Image

الفيروس لا يسبب الضرر بقدر ما تقوم بذلك استجابة الجسم المناعية له.

Bread assortment يا للمعاناة! حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

يعدّ هذا الموسم من الإنفلونزا مخيفاً جداً هذا العام. وفي محاولة لمكافحة الآثار والحد منها، لا يزال مسؤولو الصحة العامة يحثون كافة الأشخاص الذين لم يحصلوا بعد على لقاح الإنفلونزا بأن يحصلوا عليه في أقرب وقت ممكن. ومع ذلك، حتى لو حصل جميع الأشخاص على اللقاح في أذرعهم، فإن اللقاح – والذي تبلغ نسبة فعاليته بأفضل أحوالها 36 في المئة – لن يقي الجميع من الاصابة بهذا الفيروس السيء.

وعلى عكس معظم حالات الزكام الشائعة، يمكن لسلالات فيروس الإنفلونزا أن تسبب حدوث أعراض في جميع أنحاء الجسم. وعندما تحدث هذه الأعراض، فيمكنها أن تكون مقلقة جداً. وبما القوة تكمن في المعرفة، فسوف نستعرض هنا ما يحدث في جسمك عند الإصابة بالإنفلونزا.

يهاجم فيروس الإنفلونزا الجهاز التنفسي في المقام الأول، أي الأنف والحلق والمجاري الهوائية التي تؤدي إلى رئتيك. ولذلك من المنطقي ظهور بعض الأعراض مثل سيلان الأنف والسعال البلغمي والتهاب الحلق. ولكن الإنفلونزا أكبر من ذلك بكثير. فعلى الرغم من أن الأعضاء الأخرى في الجسم ليست الهدف الأساسي، فإن الفيروس يؤثر عليها أيضاً. إذ تحدث آلام في العضلات وفي الرأس وتنخفض شهيتك بالإضافة إلى أمور أخرى. ومن المفارقات أن كل هذه الأعراض تقريباً تكون متعلقة بالفيروس نفسه بشكل أقل من الاستجابة المناعية للجسم تجاهه. ولسوء الحظ، فإن آليات الدفاع القوية الموجودة لديك للتخلص من الإنفلونزا هي السبب الذي يجعلك تشعر بالمرض الشديد بينما تتعافى.

يدخل الفيروس عادة من خلال فمك عن طريق يديك، إذ يقوم معظم الناس بلمس وجوههم طوال اليوم. ولكن الأمر يستغرق بضعة أيام حتى تظهر الأعراض. وبمجرد أن يدخل الفيروس، فإنه يصبح على تماس مباشر مع الجهاز التنفسي ويرتبط بالخلايا التي تبطّن تلك المنطقة. ثم يستغل الفيروس آليات التكاثر الطبيعية لهذه الخلايا ويستخدمها لإنتاج المزيد من فيروسات الإنفلونزا في الجسم. وفي حين أن هذه العملية قد تسبب بعض الضرر للجهاز التنفسي، إلا أنها لا تسبب حدوث أي شيء خطير، ولا تسبب أياً من الأعراض التي عادةً ما تترافق مع حالة سيئة أو حتى خفيفة من الإنفلونزا.

وتبدأ الأحداث الحقيقية عندما يبدأ جهاز المناعة بالمواجهة. ويبدأ ذلك بمجرد أن يقوم فيروس الإنفلونزا بالتكاثر. إذ أن جهاز المناعة مكون من جزأين: الجهاز الفطري والتكيفي. ويعدّ جهاز المناعة الفطري بالأساس أداة متعددة الأغراض. فبمجرد أن يستشعر جسمك وجود أي إصابة أو اجتياح، يبدأ الجهاز المناعي الفطري بالعمل عن طريق إنتاج بروتينات صغيرة تسمى السيتوكينات والكيموكينات. تتكاثر السيتوكينات على الفور تقريباً وتبدأ بمهاجمة الفيروس. هذه الزيادة في الخلايا المناعية تؤدي إلى حدوث التهاب شديد في جميع أنحاء الجسم والذي يجعلك تبدأ بالإحساس بشكل غريب. ولكن الأسوأ لم يأت بعد.

وفي الوقت نفسه، تعمل الكيموكينات مع جهاز المناعة التكيفي للمساعدة في إنتاج الخلايا التائية. وتعدّ هذه الخلايا نوعاً خاصاً من خلايا الدم البيضاء والتي تعمل بطريقة أكثر تحديداً. فهي تجد فيروس الإنفلونزا، وتتعرف على ما هو مميز فيه، وتنتج جزيئاً فريداً على سطحها والذي يقوم بالعثور على العوامل الجائحة المماثلة وتدميرها.

ويكون فيروس الإنفلونزا قد بدأ بالفعل تكاثره السريع في الوقت الذي تبدأ فيه هذه العملية، ولذلك يجب على الجهاز المناعي التكيفي أن ينتج الكثير من الخلايا التائية للمكافحة بشكل صحيح. ويقوم هذا الإنتاج الهائل للخلايا التائية التي تتسلل إلى الرئتين والحلق والأنف بإحداث الالتهاب والتورم والألم. ففي الرئتين، يسبب المخاط الذي يتراكم من الالتهاب نفسه السعال المستمر أثناء عمل جسمك لتطهير المجاري الهوائية. ولأن الرئتين قد أصيبتا الآن بالضرر والضعف، يتزايد احتمال الإصابة بالالتهاب الرئوي من إحدى سلالات البكتيريا الانتهازية.

ولكن ماذا عن آلام الجسم كله وأوجاعه، ناهيك عن الحمى التي تبقيك ماكثاً في السرير تحت عدد كبير من البطانيات؟ هذاً يعود أيضاً إلى عمل جهاز المناعة. إذ تنتقل كل تلك البروتينات – السيتوكينات والكيموكينات – عبر مجرى الدم، والذي يعتبر طريقها للوصول إلى كل الأعضاء والأجهزة في الجسم. وبمجرد الوصول إلى هناك، تؤثر البروتينات الالتهابية على الطريقة التي تعمل بها العديد من الأجهزة، مما يتسبب بظهور أعراض الإنفلونزا. فعلى سبيل المثال، يعتقد الباحثون بأن الأوجاع والآلام التي تجعلك تشعر وكأنك قمت لتوّك بالركض لمسافة طويلة تحدث لأن السيتوكينات تحفز تفكك البروتينات العضلية. ويعتقد الباحثون بأن هذا التفكك هو مفيد على الأرجح، لأن العديد من الأحماض الأمينية الناتجة تساعد على إنشاء أجزاء من الجهاز المناعي وتعزيزها.

أما بالنسبة للقشعريرة والحمى السيئة، فيعود السبب إلى تلك السيتوكينات مرة أخرى. وقد يكون النوع الخاص إنترلوكين -1 هو المسبب الرئيسي. فهذه السيتوكينات هي على ما يبدو قادرة على عبور الشبكة نصف النفوذة من الشعيرات الدموية والتي تربط الدماغ بسائر الجسم (المعروفة باسم الحاجز الدموي الدماغي). إذ تصل السيتوكينات إلى داخل الدماغ إلى منطقة الوطاء – المسؤول عن تنظيم الحرارة في الجسم – وتتداخل مع عمله لرفع درجة الحرارة. وبمجرد أن ترتفع درجة الحرارة، يستجيب الوطاء من خلال جعل الجسم يرتجف مع حدوث تضيق في الأوعية الدموية، فضلاً عن خلق إحساس عام بالبرودة.

وتعدّ الحمى نادرة جداً في الحدوث عند البالغين الذين يعانون من الزكام، ولكنها مؤكدة تقريباً عند الشخص المصاب بالإنفلونزا. إلا أن هذا الأمر غير صحيح بالنسبة للأطفال الصغار وخاصة الرضع، إذ غالباً ما يترافق الزكام لديهم بحمى خفيفة على الأقل. ولا يزال الباحثون غير متأكدين بشكل واضح حول ما إذا كان هناك أي فائدة لارتفاع درجة حرارة الجسم، ولكنها على الأقل علامة على أن الجسم يكافح العوامل الجائحة.

ويعتقد الباحثون بأن هذا الإفراز الجهازي للسيتوكينات في مجرى الدم يؤثر بشكل مباشر على أعراض الإنفلونزا الأخرى مثل الصداع الشديد وانعدام الشهية، على الرغم من أن آليات حدوثها ليست بذلك الوضوح.

من الغريب أن نفكر بأن كافة الأعراض الفظيعة التي نشعر بها أثناء الإصابة بالإنفلونزا هي نتيجة محاولة الجسم مهاجمتها، ولكن فكّر فيما يمكن أن يحدث إذا لم يقم جسمك بالاستجابة بهذه الطريقة. عندها لن تصاب بالسعال المزعج أو الآلام أو الأوجاع أو حتى الحمى المستمرة، ولكن فيروس الإنفلونزا سيستمر في التكاثر وتدمير بطانة الجهاز التنفسي ببطء، أو حدوث ما هو أسوأ من ذلك، أي السماح للبكتيريا بإحداث الالتهاب الرئوي وتدميره أولاً. وبما أنك بحاجة إلى الجهاز التنفسي للعيش، فقد لا تتمكن من البقاء على قيد الحياة. ولذلك، إذا انتهى بك الأمر وأنت تعاني من الإنفلونزا وتشعر بقدوم تلك الآلام والأوجاع، فاعلم بأنها هي السبيل الوحيد للتحسن. وانتبه بحذر للشفاء الهادئ الذي يليه تدهور مفاجئ، فهو علامة شائعة على الالتهاب الرئوي، والذي يعدّ مسؤولاً عن معظم وفيات الإنفلونزا.

error: Content is protected !!