Reading Time: 3 minutes

هل القدرة على فهم لغتين والتحدّث بهما تؤثر على طريقة عمل الدماغ؟ أنصار تعليم اللغة يفاخرون بمنافع هذا الأمر، لكن بالنسبة للعديد من الباحثين، فإن هذا سؤال لا جواب له حتى الآن.

تشير الأدلة على وجود بعض المنافع المعرفية على الأقل. على سبيل المثال، الأطفال الذي نشأوا في منازل يتحدّث ساكنوها بلغتين، قد يكونون قادرين على الانتباه إلى العالم حولهم، ومعالجة المعطيات بمستويات أعلى؛ مما يسمح لهم بملاحظة التغيّرات التي تطرأ على بيئتهم بسرعة أكبر، والآن، تشير دراسة حديثة إلى أن هذه المنافع قد تستمر بعد البلوغ، وفي نفس الوقت، يسلّط البحث الضوء على المناحي المتعددة التي تؤثر على عملية تعلّم اللغة.

المتحدّثون المبكّرون مقابل المتحدثين المتأخّرين

وجد باحثون في دراسة حديثة في دورية «نيتشر» في يناير/ كانون الثاني الماضي أدلّة سابقة تبين أن الأطفال ثنائيي اللغة كانوا أسرع في ملاحظة التغيّرات في مجموعة من الصور التي عُرضت على شاشة أمامهم؛ مقارنةً بالأطفال أحاديي اللغة. يقول «دين دسوزا»؛ باحث في علم النفس في جامعة أنجليا راسكن في كامبريدج، إنجلترا: «كنا نسعى لنعرف هل هذه التكيّفات المبكّرة ستستمر إلى مرحلة البلوغ إذا أجرينا نفس الاختبارات على مجموعة من البالغين أم لا».

لذا طبّق دسوزا وزملاؤه تجربةً مُشابهة على 127 بالغ؛ كانوا إمّا من أحاديي أو ثنائيي اللغة. حقق الباحثون مع كل مشارك لقياس الزمن الذي احتاجه كل منهم لتعلّم لغة ثانية بعد تعلّم اللغة الأولى. وقعت المجالات الزمنية الناتجة عن القياسات في المجال بين صفر (إذا تعلّم المشارك اللغة الأولى والثانية في الوقت نفسه أثناء الطفولة)، وما يصل إلى 28 سنة.

ثم أخضع الباحثون المشاركين لزوج من الاختبارات. في الاختبار الأول، عرض الباحثون صورة في منتصف شاشة، وقاسوا الزمن الذي استغرقه المشاركون ليلاحظوا وجود صورة أخرى تظهر على طرف الشاشة، بينما في الاختبار الثاني، عرض الباحثون صورتين، وغيّروا واحدة منهما بشكلٍ تدريجي لقياس سرعة إدراك المشاركين لهذا التغيير.

في كلا الاختبارين؛ لاحظ الأشخاص الذين تعلّموا اللغة الثانية بعد وقت قصير من تعلّم اللغة الأولى، التغيّرات الحاصلة قبل هؤلاء الذين تعلّموا اللغة الثانية بعد وقت أطول من تعلّم الأولى؛ مما يشير إلى وجود شكل ما من التهيئة الإدراكيّة تسمح للأشخاص الذين يتعلمون لغات مختلفة في وقت مبكر من العمر بأن ينقلوا مراكز انتباههم بشكل أسلس.

التعلّم من الأخطاء

يعتقد دسوزا أن ردّات الفعل المختلفة هذه تنشأ من تعقيد بيئة التعلّم التي يُحاط بها الأطفال. مثلاً، كلّما زاد عدد اللغات المحكية في منزل يسكنه طفل، زاد عدد الكلمات والأصوات التي يسمعها، والأكثر من ذلك؛ ليس كل من يتحدّث بلغة ما يُعتبر طَلْقاً فيها؛ مما يعني أن الأطفال الذين يتعرضون لأكثر من لغة قد يسمعون الأخطاء أيضاً.

يقول دسوزا: «تكمن الفكرة إذاً في أن هذا قد يدفع الأطفال ليبحثوا عن مصادر أخرى للمعلومات حتى يحصلوا على دلائل إضافية».

من الممكن أن تأتي المعلومات الإضافية من المؤشرات البصرية؛ إذ قد يحاول الأطفال تعقّب تحرّكات شفاه المتحدّث، أو مراقبة تعابير وجهه، أو النظر للنقاط التي ينظر إليها. البحث عن دلائل قد يحفّز الأطفال على أن يكونوا أكثر جرأةً في استخدام البصر لاكتشاف البيئة المحيطة، بينما أُحاديو اللغة لا يشحذون هذه المهارات بنفس القدر.

على سبيل المثال، تخيّل أن تعرض للأطفال تفاحة وإجاصة (كمثرى). حسب قول «فينيسا دياز»؛ باحثة في علم النفس في جامعة فيرجينيا، ولم تشارك في الدراسة الجديدة: «إذا قلتَ «تفاحة» ونظرت إلى الإجاصة، فمن المرجّح أن ينظر الأطفال ثنائيو اللغة إلى الإجاصة، بينما أُحاديو اللغة إلى التفاحة».

وإذا صح ما تشير إليه الدراسة الجديدة، عندها فالآثار المعرفيّة الناتجة عن تعلم لغة ثانية ستصاحب الطفل ثنائيّ اللغة في مرحلة ما بعد البلوغ.

الحقيقة حول «أفضلية الثنائيّة اللغويّة»

كانطباعٍ أول؛ الدراسات الشبيهة بالدراسة في موضوع هذا المقال تدعم الفكرة القائلة بأن الثنائيّة اللغويّة تقوي مهارات التواصل غير اللفظيّة، لكن بعض علماء النفس ليسوا مقتنعين بهذا، ويشيرون إلى أن الأدلّة غير حاسمة. أحد المعسكرين يعتقد أن فكرة «أفضلية الثنائية اللغويّة» نشأت من انحيازات متعلّقة بطرق نشر الأبحاث العلمية؛ والتي تثير بسببها النتائج التي تبيّن وجود هذه الأفضلية اهتمام الباحثين، ويكون احتمال نشرها أكبر.

وفقاً لدياز؛ فالانحياز قد ينبع جزئياً من التركيز المعتاد على سلبيّات الثنائية اللغوية؛ إذ تقول: «على الرغم من أن قلةً من الناس اليوم يقولون جملةً مثل «الثنائية اللغوية أمر سيء»، لكن هناك فكرة مترسّخة تنص على أنّه من المتوقّع أن يكون الأطفال ثنائيو اللغة متأخّرين ذهنياً»، لكن بالطّبع فالأدلة العلمية لا تدعم هذه الفكرة.

بدلاً من ذلك، تعتقد دياز -حسب قولها- أن عدم اتساق الأبحاث في هذا المجال قد تنتج عن «أن الأفراد ثنائيي اللغة مختلفون للغاية». كل لغة تختلف عن الأخرى، ونفس الأمر ينطبق على التراكيب المختلفة من اللغات؛ فالشخص ثنائي اللغة الذي يعيش في بيئة تُرحّب بتعدد الثقافات، سيمتلك أفقاً مختلفاً للغاية عن شخص يعيش في مجتمع يهمّش الأفراد، وحتّى الأخ أو الأخت الأصغر سناً؛ المنتمون لعائلة متعددة اللغات، قد يختبرون اللغة بطريقة مختلفة عن الطفل البِكْر أو الطفل الوحيد.

تقول دياز أن الدراسة الجديدة تعالج تعقيد التفاصيل السابقة بدرجة ما. بدلاً من مقارنة الأفراد ثنائيي اللغة بهؤلاء أحاديي اللغة؛ فحص الباحثون الاختلافات الموجودة في جانب واحد من الثنائية اللغوية، وتُبين النتائج أن أدمغة الأفراد الذين يتعلمون لغتين في وقتٍ مبكّر من العمر قد تكون أكثر قدرةً على التكيّف بشكلٍ جيّد مع التغيّرات الحسيّة.

يسعى الباحثون الذين ألفوا الدراسة تالياً إلى اكتشاف ما الجوانب من تجربة الأطفال ثنائيي اللغة هي التي تتسبب في الآثار المعرفية. يهتم الباحثون في أخذ عدد اللغات المَحْكية في عين الاعتبار، وما هي العوامل البيئية التي يمكن أن تؤثّر على نمو الأفراد صغار السن، وحتى على قدرتهم الدماغية.