Image

الضفدع الذي باض ذهباً

Bread assortment كانت ضفادع السهم السامة تتعرض للموت
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

بدأ الأمر بلغز، كما هو الحال مع مثل هذه الأمور. كانت مجموعة من ضفادع السهم السامة في حديقة الحيوان الوطنية تتعرض للموت، وهي مجموعة من البرمائيات التي يعود أصلها إلى المنطقة المدارية في أميركا الوسطى والجنوبية، والمعروفة بألوانها المبهرة، فقد فنيت اليرقات بمجرد انتقالها من مرحلة الشرغوف (فرخ الضفدع) إلى مرحلة الضفدع البالغ.

وقد يتطلب الأمر برهة من الزمن حتى يستطيع الإنسان ملاحظة أن أحد الحيوانات يموت في الطبيعة، ولكن في حدائق الحيوان، هناك علماء تشريح مرضي مهمتهم فهم سبب الموت. وكان ألان بيسيير أحد أولئك العلماء، وكان قد اشتبه بأن اللوم يقع على الفطريات، تلك المملكة الحيوية العجيبة التي تشمل كلاً من فطر المشروم الصالح للأكل، وفطر القدم الرياضي، ولكنه كان بحاجة إلى مساعدة حتى يتأكد من ذلك.

كان هذا في عام 1997، قبل عام من إطلاق محرك البحث جوجل، وكانت شبكة الإنترنت العالمية مرتبطة فيما بينها بمجموعة محركات بحث بدائية مثل إكسايت، وألتافيستا، وأسك جيفيس. ولكن بيسيير استطاع بطريقة ما الوصول إلى موقع ميلفين فولر، وهو عالم فطريات من جامعة جورجيا. وقد قام بيسيير وزملاؤه بإرسال بعض الصور المجهرية الإلكترونية للمسبب المرضي الذي أدى لقتل الضفادع إلى فولر. ثم قام فولر بدوره بإرسالها إلى جويس لونجكور، أستاذة الأبحاث البيولوجية المساعدة في جامعة ماين، وقد سبق أن تعاونا من قبل.

وقد حددت لونجكور مباشرة أن العينة تنتمي إلى مجموعة من الفطريات تدعى الفطريات الأصيصية، والتي -ولمحض الصدفة- كانت قد درستها بشكل مستفيض لمدة ثلاثة عقود. وقد تمكن بيسيير من التواصل مع مجموعة من الأشخاص ذوي الخبرة الذين حددوا له المسبب المرضي القاتل. وكان بالإمكان أن تتجه الأمور اتجاهاً مختلفاً تماماً، لو أن لونجكور لم تكن موجودة لإنقاذهم.

تعاني أنواع مثل السلمندر، والضفادع من خطر الإصابة بمرض الفطريات الأصيصية.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

بدأت لونجكور عام 1960 دراسة الفطريات الأصيصية، تلك الفطريات المجهرية التي تعيش في الماء، قريباً من نهاية سنتها الأخيرة في الكلية أثناء دراستها في جامعة ميتشيجن. ولقد كان الفضول لمعرفة هذه المخلوقات هو الذي دفعها لاختيارها خلال دراستها للماجستير في جامعة إنديانا، ليمتد الأمر إلى ما بعد زواجها وانتقالها إلى ماريلاند. وطوال ذلك الوقت، كانت تقوم بنوع من دراسة التصنيف والمراقبة، والتي تعد حجر الأساس للعلوم الأساسية، ومقتلاً لأولئك الذين يسعون لعوائد فورية من الاستثمار العلمي، فلم يكن هناك أي فائدة واضحة لدراسة هذه الفطريات، ما عدا زيادة فهمنا للعالم الذي نعيش فيه.

وعندما بدأت لونجكور بإنجاب الأطفال، توقفت عن العمل. تقول: “كنت أنتمي إلى حقبة مختلفة, كان على النساء الاختيار بين البقاء في البيت والذهاب إلى العمل، وقد اخترت البقاء في البيت. ولم يكن يشغل ذهني القيام بأي عمل آخر، ولم أكن من الأشخاص الذين يستطيعون إرسال أولادهم إلى أماكن الرعاية النهارية والذهاب إلى الوظيفة، لم أرغب في ذلك”.

وبعد عقدين من الزمن، جاء طلب من باحثة في أورونو، البلدة التي تقع فيها كلية ماين. فقد حصلت تلك الباحثة على منحة من المؤسسة الوطنية للعلوم لدراسة وظيفة الارتشاح المحلي في الصرف الصحي، وقد تمت إحالتها إلى لونجكور للمساعدة.

تقول لونغكور: “جاءت واقنعتني بأنني ما زلت أعرف عن هذه المجموعة من الفطريات أكثر منها، وبأنني أستطيع المساعدة”. لذلك ذهبت لونجكور للعمل في المختبر بدوام جزئي لمدة ستة أشهر. ولكن بمجرد أن وقفت وراء المجهر، عرفت أنها في المكان الذي تحتاج أن تكون فيه.

قامت لونجكور بالتسجيل في برنامج الدكتوراه. وعندما كانت طالبة في مرحلة الماجستير في الستينيات، كان من المعتاد رسم مخططات للكائنات الحية التي تدرسها، لكن عندما أصبحت طالبة دكتوراه في الثمانينيات، تعلمت كل شيء عن المجهر الإلكتروني، والذي يستخدم شعاعاً من الإلكترونات لخلق صورة للعينة. وتعلمت كيف تنمو الفطريات في المستزرعات النقية، وكيفية تصوير وقراءة صور العينات. لقد فتح أمامها الطريق إلى عالم جديد من الإمكانيات في فهم الكائنات الدقيقة التي كانت مفتونة بها دائماً. ولكن عندما تخرجت في عام 1991، فشلت محاولاتها للحصول على منحة من المؤسسة الوطنية للعلوم التي تمول معظم أعمال العلماء. فمع عدم وجود عائد واضح، فإن العمل على الفطريات الأصيصية لم يكن على رأس قائمة أولويات أحد.

تقول لونجكور: “فلتذهب أموال المنح إلى الجحيم”، وبدلاً من إضاعة وقتها في تقديم طلبات للحصول على منحة من المؤسسة الوطنية للعلوم، قررت أن تفعل شيئاً ما بالأموال القليلة التي يمكن أن تحصل عليها من مصادر أخرى.

وفي عام 1997، تلقّت لونجكور صور المجهر الإلكتروني من بيسيير، وعكفت على العمل في ركن مهجور في أحد المختبرات، لتقوم بعزل الفطريات ونشر الدراسات. وكانت قادرة على التعرف مباشرة على الفطريات الأصيصية التي عزلها بيسيير من الضفادع التي كانت تواجه الموت في حديقة الحيوان.

تقول لونجكور: “كان الأمر غريباً حقاً، لأننا في ذلك الوقت لم نكن نعرف أي فطر آخر من هذه المجموعة كمسبب مرضي عند الفقاريات. كنا نعلم أنها قد تتطفل على الطحالب والفقاريات، ولكن لم يكن لدينا أي فكرة عن كونها تسبب الأمراض للبرمائيات”.

ضفدع الفراولة السام
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

وقد تبين أن الفطريات الأصيصية يمكن أن تصيب حيوانات الضفدع، والعلجوم، والسلمندر. وقد تسببت في انخفاض أعدادها في جميع أنحاء العالم وفي كل القارات، ما عدا القارة القطبية الجنوبية (حيث تجدر الإشارة إلى عدم وجود الضفادع فيها)، بل وأدت إلى انقراض بعض البرمائيات. وقد ساعد عمل لونجكور، جنباً إلى جنب مع عمل إلين لاميراند، ودون نيكولز، وألان بيسير الباحثين على معرفة كيفية انتشار الفطر، من خلال القوارب والمعدات التي كانت تنتقل من جسم مائي إلى آخر، وكذلك من خلال تهريب الحيوانات الأليفة الغريبة.

ولهذا السبب فقد منح هذا العمل جائزة الإوزة الذهبية التي تقدمها الجمعية الأميركية لتقدم العلوم في سبتمبر 2017. ويعود الفضل في هذه الجائزة إلى عضو الكونجرس عن ولاية تينيسي جيم كوبر الذي “أراد أن يحقق الفوائد الهائلة للبحوث الممولة اتحادياً، من خلال تسليط الضوء على نماذج الدراسات التي تبدو غامضة، والتي أدت إلى اختراقات علمية كبيرة وآثار اجتماعية مماثلة”. وذلك بحسب ما صرحت به لمجلة “بوبيولار ساينس” إرين هيث، المديرة المساعدة للعلاقات الحكومية في الجمعية الأميركية لتقدم العلوم.

وقد شكل منح هذه الجائزة لهذا العمل دحضاً لما يعتبره البعض مناخاً معادياً للبحوث الأساسية، على النحو الذي كانت تجسده جائزة الفراء الذهبي. وقد أسس تلك الجائزة الساخرة عضو الكونجرس عن ولاية ويسكونسن في ذلك الوقت، ويليام بروكسمير، للتشهير بالمشروعات التي كان ينظر إليها على أنها تبديد لأموال دافعي الضرائب. وقد كانت تلك الجائزة تمنح شهرياً ما بين عامي 1975 و1988، واستهدفت أكثر من عشرين من محاولات البحث العلمي. وكانت إحدى الدراسات التي انتقدها بروكسمير، تبحث في الربط بين الكحول والسلوك العدواني عند الأسماك والجرذان، وقد رفضها على أساس أن “أكثر الطرق فعالية لفهم الظروف والمشاكل الإنسانية هي مراقبة السلوك الانساني”.

وقد صرح عالم النفس هارمان بيك من جامعة كاليفورنيا لمجلة “ذي ساينتيست” عام 1988: “سأستمتع حقاً باقتراح بروكسمير بإعطاء الناس الكحول ومطالبتهم بالقتال. إنه أمر غير أخلاقي”. ويلقي البعض باللوم على جائزة الفراء الذهبي لتشكيكها بما سمته “العلوم المضحكة”، ودفعها المتزايد للاستثمار فقط في التقدم العلمي الذي تبدو له منافع اجتماعية سريعة التحقيق.

تقول لونجكور: “تمويل العلوم هو كل شيء بالنسبة لي، لأنه مع مرور الوقت، ستكون هناك عوائد غير متوقعة من المعرفة العلمية. هكذا يحدث التقدم”. من الذي كان يعتقد أنه وبعد قرن من تطوير آينشتاين لنظريته النسبية، سنستخدمها في أجهزة نظام تحديد المواقع العالمي لرسم مساراتنا الصباحية والتنقل في الأحياء غير المألوفة؟

وقد تم الاعتراف بعمل لونجكور ونيكولز وبيسيير، إلى جانب عمل لطفي زاده الذي حدد “المنطق الضبابي”، وهو مفهوم رياضي يستخدم حالياً بشكل واسع في أنظمة التدفئة والتهوية والتكييف إلى أجهزة العناية بالصحة، وكذلك عمل كايشينج لي. ويتساءل لي كيف يمكن لحيوان بلح البحر أن يلتصق بكفاءة عالية بالجدران والصخور تحت الماء. ومن خلال فهم أساليب ارتباط بلح البحر، استطاع تطوير غراء من فول الصويا، مكن شركات مثل كولومبيا فوريست من الابتعاد عن المواد الضارة بالبيئة، والمواد المسببة للسرطان، والتي تعتمد على الفورمالديهايد.

تقول هيث: “إن البحث المدفوع بالفضول مهم، لأنه يضع الأساس للتطورات التي يمكن أن تغير حياة الناس. نحن لا نعرف دائماً إلى أين سيقودنا هذا البحث. نريد أن نسمع المزيد من مثل هذه القصص. ويستطيع أي شخص أن يقوم بالترشيح لجائزة الإوزة الذهبية”.

ولا تؤدي كل البحوث الأساسية بالتأكيد إلى نتائج مهمة كعمل لونجكور، ولكنك لا تعرف أبداً أين يمكن أن يأخذك التحقيق العلمي.

error: Content is protected !!