Reading Time: 3 minutes

بإمكان الرياح القوية التي تضرب الغابات؛ إسقاط الأشجار، وانتزاع الشجيرات من أماكنها، وهذا يخلق فرصة سانحة للنباتات الغازيَة -نباتات تؤثر سلباً على الموائل والمناطق البيئية التي تغزوها- والتي لا تنتمي إلى تلك المنطقة، لضرب جذورها عميقا في التربة، ولمعرفة المزيد عن هذه الظاهرة، قرر العلماء إلقاء نظرة عن قرب، الأمر الذي تبين أنه مرهق، حسب تصريح كل من الباحثين المتخصصين في الموارد الطبيعية وعلوم البيئة في جامعة إلينوي الأميركية؛ إريك لارسون، وميليسا دانييلز.

أشرفت ميليسا دانييلز على معظم العمل الميداني الذي تطلّب منها تلمّس طريقها وسط جذوع متناثرة على الأرض، وتفادي شجرة سقطت على بعد 3 أمتار عنها، وتجاوز تلال شديدة الانحدار، ومواجهة حشرة القراد، ونباتات القرّاص، واللبلاب السام، إضافة إلى استخدام منجل لتفادي الخطر.

قالت دانييلز: «على الرغم من أننا كِدْنَا ندوس على ثعبان سام، واضطررنا إلى إزالة حشرات القراد من على أجسادنا، إلا أن هذه المخلوقات كانت أقل ما يثير قلقنا، وبذلنا جهد كبير، خاصة أن الظروف الجوية كانت خانقة، إذ كثيراً ما تجاوزت الحرارة 100 درجة فهرنهايت، أيضاً واجهتنا تلال كثيرة كان تسلقها أمراً شاقاً، لكن الأكثر مشقة كان تسلق الأشجار المتناثرة في طريقنا الصعب، والسير عبر أرض غير مزروعة تتكاثف فيها الأشجار الكثيفة من النباتات المعرشة، ولولا إريك الذي سمح لي بشراء منجل، لكان الوضع مختلفاً».

في الواقع، كان التنقل عسيراً للغاية، إذ غالباً ما استغرق الوصول من نقطة لأخذ عينات عشوائية إلى نقطة أخرى 30 دقيقة، مع أن المسافة بين النقطتين لا تتجاوز 50 متر، وقال لارسون إن دانييلز استفادت كثيراً من المنجل الذي جلبته معها خلال ذلك الصيف؛ وكان شق الطريق عبر تلك النباتات المعرشة يستحق كل ذلك العناء، إذ اعتزم الباحثان تحديد مدى استيطان أنواع النباتات الغازيَة في المناطق التي ضربتها الأعاصير والعواصف؛ واستنتجوا أنه بمجرد استيطانها، تعوق النباتات الغازية قدرة الغابات على التعافي؛ وتلحق ضرراً بالنظم البيئية الأصلية.

بهذا الصدد، قالت دانييلز: «تفتح العواصف الباب أمام النباتات الغازيَة لاستيطان أماكن جديدة»، وأشارت إلى أن النباتات الغازيَة يمكن أن تزيح النباتات عن موطنها الأصلي، مما يجعل استعادة الأشجار، والنباتات الأصلية في غاية الصعوبة، وحماية الغابات أمر مهم للغاية، ولأسباب عديدة، إذ يمكنها امتصاص كميات هائلة من الكربون الذي يضخ في الجو، فضلاً عن توفير موطن للحيوانات، ومن المفارقات أن تغير المناخ ربما يؤدي في الواقع إلى مزيد من الأعاصير، أي أن قدرة الغابات على الوقوف في وجه النباتات الغازية تقلّ.

درس الباحثان ما حدث بعد إعصار ضرب المنطقة في عام 2006، وبعد عاصفة «ديريشو» عام 2009 – ديريشو عاصفة قوية تمتد وفق خط مستقيم – وبعد إعصار آخر في عام 2017، وبعد فحص مناطق عدة تقع جنوب ولاية إلينوي الأميركية، من بينها غابة شاوني الوطنية، وحديقة جاينت سيتي، ومحمية كراب أوركارد الوطنية للحياة البرية، وعلى الرغم من أن دراستهم ركزت على منطقة واحدة فقط، قال الباحثان إن نتائجهم يمكن أن تعمم على أي غابة ضربتها عواصف.

تشير دراستهم التي نشرت في دورية «Journal of Ecology» إلى أن أنواع النباتات الغازيَة تنتشر بكثرة في المناطق التي ضربتها العواصف بشدة، مقارنة مع المناطق التي ضربتها الرياح بحدة أقل، وتوصل الباحثان أيضا إلى أن المناطق التي ضربتها الرياح بشدة تستغرق وقتاً أطول للتعافي، ويرى لارسون أن هذه النتائج مهمة؛ لأنها يمكن أن تساعد في تحسين إدارة الغابات، ويضيف: «إذا لم تتمكن وكالة إدارة الغابات على العمل على الميزانية اللازمة؛ والوقت الكافي للتعامل مع النباتات الغازيَة على نطاق واسع، فمن الأجدى إعطاء الأولوية للمناطق التي تعرضت لأضرار حديثة عوضاً عن المناطق القديمة والتركيز على المناطق التي تعرضت لرياح قوية».

في البداية حدد الباحثان الأضرار الناجمة عن العواصف بالاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية؛ ثم قارنوا المناطق المتضررة مع المناطق السليمة، بعدها تفقدت دانييلز جميع المواقع الـ 62 التي لحقت بها أضرار لإجراء مسح شامل عن تواجد النباتات الغازيَة في تلك المواقع.

توصل الباحثان إلى أن المناطق التي تعرضت لعواصف حديثة؛ شهدت انتشار النباتات الغازيَة بكثافة، وقال لارسون: «كلما اتسع نطاق ضربات الرياح وشدتها، تعرضت المناطق لغزو أكثر». ووجدت الدراسة أيضاً أنه على الرغم من أن الأماكن التي ضربتها الرياح بشدة عرفت انتشاراً كثيفاً للنباتات الغازية، فهذه النباتات وجدت في مناطق لم تمسها العواصف، وإن كان بكثافة أقل، ويضيف لارسون قائلا: «لا يقتضي انتشار النباتات الغازيَة في الغابات تعرض هذه الأخيرة لرياح وعواصف قوية، فقد رصدت تلك الأنواع في بعض المناطق التي لم تضربها العواصف، وربما وصلت إليها بطرق شتى».

في حين أن النباتات الغازيَة تختفي من تلقاء نفسها مع تعافي الغابات من الأضرار التي لحقتها، إلا أنها لا تزال أكثر وفرة في الغابات التي ضربتها العواصف، وتقول دانييلز إن أكثر هذه النباتات انتشاراً تظل حية تحت ظلال الأشجار، وتمتد إلى الغابات القريبة، وتضيف أنها ممتنة لاكتسابها خبرة في العمل الميداني، على الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها، مع ذلك فإنها تود أن تنسى اليوم الذي انزلقت فيه نحو بقعة مليئة بنباتات القرّاص؛ وإحساسها بأن ملابسها تحترق، واليوم الذي نسيت فيه تبديل المناشف الملطخة باللبلاب السام ثم جلوسها عليها.

وتختم بقولها: «هل تعلم أن اللبلاب السام يمكن أن يسبب طفحاً جلدياً يستمر نحو 30 يوماً؟ لم أكن أعلم ذلك من قبل، لكنني الآن أعلم».