Reading Time: 6 minutes

نشر الروائي الأميركي «هيرمان ملفيل» في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1851 إحدى أشهر كلاسيكيات الأدب العالمي؛ رواية «موبي ديك»، لكن هل تعلم أنك إذا قمتَ بوضع حروف النص الكامل للرواية في صفوف داخل مستطيلات كبيرة، فسيُمكِّنك ذلك من معرفة سر خطير؟

ستجد أن رواية «موبي ديك» تنبأت باغتيال الرئيس الأميركي «جون كينيدي» عام 1963 من خلال ملاحظة بعض الأنماط التي تمثلها الحروف، وكذلك بمقتل «مارتن لوثر كينج» عام 1968، والرئيس الأميركي «إبراهام لينكولن» عام 1865، والأميرة «ديانا» عام 1997، ورئيس الوزراء الهندي «أنديرا غاندي» عام 1984.

ويمكنك أن تجد معظم الاغتيالات على مر التاريخ داخل الرواية، إذا بحثت جيداً؛ فهل كان «هيرمان ملفيل» عرافاً يتنبأ بالمستقبل؟ أم أننا نتصوَّر أنماطاً وهميةً غير موجودةٍ بالفعل؟

تصوُّر الأنماط الوهمية، والمعتقدات اللاعقلانية

يحدُث التصوُّر الوهمي للأنماط عندما نحاول إيجاد نمط مُحدَّد في المحفزات العشوائية التي تحدث من حولنا، محاولين رسم ارتباطات أو علاقات سببية وهمية، لم يحدث أي منها بالفعل.

إن العالم ليس كما يبدو في الواقع لمن يؤمنون بنظرية المؤامرة؛ لأنهم دائماً يربطون الخيوط غير المرئية لمفاهيم وأحداث لا علاقة فيما بينها في الحقيقة، فلا يحدث شيء من قبيل الصدفة العشوائية؛ لذا حاول الباحثون على مدار سنوات أن يفهموا ما يجعل بعض الأشخاص يميلون إلى التصديق والإيمان بنظرية المؤامرة.

إن تصوُّر الأنماط الوهمية وفقاً لدراسة أجراها فريق من علماء النفس من جامعة فريجي في هولندا، وجامعة كنت في المملكة المتحدة، نُشرت في الدورية الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي عام 2017؛ يُعدُّ سبباً رئيسياً للاعتقاد في نظريات المؤامرة، وكذلك الأمور الخارقة للطبيعة لأننا في كل مرة نقوم فيها بالربط بين أحداث أو تجارب غير مترابطة؛ نواجه مشكلة تصوُّر الأنماط الوهمية.

أجرى الفريق البحثي سلسلة من 5 دراسات على عدد من الأشخاص البالغين، وبدأوا بتقييم إيمان المشاركين بنظريات المؤامرة الشائعة والخيالية على مقياس من 1 إلى 9. تضمنت هذه المؤامرات أشياء؛ مثل: فيروس «إيبولا» من صنع الإنسان، وناسا زوَّرت عملية الهبوط على سطح القمر، وصنَّفوا إيمانهم بالظواهر الخارقة للطبيعة؛ مثل: الأبراج، والتخاطب، وبعض الخرافات.

سُئل المشاركون في الدراسة الأولى عما إذا كان بإمكانهم رؤية أي أنماط في سلسلة من إلقاء عشوائي للعملة المعدنية، وطُلب منهم في الدراسة الثانية تخمين ما ستكون عليه النتيجة التالية للعملة التي سيتم إلقاؤها بعد سلسلة من الإرشادات العشوائية. فقد وُجّه بعضهم إلى البحث عن الأنماط، وبعضهم الآخر لم يُوجَّه.

كتب مؤلفو الدراسة: «أن إدراك أنماط النتائج العشوائية من إلقاء العملات المعدنية ارتبط إلى حد كبير بكل من مقاييس تصديق الأشخاص لنظرية المؤامرة، والظواهر الخارقة للطبيعة، وتعتبر هذه النتائج هي الأولى التي تشير بشكل مباشر إلى وجود علاقة بين الإيمان بنظريات المؤامرة وتصوُّر الأنماط الوهمية، وكذلك تكرار هذه العلاقة نظرياً في الإيمان بالمعتقدات الخارقة للطبيعة».

وطُلب من المشاركين في الدراسة الثالثة التعرف على الأنماط بشكلٍ أكثر تعقيداً من خلال عرض لوحات فنية رسمها الفنان «فيكتور فاسيلي»، الذي كان مُنظَّماً جداً، ولوحات فنية أخرى رسمها الفنان «جاكسون بولوك»، الذي لم يكن كذلك، وتم سؤالهم عما إذا كان بإمكانهم العثور على أنماط في هذه الأعمال الفنية أم لا؟

ورغم أن معظم الأشخاص قد يتمكنون من العثور على أنماطٍ في الأشكال الهندسية التي تتميز بها لوحات فاسيلي، فإن أولئك الذين آمنوا بالكثير من نظريات المؤامرة رأوا الأنماط في بقع بولوك العشوائية. طُلب من المشاركين في الدراسة الرابعة قراءة مقتطفاً قصيراً، يبدو ظاهرياً أنه مأخوذ من مدونة شخصية على الإنترنت. حاول الباحثون إظهار صاحب المدونة وكأنه يؤمن بالظواهر الخارقة أو بنظريات المؤامرة، أو يبدو متشككاً في مثل هذه الأمور. وجد الباحثون أن الاتفاق مع التدوينات التي تدعم الظواهر الخارقة أو نظريات المؤامرة؛ تنبأت بتصوُّر الأنماط.

تناولت الدراسة الخامسة مقالاً على الإنترنت عن وكالة الأمن القومي، وكان هناك نسختان منه. الأولى: مؤيدة للمؤامرة، والأخرى: تنفيها. ومن قرأوا النسخة المؤيدة للمؤامرة كانوا أكثر عرضة لرؤية الأنماط في الأحداث العالمية التي تنبأت بدورها بمعتقدات لا عقلانية، وغير مترابطة.

أظهرت هاتان الدراستان ما تمتلكه المؤثرات الخارجية من تأثير واضح في تصوُّرات الأشخاص، واستنتجوا في النهاية أن التصوُّر الوهمي للأنماط يعد آلية معرفية مركزية؛ تفسر الإيمان بنظريات المؤامرة والمعتقدات الخارقة للطبيعة. فقد ذكر الباحثون أن هذه النتائج مجتمعة تدعم الافتراض القائل بأن التصوُّر الوهمي للأنماط جانب إدراكي أساسي من الإيمان بنظريات المؤامرة، وبالمعتقدات الخارقة للطبيعة التي تُدرس هنا.

يعد إدراك الأنماط في أي حدث أو محفز خارجي أمراً طبيعياً للعقل البشري، وهو أمر هام للسلوك الإنساني؛ لأنه يُعدُّ وسيلة مفيدة لاستخلاص الاستنتاجات حول بيئة مليئة بالسبب والنتيجة، وكذلك الخطر المحتمل.

وإذا لم نتمكن من رؤية أية أنماط، فسنرتكب الأخطاء نفسها مراراً وتكراراً، لكننا عندما نرى أنماطاً غير موجودةٍ بالفعل قد نواجه مشكلة، ونتحول إلى الإيمان بمعتقدات لاعقلانية، وربما نرى العالم بمنظورٍ مختلفٍ تماماً.

لماذا يؤمن البعض بنظرية المؤامرة؟

الأرض المسطحة, مؤامرة, نظرية, فضائيين

خريطة الأرض المسطحة التي رسمها «أورلاندو فيرجسون» في عام 1893

يؤمن بعض الأشخاص بالعديد من نظريات المؤامرة الكبرى التي تحاول تفسير الأحداث العالمية الهامة، بوصفها مؤامرات سرية لمجموعات قوية وشريرة تحاول السيطرة على العالم.

إنهم يرون أن وكالة الفضاء الدولية ناسا تكذب علينا بشأن الكثير من الأشياء مثل: كروية الأرض، وتخدعنا من خلال تزوير عملية الهبوط على سطح القمر، وتتآمر علينا شركات الأدوية الكبرى وتخفي علاج السرطان، وتنتج تطعيماتٍ للأطفال تسبب لهم التوحد، وتخفي علينا حكومات الولايات المتحدة أمر الكائنات الفضائية في «المنطقة 51»، وغيرها الكثير من نظريات المؤامرة الكبرى.

وبعيداً عن عدم معقولية طرح هذه النظريات بأي حالٍ من الأحوال، قد نحاول أن نفهم من أين تأتي، ولماذا يؤمن البعض بمثل هذه النظريات الخرافية؟ وهو السؤال الذي طرحته عالمة النفس البريطانية «كارين دوجلاس» مع زملائها في جامعة كنت بالمملكة المتحدة، في ورقة بحثية نُشرت عام 2017، في دورية التوجهات الحالية في العلوم النفسية.

وقد وجد الباحثون أن الأسباب النفسية للإيمان بنظريات المؤامرة يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات: دوافع معرفية، دوافع وجودية، ودوافع اجتماعية.

أولاً: الدوافع المعرفية

الرغبة الإنسانية الطبيعية في محاولة الفهم والبحث عن تفسيرات للأحداث بشكلٍ عام. نحن نسأل باستمرار عن أسباب وقوع الأشياء بالطريقة التي تحدث بها: لماذا يجب أن تمطر السماء في اليوم الذي أريد الخروج فيه؟ لماذا لا تستطيع أن تفهم ما أحاول إخبارك به؟

ونحن لا نطرح الأسئلة فحسب، بل نجد لها إجابات سريعة أيضاً، قد لا تكون الإجابات الحقيقية، لكنها تريحنا أو تتناسب مع نظرتنا إلى العالم: إنها تمطر لأنني دائماً أملك أسوأ حظ في العالم، ولا يمكنك فهم ما أقوله لأنك لا تستمع إليّ.

يؤمن معظمنا بمعتقدات خاطئة؛ أي معلومات نعتقد أنها صحيحة لكنها في الحقيقة ليست كذلك. على سبيل المثال؛ إن كنت تعتقد أن سيدني عاصمة أستراليا، فأنت ضحية اعتقاد خاطئ، وسوف تغير رأيك بسهولة عند معرفتك الحقيقة، وهي أن كانبيرا هي عاصمة أستراليا، وعلى أي حال لقد كنت ببساطة تملك معلومات خاطئة، ولم تستثمر عاطفياً في تلك المعلومات.

وتعتبر نظريات المؤامرة أيضاً معتقدات خاطئة بحكم تعريفها، لكن من يؤمنون بها لديهم اهتمام راسخ في الحفاظ عليها. فقد بذلوا بعض الجهد لفهم تفسير نظرية المؤامرة لحدث ما، سواء أكان ذلك من خلال قراءة الكتب، أم البحث في مواقع الإنترنت، أم مشاهدة البرامج التلفزيونية التي تدعم معتقداتهم. إن عدم اليقين والفهم يمثلان حالة مزعجة، وتأتي هنا نظريات المؤامرة وتوفر شعوراً مريحاً بالفهم واليقين.

ثانياً: الدوافع الوجودية

يحتاج البشر إلى الشعور بأنهم يسيطرون على حياتهم، وهذا يوفر لهم شعوراً بالأمان. على سبيل المثال؛ يشعر الكثير من الأشخاص بالأمان عندما يجلسون في مقعد سائق السيارة بدلاً من مقعد الراكب، هذا رغم أن أفضل السائقين قد يقعون ضحية الحوادث لأسباب خارجة عن إرادتهم.

ويمكن لنظريات المؤامرة أن تمنحهم شعوراً بالسيطرة والأمان؛ لأنها تقدم لهم الفرصة لرفض الرواية الرسمية، ويشعرون بأن لديهم روايتهم البديلة. على سبيل المثال؛ إن كانت درجات الحرارة العالمية ترتفع بشكل كارثي بسبب النشاط البشري، فسيتعين علينا إجراء تغييرات مؤلمة على نمط حياتنا المريح. وإذا أكد لنا السياسيون أن الاحتباس الحراري العالمي مجرد خدعة، فسوف نحافظ على طريقة عيشنا الحالية. يعتبر هذا النوع من التفكير المُحفِّز عنصراً مهماً في معتقدات نظرية المؤامرة.

ثالثاً: الدوافع الاجتماعية

نعني بها الرغبة في الحفاظ على صورة إيجابية عن النفس. فقد أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يشعرون بالتهميش الاجتماعي، هم أكثر عرضة للإيمان بنظريات المؤامرة وبالأمور الخارقة للطبيعة. فنحن جميعاً نملك رغبةً في الحفاظ على صورة ذاتية إيجابية، تأتي عادةً من أدوارنا التي نلعبها في الحياة من خلال وظائفنا وعلاقاتنا مع العائلة والأصدقاء من حولنا، ونرى جدوى حياتنا الخاصة، ونشعر بالرضا عن أنفسنا عندما نعلم أننا نحدث تغييراً إيجابياً في حياة الآخرين.

وإن كان من يؤمن بمثل هذه النظريات يشعر بأنه مستبعد اجتماعياً، ولا يملك دوراً هاماً في الحياة، أو لم يحقق إنجازاتٍ تشعره بالرضا عن نفسه، فإن الإيمان بنظريات المؤامرة يمنحه إحساساً بالراحة النفسية، وإحساساً بأنه يملك معرفة الحقيقة التي يغفل عنها الجميع.

معظم الأشخاص الذين يعتقدون بأن الاحتباس الحراري حقيقي أو أن اللقاحات آمنة لا يفعلون ذلك لأنهم يفهمون العلم، لكنهم يثقون في العلماء ذوي الخبرة. وهكذا عندما يبدأ من يؤمن بنظرية المؤامرة في ذكر كل الأدلة ضد ظاهرة الاحتباس الحراري، قد يكون من الصعب مناقشته بحجج معقولة ومنطقية. ليس لأنها غير موجودة، بل لأن كل ما ستشعر به هو أن نظرية المؤامرة تبدو معقدة للغاية لدرجة يصعب تصديقها من الأساس، ويعرف من وجهة نظره المزيد عن الموضوع أكثر مما تعرفه، مما يمنحه إحساساً بالتفوق.

ولكن يظل السؤال قائماً: كيف نتعامل مع من يؤمن بنظريات المؤامرة من حولنا؟

يمكنك بالطبع تقديم إثباتات وأدلة علمية مضادة في محاولة لإقناعه بالتخلي عن إيمانه بهذه النظريات، ولن تنجح في الغالب لأنك تدافع عن الحقائق، ويدافع هو عن إحساسه بالأمان ومشاعره الإيجابية تجاه نفسه. وفي العموم تتفوق صورتنا الذاتية على الحقائق في كل مرة.