تبدو آلة إنيجما مثل آلة كاتبة عادية، لكنها سلاح يستخدم لإرسال الرسائل المشفرة، إذ يمكن ببساطة كتابة المراد إرساله في الآلة التي تترجم بعد ذلك الحروف إلى «نص مشفر» يمكن تمريره سراً. عند التوصل بالمراسلات المشفرة، يكتب «النص المشفر» في آلة إنيجما، وبعدها تظهر الحروف التي فكت شفرتها الواحد تلو الآخر على الشاشة، حتى تكتمل الرسالة المستلمة. على عكس عمليات التشفير البسيطة التي تبدل حرفاً بحرف، تُتيح آلة إنيجما 17 ألف إمكانية تبديل مختلفة لحروف الرسالة نفسها، اعتماداً على مجموعة الحروف التي سبقتها، أضف إلى ذلك أنها تنجز هذه العملية بطريقة آلية.

آلة إنيجما
حقوق الصورة: paul hudson/flickr/CC BY 2.0

كان الحل الذي اقترحه تورينج لفك شفرة إنيجما هو افتراض أن كلا النصين، المشفر والذي تم فك شفرته، يحتويان بالضرورة على مقاطع متشابهة، بحيث إذا تم تحديد هذه المقاطع، فيمكنهم تحديد نمط تشفير آلات إنيجما على نحو عكسي، وبالتالي فك بقية الرسالة. نجحت الآلة التي صنعها في ترجمة الرسائل المتبادلة بين الجنود النازيين وتلك التي تضمنت مواقع الغواصات الألمانية، ويعتقد الخبراء أن إسهامات تورينج قلصت مدة الحرب بسنوات وأنقذت ملايين الأرواح.

لكن كل هذا جرى بسرية، إذ بعد انتهاء الحرب مضى كل عضو من الفريق في طريقه ودمرت الآلات التي استخدمت في حل شفرة إنيجما. استمر تورينج في العمل لدى الحكومة في مشاريع سرية أخرى، إذ عمل ضمن مشروع أجهزة كمبيوتر مانشستر، أول جهاز كمبيوتر يملك خاصية تخزين البيانات، وشارك أيضاً في مشروع أبحاث عن تطبيقات الرياضيات على الظواهر البيولوجية، وتحديدا كيفية تشكل خطوط الحمار الوحشي.

وصف الصورة: كمبيوتر مانشستر
حقوق الصورة: parrot of doom/wikimedia commons/CC BY-SA 3.0

في عام 1950، نشر تورينج ورقة بحثية بعنوان «Computing Machinery and Intelligence»، والتي استهلها بالجملة التالية: «أقترح أن نعيد النظر في السؤال عما إذ كان بإمكان الآلات أن تفكر». رغم رفضه في نهاية المطاف لصياغة السؤال الذي طرحه، فقد عبر عن تفاؤله حول مستقبل هذا الميدان البحثي معطياً بذلك الشرارة الأولى لما نعده اليوم مجال الذكاء الاصطناعي. ما أعطى هذه الورقة البحثية شهرة إضافية هو قسمها الافتتاحي المعنون بـ «The Imitation Game»، وهو عنوان فيلم صدر في 2014 ويروي قصة حياة آلان تورينج.

أقر تورينج في عام 1952 بتهمة «الفحش الجسيم»، وهو الاسم القانوني للممارسات التي تدخل في خانة الشذوذ الجنسي التي كان يعاقب عليها القانون البريطاني حينها. في مواجهة هذه التهمة، كان تورينج أمام خيارين، إما السجن أو الإخصاء باستخدام دواء إيثيل استيلبيسترول، واختار اتباع «العلاج العضوي» باستخدام مواد كيميائية كان هدفها الحد من الرغبة الجنسية، إلا أنها جعلته عاجزاً جنسياً. بعد ذلك بعامين، وجدته مدبرة منزله ميتاً بسبب التسمم بالسيانيد.

صورة تورينج على العملات النقدية ستضعه في مصاف علماء مثل نيوتن وداروين وهوكينج، لكن هذا لا يمحو أخطاء الحكومة. تصرفها هذا ليس سوى نقطة مضيئة في بحر من الظلام الذي يسبح فيه أمثال تورينج، ماضياً وحاضراً. لذلك نقول مثلما قال تورينج في البحث الذي نشره في عام 1950 حول ذكاء الآلة: «يمكننا أن نرى على بعد مسافة قصيرة فقط، لكن ما نراه كثير ويستوجب التغيير».