Reading Time: 6 minutes

منتشرةً بشكل متداخل بين الجبال المغطاة بالثلوج في غرب آيسلندا، تقبع متاهة من المراوح التوربينية والأنابيب التي تنفث سحباً كثيفة من البخار. هذا البنيان الضخم مسؤول عن توفير الطاقة للبلد الذي يستمد كامل طاقته الكهربائية من مصادر الطاقة المتجددة.

تعد محطة هيليشيدي للطاقة الكهربائية، والتي تقع على بعد 25 كيلومتر خارج العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، محطة الطاقة الحرارية الجوفية الرئيسية في آيسلندا، وهي واحدة من أكبر محطات توليد الطاقة في العالم.

تخاطبني مديرة المحطة، إيدا سيف أرادوتير بينما يتناثر الثلج وهي تضرب الأرض بحذائها قائلة: “هل تشعرين بالاهتزازات تحت أقدامنا؟”. وتتابع: “إنه البخار الذي يدخل إلى التوربينات”.

“هذه منطقة بركانية. نحن نسخّر حرارة البركان الداخلية لتوليد الكهرباء وتوفير الماء الحار لنظام التدفئة في المدينة، وما لدينا من أحواض للسباحة وحمامات. فنحن الآيسلنديون نفضل أن تكون حماماتنا ساخنة جداً!”.
حقوق الصورة: أ سايبرج

ليست هيلشيدي مجرد مزود متكامل للطاقة النظيفة، فهي أيضاً موقع لتحقيق إنجاز علمي؛ وهي عبارة عن تجربة لاحتجاز ثنائي أوكسيد الكربون (CO2) وتحويله إلى حجارة صلبة. وبالتالي إبعاد أحد غازات الدفيئة عن الغلاف الجوي، والتخفيف من حدة الاحتباس الحراري.

تقول الدكتورة أرادوتير: “تحرق البشرية الوقود الأحفوري منذ قيام الثورة الصناعية، وقد وصلنا بالفعل إلى النقطة الحرجة بالنسبة لمستويات ثنائي أوكسيد الكربون”. تتابع أرادوتير: “تمثل هذه الفكرة أحد الحلول التي يمكن تطبيقها لعكس ذلك”.

هذا المشروع الذي يحمل اسم “كارب فيكس”، بادرت به مجموعة دولية بقيادة كل من الشركة “ريكيافيك إنيرجي”، والمركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية، وجامعة آيسلندا، وجامعة كولومبيا، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

في نوفمبر الماضي، حققت هيلشيدي إنجازاً كبيراً، فقد استضافت أول نظام في العالم “للانبعاثات السلبية”، وهو قادر على امتصاص ثنائي أوكسيد الكربون من الجو، وتخزينه تحت الأرض.

منذ أن بدأت التجارب في العام 2014، يجري توسيع نطاقها من مشاريع تجريبية إلى حلول دائمة، تهدف إلى تنظيف ثلث انبعاثات المحطة من غاز الكربون.

تقول الدكتورة أرادوتير: “الأهم من ذلك، هو أننا نمثل ميدان تجارب يتم فيه اختبار طريقة يمكن تطبيقها في أماكن أخرى، سواء كانت محطة لتوليد الطاقة الكهربائية، أو صناعات ثقيلة، أو أي مصدر آخر من مصادر انبعاث غاز ثنائي أوكسيد الكربون”.

إعداد الصودا

مع ارتفاع تراكيز غاز ثنائي أوكسيد الكربون في الجو، بدأ العلماء باختبار الحلول المبنية على فكرة “احتجاز الكربون وتخزينه” (اختصاراً CSS) منذ سبعينيات القرن الماضي.

ولكن كارب فيكس تتصدر تجارب CSS لأنها تزعم بأن احتجاز الكربون لديها دائم ويتم بسرعة.

إن ثنائي أوكسيد الكربون المنبعث كناتج ثانوي عن البخار (I) والذي ينتقل إلى محطة فصل الغاز (II)؛ يتم تخفيفه داخل الماء (III) الذي يتم ضخه عبر الأنابيب إلى موقع الحقن (IIII)، ثم يجري ضخه تحت الأرض حيث يتمعدن متحولاً إلى صخور صلبة.

تبدأ العملية باحتجاز ثنائي أوكسيد الكربون الذي ينبعث كناتج ثانوي عن البخار، لتتم إذابته بعد ذلك في كميات كبيرة من الماء.

تقول الدكتورة أرادوتير وهي تشير إلى محطة فصل الغاز، وهي عنبر صناعي يقع خلف التوربينات الصاخبة: “نحن نستخدم آلة عملاقة تنتج الصودا”.

وتضيف: “ما يحدث هنا بشكل أساسي يشبه العملية التي تجري في مطبخك، فعندما تعد لنفسك بعض الماء الفوار، تضيف مادة فوارة إلى الماء”.

في موقع الحقن، يتم ضخ ثنائي أوكسيد الكربون بضغط عالٍ تحت الأرض.

ثم يتم ضخ السائل الفوار عبر الأنابيب إلى موقع الحقن الذي يقع على بعد 2 كيلومتر، وهو هيكل قباني يشبه الكوخ الثلجي في تصميمه الهندسي، ويبدو وكأنه من عالم آخر. ليتم ضخه من هناك نحو الأسفل مسافة 1,000 متر تحت سطح الأرض.

خلال بضعة أشهر، ستعمل التفاعلات الكيمائية على تحويل ثنائي أوكسيد الكربون إلى صخر صلب، مما يحول دون تسربه من جديد إلى الغلاف الجوي لملايين السنين.

تحت سطح الأرض، يتلامس محلول ثنائي أوكسيد الكربون مع صخور البازلت ويتحول إلى بلورات بيضاء طباشيرية من الكالسيت تملأ مسامات هذه الصخور.