Reading Time: 5 minutes

يعاني الآباء والأمهات من القلق حول ما إذا كانوا سينجحون في تحقيق التوازن بين مخاوفهم وآمالهم، وعواطفهم المفرطة تجاه أبنائهم لتحقيق الأفضل لهم، أم لا. لذا فإن معرفة مراحل تطور نمو الأطفال عقلياً منذ الولادة حتى سن المراهقة؛ يساعد بشكلٍ كبير في فهم ما يمر به الأبناء واستيعابه، ويساهم في تحقيق تواصل بنّاء معهم يمكّنهم من التطور بشكلٍ ناجح على جميع المستويات؛ عقلياً وعاطفياً وأكاديمياً وإنسانياً.

كيف يعمل الدماغ؟

المخ جزء رئيسي من الجهاز العصبي المركزي، ووحدة بنائه الأساسية هي الخلية العصبية. يلعب المخ دوراً حاسماً في التحكم بالعديد من وظائف الجسم، سواء الإرادية (مثل المشي والتحدث)، أو اللا إرادية (مثل التنفس والهضم). لا تنضج جميع مناطق المخ في الوقت نفسه، لكنها تتطور في تسلسل يمكن التنبؤ به. وهو ما قد يوضح سبب وجود ما يمكن أن نطلق عليه «أوقات الذروة» لأنواع معينة من التعلم والتطوير.

يبدأ المخ في التكون خلال المراحل الجنينية، لكن عند الولادة يكون أشبه ببناء ينقصه الكثير من العمل ليصبح مكتملاً. فنجد أن معظم الخلايا العصبية البالغ عددها حوالي 100 مليار خلية، والتي تُكوّن مخ الطفل المولود ليست متصلة ببعضها البعض. ومع نمو الطفل، يبقى عدد الخلايا العصبية مستقراً نسبياً، لكن تستمر كل خلية في النمو ليصبح حجمها أكبر وأثقل.

يُعد تشكيل وتعزيز الروابط بين هذه الخلايا الأساس الذي يقوم عليه نمو الدماغ في وقتٍ مبكر. ففي الوقت الذي يختبر فيه الطفل العالم المحيط يوماً بعد يوم، ويشكل علاقات مع أفراد أسرته وغيرهم من المحيطين به؛ تتشكل تريليونات الروابط أو التشابكات بين خلاياه العصبية.

تتواجد الخلايا العصبية وبعض نقاط الاشتباك العصبي في دماغ الجنين قبل الولادة. ومع الولادة، تبدأ الخلايا العصبية بالنضوج، مما يسمح بوجود المزيد من نقاط الاشتباك العصبي التي يصل عددها لكل خلية 2500. ومع تقدم العمر خلال السنوات الثلاث الأولى، تكون حوالي 15000 نقطة اشتباك لكل خلية عصبية.

في بعض الأحيان، يشار إلى هذه الشبكة المعقدة من الاشتباكات العصبية في الدماغ باسم  «الأسلاك» أو «الدوائر». ومع نضوج الخلايا العصبية، يتم إجراء المزيد من التشابكات العصبية المعقدة. وحسب وصف «جوديث جراهام»، أخصائية التطور الإنساني الممتد في جامعة ماين بأورونو في الولايات المتحدة الأميركية، الأمر أشبه بأن يكون لديك 100 صديق على فيسبوك، ثم يزداد عددهم بمرور الوقت إلى 600 صديق، وكل واحد من هؤلاء الأصدقاء لديه 600 شخص آخر، وهكذا. 

وكما أسلفنا سابقاً، فإن الدماغ يكوّن نقاط تشابك عصبية في السنوات الأولى من عمر الطفل. في هذا الوقت تصبح نقاط التشابك المستخدمة جزءاً دائماً من الدماغ، بينما يتم التخلص من نقاط الاشتباك العصبي المهملة التي لا يتم استخدامها. لذا تلعب التجربة والتفاعل مع البيئات المحيطة دوراً مهماً وتحفيزياً في هذه المرحلة من تطور مخ الطفل الصغير. لا يتوقف نمو الدماغ بعد الطفولة المبكرة، لكنه الأساس الذي يقوم عليه تطور المخ لاحقاً في مراحل الطفولة والمراهقة والبلوغ، لذا يحتاج الآباء والأمهات إلى توفير العديد من الفرص التعليمية والاجتماعية الإيجابية في هذه المرحلة؛ حتى تصبح نقاط التشابك المرتبطة بهذه التجارب دائمة وناجحة.

المرحلة الأولى منذ الولادة وحتى عمر 3 سنوات

في هذه المرحلة يختبر الطفل البيئة المحيطة به، ويتعرف على العالم الخارجي من خلال حواسه الخمسة الأساسية؛ البصر والسمع والشم واللمس والتذوق. في مرحلة الطفولة المبكرة، يتم تحفيز النمو الاجتماعي والعاطفي والمعرفي والجسدي واللغوي للأطفال بواسطة الانخراط في بيئات مختلفة، متعددة الحواس وممتلئة بالمشاهد والأصوات، والأشخاص المشجعين. يستجيب الأطفال للمؤثرات الحسية من حولهم مثل الروائح. فرائحة القرفة على سبيل المثال تجعلهم يقظين، بينما تساعد رائحة اللافندر على تهدئتهم. كذلك الحال بالنسبة للأضواء والألوان، وأنواع الموسيقى المختلفة.

وفقاً لـ«سارة ليتل»، من معهد علوم التعلم والدماغ بجامعة واشنطن في سياتل، يغفل الكثير من الآباء والأمهات أن أطفالهم في مراحل حياتهم المبكرة يتأثرون بمحيطهم الخارجي، وأنهم يتطورون اجتماعياً وعاطفياً، ويحصلون على الإرشادات من والديهم أيضاً. فإذا تحدثت أو تعاملت مع طفل لا يعرفك، ستلاحظ أنه ينظر إلى والديه لمعرفة كيف يمكنه الرد عليك. يسمى هذا بـ«المرجع أو الإدراك الاجتماعي».

تضيف ليتل أنه من أجل مساعدة طفلك على تطوير مهاراته اللغوية بشكلٍ أكبر، عليك تذكر أنه يتبع نظراتك. لذا عليك التركيز على تحريك عينيك ببطء عند تعليم طفلك كلمة جديدة، ولا بأس في استخدام نغمة مشابهة لصوت الأطفال أثناء نطقك لها، أي ببطء وبتركيز على مخارج الحروف مع تكرار الكلمة، لكن احرص على استخدام الكلمات بشكلٍ صحيح وكامل، وفي جملٍ صحيحة واضحة المعنى. 

يمكنك استخدام الكلمات للتعريف بأنواع الأطعمة والمشروبات التي تقدمها لطفلك، واستخدم الكلمات المرتبطة بالنكهة والملمس واللون كذلك، مثل: التفاح حلو وناعم، أو الزبادي أبيض وحامض.

من عمر ثلاث سنوات إلى 11 سنة

في هذه المرحلة يستجيب مخ الطفل لخبرات التعلم الجديدة وتنمية الحواس، مثل الإبصار التي يختبرها الطفل في وقتٍ مبكر. تتطور حدة البصر من الولادة إلى حوالي 6 أو 7 سنوات. أما المشاعر مثل التعاطف والحسد وغيرها، فتبدأ في التطور من عمر سنتين وحتى 10 سنوات لتصبح أكثر تعقيداً بمرور الوقت. 

أما فيما يتعلق بالحركة، فعلى مدار السنوات الأربع الأولى، يقوم الدماغ بتحسين الدوائر العصبية اللازمة للتحرك والوصول للأشياء والإمساك بها، الجلوس والزحف والمشي والجري والقفز. كل هذه المهارات والخبرات تستمر في الظهور، وتتطور لتصبح أكثر ثراءً وتعقيداً خلال هذه المرحلة.

أما عن مهارة تعلم اللغة، واللغة الثانية، إلى جانب مهارات مثل الرسم، والعزف على آلة موسيقية؛ فهي الأسهل خلال العقد الأول من العمر. وهذه المرحلة هي الأفضل من أجل تطوير المهارات اللغوية التي تكون أكثر حدة حينها. يبدأ الطفل في التعرف على الكلام منذ الولادة حتى عمر 6 أو 7 سنوات، أما المفردات فتبدأ في النمو خلال السنة الثانية، وتستمر في التطور حتى سن البلوغ.

من عمر 11 سنة فما فوق

هي المرحلة الأصعب والأكثر تحدياً لدى الآباء والأمهات، حيث يكون أغلب المراهقين مزاجيين، وشديدي الحساسية. في هذا الوقت يعالج الأطفال أمورهم الخاصة بشكلٍ عاطفي، تلعب فيه اللوزة الدماغية دوراً مهماً. قد يتفاجئ بعض الآباء لدى معرفتهم أن الجزء العقلاني من الدماغ، القشرة الأمامية، لا يتطور بشكلٍ كامل حتى عمر 25 عاماً. هذا الجزء هو المسئول عن أمور أكثر تعقيداً مثل صنع القرار والتخطيط، والتحكم في الدوافع وتجنب المخاطر.

لذا نجد المراهقين أكثر عرضة لتقييم المواقف بشكلٍ عاطفي، فيميلون إلى الانغماس في مشاعرهم التي يجدون صعوبة أيضاً في التعبير عنها. وهذا يفسر ميل الكثير من المراهقين إلى خوض المغامرات المحفوفة بالمخاطر.

في مرحلة المراهقة، ورغم أهمية الدور الذي يلعبه أصدقائهم في هذه المرحلة، فإن للأب والأم أهمية كبرى ليكونوا قدوة لأبنائهم. فالطريقة التي تتصرف بها، وكيف تتحمل المسئولية، وإدارتك للأمور؛ سيكون لها تأثير عميق وطويل الأمد عليهم. لذا عليك أن تعطيهم مساحات من الأمان والثقة لمبادلة الحديث معك والتعبير عن أنفسهم ومشاعرهم دون خوف. 

لا توبخهم إذا أخطأوا، بل حاول استغلال الموقف لتعليمهم الدرس المستفاد. امنحهم فرصة للحكم على الأشياء، ومشاركتك تخطيط بعض الأمور مثل أين ستقضون إجازة منتصف العام. إذا واجهتكم مشكلة ما، اترك لهم مساحة للتصرف، وتابع كيف يقومون بحلها. كن صديقاً لهم يثقوا به قبل أن تكون أباً أو تكوني أماً.

في الأخير، من المؤكد أن تربية الأطفال أبعد ما تكون عن السهولة، لكن معرفة القليل من العلوم العصبية يمكنها أن تساعدك، وأن تحدث فرقاً حقيقياً لك ولأبنائك.