Image

هواء منعش عند الطلب

Bread assortment تصور فني لمركبة نقل الجاذبية الاصطناعية المريخية.
مصدر الصورة: ناسا

بدأت الوكالات الفضائية والشركات الخاصة بوضع خطط متقدمة لإرسال البشر إلى المريخ في السنوات المقبلة، وذلك لتأسيس مستوطنات هناك في نهاية المطاف. ومع اكتشاف المزيد من الكواكب الشبيهة بالأرض حول النجوم القريبة، فقد أصبحت فكرة السفر الفضائي البعيد أكثر إثارة من قبل.
غير أن التواجد في الفضاء ليس بالأمر السهل على البشر، خصوصاً لفترات طويلة. ومن أهم المشاكل في السفر الفضائي البعيد هي نقل ما يكفي من الأوكسجين لتنفس رواد الفضاء، وما يكفي من الوقود لتشغيل الإلكترونيات المعقدة. من المؤسف أن الأوكسجين لا يتواجد في الفضاء إلا بكميات ضئيلة، كما أن المسافات الكبيرة تجعل من عمليات إعادة التعبئة السريعة أمراً مستحيلاً. غير أن دراسة جديدة نشرت في مجلة Nature Communications تبين أنه من الممكن إنتاج الهيدروجين للوقود والأوكسجين للتنفس من الماء فقط، وذلك باستخدام مادة نصف ناقلة، إضافة إلى ضوء الشمس (أو النجوم)، وذلك ضمن ظروف انعدام الجاذبية، ما يزيد من احتمال تحقيق السفر الطويل المستمر في الفضاء.

رائدة الفضاء من ناسا، كايت روبينز، تعمل مع خزان نظام إعادة شحن النيتروجين/ الأوكسجين على متن محطة الفضاء الدولية. صممت الخزانات حتى توصل إلى شبكة تزويد الهواء في المحطة لإعادة ملء مخزون هواء التنفس للطاقم. مصدر الصورة: ناسا

يعتبر استخدام طاقة الشمس اللامحدودة لتزويد حياتنا اليومية بالطاقة من أكبر التحديات على الأرض. ومع ابتعادنا تدريجياً عن النفط نحو الطاقات المتجددة، بدأ الباحثون بدراسة احتمال استخدام الهيدروجين كوقود. وأفضل طريقة لتحقيق هذا هي تحليل الماء إلى مكوناته الأساسية، أي الهيدروجين والأوكسجين، وذلك بعملية تسمى بالتحليل الكهربائي، أي تمرير تيار كهربائي عبر الماء الذي يحتوي على أي نوع من النواقل المنحلة. تؤدي هذه العملية إلى تحليل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين، يتم إطلاقهما بشكل منفصل عند القطبين الكهربائيين.

على الرغم من أن هذه الطريقة ممكنة التحقيق تقنياً، فلم تصبح واسعة الانتشار على الأرض، لأن زيادة حجمها وإنتاجيتها تحتاج إلى المزيد من البنى التحتية المتعلقة بالهيدروجين، مثل محطات التعبئة.

طاقة الشمس

يمكن استخدام الأوكسجين والهيدروجين المنتجين بهذه الطريقة من الماء كوقود للمراكب الفضائية أيضاً. وقد يصبح إطلاق الصاروخ محملاً بالماء أكثر أماناً من إطلاقه مع كمية إضافية من وقود الصواريخ والأوكسجين على متنه، حيث أن هذه الحمولة قد تنفجر. وما أن تصبح المركبة في الفضاء، يمكن استخدام تقنية خاصة لفصل الماء إلى عناصره الأساسية، والتي يمكن استخدامها لدعم الحياة على المركبة او تزويد الإلكترونيات بالطاقة عبر الخلايا الوقودية.

هناك خياران لتحقيق هذا؛ الأول هو التحليل الكهربائي كما نفعل على الأرض، وذلك باستخدام ناقل منحل وخلايا شمسية لالتقاط الطاقة الشمسية وتحويلها إلى تيار كهربائي.

استخدام حفاز ضوئي لإنتاج غاز الهيدروجين من الماء.
مصدر الصورة: أو. أوشر (خرائط جامعة لندن)/ فليكر، الحقوق الأدبية محفوظة

أما الخيار البديل فهو استخدام الحفازات الضوئية، وذلك بامتصاص الفوتونات من قبل مادة نصف ناقلة مغمورة في الماء. يتم امتصاص طاقة الفوتون من قبل إلكترون ضمن المادة، ما يؤدي إلى قفزه من مكانه ليترك فراغاً أو ثقباً. يمكن للإلكترونات الحرة أن تتفاعل مع البروتونات (والتي تشكل مع النيوترونات نواة الذرة) في الماء لتشكيل الهيدروجين. وفي نفس الوقت، يمكن للثقب أن يمتص الإلكترونات من الماء لتشكيل الأوكسجين والبروتونات.

يمكن أن تجري العملية بالاتجاه المعاكس أيضاً، أي إعادة تركيب الأوكسجين والهيدروجين معاً باستخدام خلية وقودية لاستعادة الطاقة الشمسية التي امتصها الحفاز الضوئي، وتستخدم هذه الطاقة لتزويد الإلكترونيات بالكهرباء. ولا ينتج عن هذه العملية سوى الماء، أي أن الماء يمكن إعادة تدويره، وهو ما يسمح بتحقيق رحلات فضائية طويلة.

يعتبر استخدام الحفاز الضوئي الخيار الأفضل للرحلات الفضائية، نظراً لخفة وزن التجهيزات اللازمة بالمقارنة مع التحليل الكهربائي. من الناحية النظرية، يمكن تحقيق العملية بسهولة، ويعود هذا جزئياً إلى أن شدة ضوء الشمس أعلى بكثير بغياب الغلاف الجوي للأرض الذي يمتص جزءاً كبيراً منه.

إدارة الفقاقيع

برج السقوط الحر في مركز التكنولوجيا الفضائية التطبيقية والجاذبية شبه المعدومة، جامعة بريمن.
سلادج ج/ فليكر، الحقوق الأدبية محفوظة

في الدراسة الجديدة، قام الباحثون بإلقاء مجموعة التجهيزات الكاملة للحفاز الضوئي من برج سقوط حر بارتفاع 120 متر، وذلك للحصول على بيئة شبيهة بالجاذبية شبه المعدومة. ويؤدي تسارع الأجسام نحو الأرض أثناء السقوط الحر إلى تلاشي تأثير الجاذبية، لأن التسارع يؤدي إلى ظهور قوى مساوية لقوة الجاذبية في الشدة ومعاكسة لها بالاتجاه، وهو عكس ما يحدث لرواد الفضاء والطيارين الذين يتعرضون لقوى التسارع ضمن مركباتهم.

تمكن الباحثون من إثبات إمكانية تحليل الماء في هذه البيئة. غير أن عملية التحليل هذه تترافق بتشكل الفقاعات، ومن الضروري إبعاد هذه الفقاعات عن الحفاز فور تشكلها، حيث أنها تعيق عملية تشكل الغاز. على الأرض، تتسبب الجاذبية بطفو الفقاعات إلى السطح بشكل تلقائي، لأن الماء عند السطح أكثر كثافة منها، ما يسمح لها بالعوم، ويفسح المجال على الحفاز لتشكيل المزيد من الفقاعات. أما عند انعدام الجاذبية، يصبح هذا مستحيلاً، وتبقى الفقاعات على الحفاز أو قربه. غير أن العلماء قاموا بتعديل الملامح النانوية للحفاز عن طريق تشكيل مناطق هرمية الشكل، حيث يمكن للفقاعة أن تنفصل بسهولة عن رأس الهرم وتطوف مبتعدة.

تبقى مشكلة واحدة. ففي غياب الجاذبية، ستبقى الفقاعات ضمن السائل، حتى لو أبعدت عن الحفاز نفسه. تسمح الجاذبية للغازات بالخروج من السوائل بسهولة، وهو أمر هام لاستخدام الهيدروجين والأوكسجين النقيين، وبدون الجاذبية، لن تطفو الفقاعات إلى السطح وتنفصل عن الخليط، بل سيبقى كل شيء في مكانه متحولاً إلى رغوة، وبالتالي ستنخفض فعالية العملية بشكل كبير بسبب عزل الحفاز أو الأقطاب الكهربائية. ومن الضروري إيجاد حلول هندسة لهذه المشكلة حتى نتمكن من تطبيق هذه التقنية في الفضاء الخارجي، ومن الاحتمالات الممكنة استخدام قوى الطرد المركزي الناتجة عن دوران المركبة الفضائية لفصل الغازات عن المحلول.

على كل حال، فقد اقتربنا إلى السفر الفضائي البعيد خطوة إضافية بفضل هذه الدراسة.

error: Content is protected !!