Reading Time: 3 minutes

المفاجآت السارّة والتسلية والضحكات التي ترافقها تضيف نكهة ورونقاً مميزَين إلى تفاصيل حياتنا اليومية. قد تبدو تلك الضحكات والقهقهات مضيعةً للوقت، أو مجرد أفعال «سخيفة»، لكن الضحك يتطلّب جهداً كبيراً من الجسم، لأنه ينشط العديد من مناطق الدماغ؛ بما فيها المناطق التي تتحكم في المعالجة الحركية والعاطفية والمعرفية والاجتماعية.

لقد وجدتُ أثناء تأليفي كتاب «مقدمة في علم نفس الفكاهة» أن الباحثين أصبحوا يقدّرون دور الضحك جيداً في تعزيز الصحة الجسدية والعقلية.

قوة الضحك الجسدية

يبدأ الناس بالضحك في سن الطفولة؛ حيث يساعدهم في تطوير وتعزيز قوة عضلات الجزء العلوي من الجسم. الضحك ليس مجرّد عملية تنفّس بسيطة، بل يعتمد على تآزر عمل مجموعاتٍ معقدة من عضلات الوجه؛ تنطوي غالباً على حركة العينين والرأس والكتفين.

كما أن الضحك -أو حتى مشاهدة من يضحكون- ينشّط مناطق متعددة من الدماغ؛ من القشرة الحركية التي تتحكم في العضلات، والفص الأمامي الذي يساعدك على فهم السياق، إلى الجهاز الحوفي الذي ينظم المشاعر الإيجابية. تشغيل كل هذه الدوائر يقوّي الاتصالات العصبية، ويساعد الدماغ السليم على تنسيق نشاطه.

وبتنشيط المسارات العصبية لعواطف؛ مثل الفرح والبهجة، يمكن للضحك تحسين المزاج وتخفيف حدّة استجابة الجسم الجسدية والعاطفية للتوتر. على سبيل المثال؛ قد يساعد الضحك في التحكم في مستويات الناقل العصبي «السيروتونين» في الدماغ على غرار آلية عمل مضادات الاكتئاب، ومن خلال التخفيف من استجابة الدماغ للتهديدات المتصورة؛ يساعد الضحك على الحد من إفراز النواقل العصبية والهرمونات المرتبطة بالإجهاد مثل الكورتيزول؛ والتي يمكنها أن تضعف نظام القلب والأوعية الدموية، والتمثيل الغذائي، والجهاز المناعي، بمرور الوقت.

وبذلك يمكننا القول بأن الضحك أشبه بترياقٍ للتوتر؛ الذي يضعف مناعتنا، ويزيد من تعرضنا للأمراض.

قوة الضحك المعرفية

حس الفكاهة والضحك يعتمد على قدرٍ كبير من الذكاء الاجتماعي وموارد الذاكرة العاملة.

عادةً ما يتوّلد حسّ الفكاهة والضحك من إدراك التناقضات أو السخافات في مواقف حياتنا اليومية؛ فأنت بحاجة إلى متنفَّس عقليّ للسلوكيات أو الأحداث المفاجئة، وإلا لن تضحك؛ فقد يتشوّش ذهنك بدلاً من ذلك ببساطة. قد تزيد قدرتنا العقلية على تفسير نوايا الآخرين ومشاركتهم وجهة نظرهم من طرافة الموقف والضحك والتسلية التي نشعر بها.

لكي نجد نكتةً أو موقفاً فكاهياً في حياتنا؛ يجب أن نكون قادرين على رؤية الأشياء بجديةٍ أقل. يجب أن نؤمن بوجود احتمالاتٍ أخرى إلى جانب المعنى الحرفي لأي موقف. جرّب مثلاً النظر في الأفكار المضحكة المُضمنة التي توفرها رسوم الحيوانات الناطقة الكاريكاتيرية على موقع «ذي فار سايد».

قوة الضحك الاجتماعية

تتآزر العديد من المهارات الاجتماعية والمعرفية معاً لتساعدك على إدراك متى ولماذا تضحك أثناء المحادثات؛ فأنت لا تحتاج حتى لسماع الضحك لتكون قادراً على الضحك.

يخلق الضحك الروابط، ويزيد حميمية العلاقة مع الآخرين. يشير الخبير اللغوي «دون نيلسن» إلى أن الضحكات الخافتة والضحك العالي نادراً ما يحدثان عندما نكون بمفردنا؛ مما يشير إلى دورهما الاجتماعي القوي، كما أن ضحك الأطفال منذ بدايات نشأتهم يعد علامةً خارجيةً على السعادة، ويساعد في تقوية الروابط مع مقدمي الرعاية.

وبالنسبة للبالغين؛ يُعد الضحك علامةً خارجيةً على مشاركة تقدير الموقف. على سبيل المثال، تحاول الشخصيات العامة والممثلون الكوميديون الضحك، لخلق شعورٍ لدى الجمهور بأنهم أقرب إليه نفسياً؛ وذلك لإنشاء نوعٍ من الحميمية معهم.

يمكنك تعزيز تواصلك الاجتماعي مع الآخرين من خلال الضحك. عندما تضحك استجابةً لدعابةٍ ما؛ فأنت تشارك مشاعرك مع الآخرين، وتعلم من خلال تجربتك أن الآخرين سيتقبلون ضحكك ولن يتجاهلوه؛ مما يعزز علاقتك معهم.

لقد وجد علماء النفس في إحدى الدراسات أن الرجال الذين يتمتعون بصفاتٍ شخصية «أ» (التي تتصف بالتنافسية وقلّة الصبر وتقدير الوقت) يميلون إلى الضحك أكثر، بينما كانت النساء من نفس النمط يضحكن بشكلٍ أقل، وقد وجدت الدراسة أن كلا الجنسين يضحكان أكثر عندما يكونان مع الآخرين مما لو كانا بمفردهما.

قوة الضحك العقلية

يدرس باحثو علم النفس الإيجابي كيف يمكن للناس أن يعيشوا حياةً ذات معنىً ويزدهروا. يولّد الضحك مشاعر إيجابية تساعد على هذا النوع من الازدهار الذي يسعى إليه الباحثون. هذه المشاعر -مثل التسلية والسعادة والمرح والبهجة- تعزز القدرات الشخصية؛ مثل الصمود والصلابة النفسية، وتزيد من التفكير الإبداعي (أي تزيد من رفاهيتنا الذاتية والرضا عن حياتنا).

لقد وجد الباحثون أن هذه المشاعر الإيجابية التي تثيرها الفكاهة والضحك ترتبط بتقدير معنى الحياة، وتساعد كبار السن على تكوين نظرةٍ إيجابية عن الصعوبات التي واجهوها طوال حياتهم.

كما يُعد الضحك آلية تأقلم صحية؛ فعندما تضحك قد تخفف من وطأة المواقف الشديدة وتعزز شعورك بالقدرة على حل المشاكل. على سبيل المثال، قام علماء النفس بقياس وتيرة وشدة ضحك 41 شخصاً على مدار أسبوعين، وقاموا بتصنيف المشاركين إلى فئاتٍ حسب الإجهاد البدني والعقلي، وقد وجدوا أنه كلما زاد الضحك، انخفض الابلاغ عن التوتر؛ وذلك بغضّ النظر عن شدّة الضحك قوية كانت أو متوسطة أو ضعيفة.

في الواقع، ينصح عددٌ متزايد من المعالجين عملائهم بالاستفادة من الفكاهة والضحك للمساعدة على بناء الثقة، وتحسين بيئات العمل. لقد وجدت مراجعة لخمسة دراساتٍ مختلفة أن مقاييس الرفاه قد زادت بالفعل بعد تدخلات الضحك. تأخذ هذه التدخلات شكل أنشطة تسليةٍ يومية؛ مثل إحاطة نفسك بأشخاصٍ مرحين أو مشاهدة عروضٍ كوميدية مضحكة أن تدوين 3 أشياء مضحكة حدثت معك كلّ يوم.

يمكنك التدرب على الضحك حتى لو كنت بمفردك؛ تعمّد اتخاذ منظور يقدر الجانب المضحك للأمور مثلاً. يمكنك أيضاً الاستفادة من «يوجا الضحك»؛ وهي ممارسةٌ فريدةٌ من نوعها تجمع بين الضحك غير المشروط، والتنفس اليوجي؛ الذي يستخدم عضلات التنفس لتحقيق الاستجابات الجسدية الإيجابية للضحك الطبيعي (ها ها هيه هيه هو هو).

من المؤكد أن الباحثين اليوم يعرفون أهمية الضحك ويقدرونها، لكن عدداً كبيراً من الأبحاث حول أثره على الصحة العقلية والجسدية اعتمدت على مقاييس الإبلاغ الذاتي فقط. هناك حاجة لإجراء المزيد من التجارب النفسية حول الضحك أو السياقات التي يحدث فيها لدعم أهمية الضحك خلال اليوم، وربما تقترح المزيد من الطرق للاستفادة المتعمدة منه.