Reading Time: 3 minutes

على الرغم من الانتشار الكبير للطعام الخالي من الجلوتين في السنوات القليلة الماضية، إلا أن اتباع نظام غذائي يصفه الطبيب بحيث يكون خالياً من الجلوتين ليس بالأمر السهل؛ إذ يقضي ملايين الأشخاص الذين يعانون من الداء الزلاقي حياتهم وهم قلقون من وجود الجلوتين في المطاعم، بالإضافة إلى بحثهم الدقيق في المعلومات المذكورة على ملصقات العبوات الغذائية، فهم يعانون من الكثير من الارتياب ومن مشاهدة الآخرين وهم يأكلون الكعك. وعلى الرغم من استفسار النوادل في المطاعم حول الأطعمة التي تعتبر آمنة للأكل، إلا أن الأسوأ من ذلك كله هو تعرّض هؤلاء الأشخاص للجلوتين في بعض الأحيان.

لكل هذه الأسباب، يعرف الأطباء والباحثون وهم يتعاملون مع المرضى الذين يعانون من الداء الزلاقي أن اتباع نظام غذائي خالِ من الجلوتين ليس بالحل البسيط الذي يبدو عليه؛ ولهذا السبب قامت شركة تدعى إميوسانت (ImmusanT) بتطوير لقاح بديل عن النظام الغذائي.

ودوماً ما كنا نعتقد أن اللقاحات تكون مفيدة في مكافحة الفيروسات وليس أمراض المناعة الذاتية، ولكن النظرية التي تكمن وراء لقاح نيكسفاكس2 (Nexvax2) الذي تعدّه شركة إميوسانت تبدو سليمة حتى الآن. وكما هو الحال مع اللقاحات العادية، يقوم لقاح نيكسفاكس2 بتعريض جهاز مناعة المريض إلى كمية صغيرة من مادة قد تكون خطرة بغير اللقاح. وبالنسبة للقاحات العادية، فإن هذا المادة تكون عبارة عن فيروس، ولكن بالنسبة إلى لقاح نيكسفاكس2، فهي عبارة عن جلوتين.

ولكي نفهم حقاً آلية عمل اللقاح، يجب علينا أن نتعمّق قليلاً في التعريف الفعلي للداء الزلاقي، فهو ليس مجرد حساسية كما هو شائع؛ فالحساسية هي رد فعل مفرط تجاه شيء من المفترض أن يعتبره جسمك غير ضار، أي أنك إذا كنت تعاني من الحساسية تجاه الحليب مثلاً، فإن جهازك المناعي يفترض أن بروتينات الحليب خطرة ويقوم بإفراز الكثير من الهيستامين رداً على وجودها، ويسبب هذا التدفق الكبير للهيستامين أعراض الحساسية (بعض الحالات التي تسمى حساسية هي في الواقع حالات عدم تحمُّل، وهي تتعلق بكيفية تفكيك الأمعاء لبعض الأطعمة مثل الثوم، ولكنها لا تزال غير مرتبطة بالمناعة الذاتية في طبيعتها). كما أن جهاز المناعة لدى المرضى المصابين بالداء الزلاقي يسيء تصنيف أحد البروتينات (وهو بروتين الجلوتين في هذه الحالة) بحيث يعتبرها خطرة، ولكنه يبدأ بمهاجمة نفسه بدلاً من تحرير كمية كبيرة من الهيستامين.

والأشخاص الذين يعانون من الداء الزلاقي عندما يأكلون الجلوتين، فإنهم لا يصابون بضيق التنفس، بل يعانون من آلام في المعدة والأمعاء لأن أجهزتهم المناعية تهاجم بطانة الأمعاء. وإذا كان هناك ما يكفي من الجلوتين، فإن هذه الاستجابة تؤذي النتوءات الحساسة المسماة بالزغابات المعوية، التي عادةَ ما تمتص المواد المغذية من الطعام. ويمكن لمرضى الداء الزلاقي الذين يعانون من أذية الزغابات المعوية أن يُصابوا بسوء التغذية إذا استمر هذا الأمر لمدة طويلة.

ويتم تنسيق هذا الهجوم بأكمله بواسطة الخلايا التائية، وهي نوع من الخلايا المناعية المسؤولة عن التعرُّف على الأجسام الأجنبية، ويمتلك الأشخاص الذين يعانون من الداء الزلاقي خلايا تائية تعلَّمت عن طريق الخطأ أن تتعرَّف على أجزاء من بروتينات الجلوتين على أنها خطيرة، ولذلك فكّر باحثو شركة إميوسانت فيما قد يحدث لو كان من الممكن تعليم الخلايا التائية أن الجلوتين غير خطر؟

كانت الخطوة الأولى هي معرفة أجزاء بروتينات الجلوتين التي تحفِّز الخلايا التائية على الاستجابة، واتضح أنها مجرد عدد قليل من الأجزاء، وبعد ذلك عزلوا هذه الشرائط الببتيدية القصيرة ووضعوها مباشرة في حقنة، ثم حقنوها في أذرع مرضى الداء الزلاقي. عندما كانت الجرعة الأولى مرتفعة جداً، عانى كل المرضى تقريباً من رد الفعل التقليدي تجاه الجلوتين (أي الغثيان والقيء والإسهال والصداع والإرهاق)، ولكن في التجارب اللاحقة عندما بدؤوا بثلاثة ميكروغرامات من الجلوتين وزادوا الجرعة بشكل تدريجي، تمكّن معظمهم من تحمّل ما يصل إلى 900 ميكروغرام (أو 0.0009 غرام) مع القليل من الأعراض إن وجدت. ومن الجدير بالذكر أن الأوروبيين والأميركيين يتناولون ما بين 10 إلى 14 غراماً من الجلوتين يومياً في المتوسط، ولكن تناوله لا يماثل تماماً حقنه بشكل مباشر في أوردتك؛ إذ إن الهدف النهائي لشركة إميوسانت هو السماح للمرضى بالاستمتاع بالأغذية العادية.

ولسوء الحظ، لا يمكن لأولئك الذين يعانون من الداء الزلاقي أن يحصلوا على لقاح الجلوتين ويبدؤوا على الفور بالتمتع بأكل الكعك اللذيذ؛ ففي التجارب القادمة، تريد شركة إميوسانت إثبات أن لقاحها ليس آمناً فحسب، ولكنه أيضاً أكثر فعالية من الخيارات المتاحة حالياً (الأمر الذي لن يكون صعباً، لأن الخيار الوحيد في الوقت الحالي هو النظام الغذائي الخالي من الجلوتين). وبمجرد اجتياز المرحلتين الثانية والثالثة من التجارب، فستحتاج إلى الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية قبل أن يتمكن المرضى من الحصول على اللقاح.

وهناك أمر آخر أيضاً، هو أن اللقاح ليس مخصصاً للجميع؛ إذ إن أجزاء ببتيد الجلوتين التي يتعرَّف عليها الجهاز المناعي لمرضى الداء الزلاقي هي خاصة بالطفرات الجينية التي يحملها، وقد تم إعداد هذا اللقاح للأشخاص الذين لديهم طفرة HLA-DQ2.5، التي يعاني منها 90٪ من المصابين بالداء الزلاقي، فيما يعاني 5% من المرضى من طفرة HLA-DQ8، أما الـ 5% المتبقية من الأشخاص فلديهم طفرات أخرى غير معروفة. وفي مؤتمر عن الداء الزلاقي في جامعة كولومبيا في مارس 2018، أوضح روبرت أندرسون (الرئيس العلمي في شركة إميوسانت) أنهم أرادوا البدء بالنمط الوراثي الأكثر شيوعاً حتى يتمكنوا من مساعدة معظم الأشخاص، ولكنهم يعملون على لقاح لمرضى طفرة DQ8 أيضاً.

ويبقى الأمل أن يتمكَّن المرضى الذين يعانون من الداء الزلاقي من التحمُّل الكامل للجلوتين في نهاية المطاف وتناول أغذية غير محددة، وربما يرافق ذلك لقاحات معزَّزة من حين لآخر لضمان استمرار التحمّل. ولا يزال هذا الأمل المستقبلي بعيداً لعدة سنوات؛ إذ لن تنتهي تجارب المرحلة الثانية الحالية إلا بحلول عام 2019، ثم ستستغرق تجارب المرحلة الثالثة بضع سنوات أخرى، كما أن موافقة إدارة الغذاء والداء قد تستغرق وقتاً أطول، ثم يليها تصنيع الدواء وتوزيعه. ولكن إمكانية العلاج طويل الأمد لمرض الداء الزلاقي أصبحت أكثر واقعية، وهذا أمر مثير للغاية.