Reading Time: 4 minutes

استقال «أندرو سابيسكي»، مستشار الحكومة البريطانية، مؤخراً بسبب تعليقات يدعم من خلالها أفكار «تحسين النسل». في نفس الوقت، أثار عالم الأحياء التطوري «ريتشارد دوكنز» -مؤلّف كتاب «الجين الأناني»- جدلاً عندما قال في تغريدةٍ له أنه بالرغم من أنّ علم تحسين النسل لا أخلاقي، لكنّه «سيعمل».

يمكن توصيف علم تحسين النسل «اليوجينيا»، بأنه علم وممارسة تحسين الجنس البشري، من خلال انتخاب السمات الوراثية «الجيدة». ويعيد علم تحسين النسل إلى الأذهان الأعمال الوحشية التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية، حيث استخدموا هذه الأيديولوجيا كمبررٍ للتعقيم القسري، وعمليات القتل الرحيم غير الطوعي، بالإضافة إلى الهولوكوست. وبالنظر إلى هذا التاريخ المأساوي، فلا بد أن تثير موافقة بعض المسؤولين الحكوميين على أفكار تحسين النسل قلقاً عميقاً.

لقد فقدت حركة تحسين النسل في الماضي مصداقيتها من الناحية الأخلاقية والعلمية على حدٍّ سواء. ولكّن تبقى الأسئلة المتعلّقة بأخلاقيات تحسين البشر وراثياً «منطقية وواقعية».

غالباً ما يؤدي ظهور تقنياتٍ جينية جديدة إلى إثارة النقاش مجدداً حول أخلاقياتها. فهل يمكن فصل أفكار تحسين النسل عن المآسي التي حدثت في الماضي بسببها، واعتماد طرق جيدة لمتابعة أبحاثها؟ أم أنّ هناك إشكالية أخلاقية راسخة في فكرة تحسين البشر وراثياً؟

يمكننا الدفّاع عن علم تحسين النسل الجديد الذي يتم بشكلٍ مسؤول وأخلاقي، كما ينبغي تقييم التقنيات الجينية الجديدة وفقاً لمعاييرها الخاصّة. ولكّننا نحتاج أيضاً إلى النظر إلى المسألة في سياقٍ سياسي أوسع. فإذا ما قُدمت فكرة تحسين السمات الفردية كإستراتيجية رئيسية لللارتقاء برفاهية الإنسان، فإن ذلك سيبدو إلى حدٍ كبير، مشابهاً لإضفاء الطابع الفردي على المشاكل الاجتماعية التي كانت سمة مركزية من سمات علم تحسين النسل القديم.

الماضي المظلم

يُعتبر العالم الإنجليزي «فرانسيس جالتون» (1822-1911) هو مؤسس حركة تحسين النسل. فقد تأثّر بكتاب «أصل الأنواع» لابن عمّه «تشارلز داروين». لذلك كان جالتون مهتماً بالأفكار التي تدور حول وراثة السمات البشرية المختلفة، خصوصاً توريث سمة الذكّاء، وكيفية زيادة عدد الأشخاص الموهوبين في المجتمع. كان يعتقد أيضاً أن المشاكل الاجتماعية مثل الفقر والتشرد والجريمة؛ كانت في نهاية المطاف سماتٍ وراثية سيئة يرثها الطفل من والديه.

شرع جالتون في برنامج بحثي طموح بهدفٍ واضح هو «تحسين النوع البشري» من خلال التربية البشرية الانتقائية. في عام 1883، أَطلق على هذا البرنامج البحثي اسم «تحسين النسل» (اليوجينيا)، والتي تعني «الولادات الإيجابية».

سرعان ما أصبحت أفكار جالتون مؤثّرة، وتم تبنيها على نطاقٍ واسع بدايةً في بريطانيا، ومن ثم في العديد من البلدان الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا والبرازيل والدول الاسكندنافية. في الواقع، لقد ألهمت أفكار جالتون ظهور حركة شعبية للإصلاح الاجتماعي من خلال التكاثر البشري الانتقائي، في الوقت الذي سادت فيه مخاوف كبيرة بشأن حالة الأمة، والافتقار إلى التقدم الاجتماعي و«تراجع مستوى» السكان.

شهد النصف الأول من القرن العشرين تشريع مجموعة متنوعة من سياسات تحسين النسل. حيث ركّزت تحسينات النسل «الإيجابية» على تشجيع تزاوج من يمتلكون «مخزوناً وراثياً جيداً»، مثل مسابقة «العائلة المثالية» التي كانت تُجرى في الولايات المتحدّة. بينما تضمّن تحسين النسل «السلبي» سياسات مثل عدم تشجيع أو منع تزاوج من يُعتبرون «غير لائقين»، مثل الفقراء والمجرمين، والذين يعانون من مشاكل عقلية، وذلك بوسائل قسرية في معظم الأوقات.

تحسين النسل, أطفال, رضيع, طب

إحدى العائلات الفائزة بمسابقة «العائلة المثالية» في توبيكا، كانساس — مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز

غالباً ما يقترن ذكر علم تحسين النسل مع الجرائم التي ارتكبها النازيون، إلا أنّ العديد من الأفعال الوحشية التي استهدفت الفئات الضعيفة -الفقراء، وأولئك الذين يعانون مشاكل حركية أو عقلية، والمرضى-؛ قد اُرتكبت تحت عنوان تحسين النسل. على سبيل المثال، تمّ إجراء التعقيم القسري على نطاقٍ واسع، ليس في ألمانيا النازية وحسب، بل في الدول الاسكندنافية (استمرّت هذه الممارسة في السويد حتّى سبعينيات القرن الماضي)، وفي الولايات المتحدة (حيث كُشف عن حالات تعقيم لا إرادي للسجناء من النساء، كانت تُجرى حتى أواخر عام 2010). وقد جمعت الولايات المتحدة بين علم تحسين النسل، والأفكار القائلة بالتسلسل الهرمي العرقي في قانون تقييد الهجرة الذي أقرته عام 1924، من أجل كبح دخول الفئات العرقية «الأدنى».

التقنيات الوراثية الجديدة

انتهى علم تحسين النسل نهائياً، ولم يعد مقبولاً بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد اكتشاف الجرائم التي ارتكبها النازيون. لكن دائماً تظهر مخاوف جديدة تتعلق بتحسين النسل، خاصة مع ظهور تقنياتٍ جينية جديدة، تسمح لنا بإدخال تحسيناتٍ على البشر بطريقةٍ ما. هذه التقنيات الجديدة هي تقنيات تحرير الجينات مثل تقنية كريسبر، وتقنيات الحمل والانجاب الحديثة كالتشخيص الوراثي للأجنّة قبل عملية الزرع. في الواقع، تساعد تقنيات الإنجاب الحديثة الوالدين على إنجاب أطفال أصحاء لا يعانون من أي إعاقات أو مشاكل وراثية، لكّن مع تقدّم معرفتنا بالجينوم البشري، فإن نطاق السمّات التي يمكننا استبعادها يمكن أن تزيد، مما يثير المخاوف من أن نصل إلى مرحلة الطلب على «الطفل المُصمم».

أحياناً يصف المشككون في هذه التقنيات بأنها نوعٌ من «تحسين النسل» كوسيلة لتشويه سمعتها. ثم يُثور الجدل حول ما إذا كانت هذه التقنيات تمثّل شكلاً من أشكال تحسين النسل القديمة، وحول كونها أخلاقية أم لا، أو أنّها شكلٌ جديد من أشكال تحسين النسل. ما تزال الكثير من الأسئلة من دون إجابات شافية حول أخلاقيات التقنيات الوراثية وعلم تحسن النسل الجديد، ولم يُحسم الجدل حولها بعد.

ولكن حتى إذا كان تحليلنا الأخلاقي يسمحُ بمثل هذه التقنيات الجينية الجديدة، لن يكون منطقياً تصوير هذه التطورات التكنولوجية على أنها «حلول» لمشاكل معقدة مثل الفقر والبطالة، وضعف الصحة الجسدية أو العقلية. يجب أن نكون حذرين من التفسيرات البيولوجية لمختلف أشكال الحرمان، والتي تلقي باللوم على السمات الفردية دون الاعتراف بأهمية وأثر العوامل الاجتماعية والسياسية. فهذا النوع من التفكير يتفّق إلى حدّ كبير مع تفسيرات ومبررات علم تحسين النسل القديم.

نحن محقّون في قلقنا عندما يؤيد المسؤولون الحكوميون أفكار تحسين النسل، ومن المطمئن أن تعليقات سابيسكي قد أثارت استهجاناً وغضباً كبيرين، وأجبرته على الاستقالة. من ناحية أخرى، وفي العصر الحالي الذي تسوده سياسات التقشّف، فإن إضفاء الطابع الفردي على المشاكل الاجتماعية هو أمر مألوف جداً.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن