Reading Time: 3 minutes

يبدو أن البشرية تسير بخطى متسارعة نحو عصر «السايبورغ»، فهو لن يعود في القريب خيالاً علمياً. في الحقيقة، كان مجال ربط الدماغ البشري بالكمبيوترات «BMI»، الذي يعتمد على زراعة أقطابٍ كهربائية في الدماغ لتقوم بتوصيل الأوامر العصبية، وترجمتها إلى أوامر إلكترونية تتحكم في الأنظمة الخارجية مثل الكمبيوترات أو الأذرع الآلية، كان موجوداً بالفعل في السابق، لكن في وقتنا الحالي، ستقوم شركة إيلون ماسك «Neuralink» باختبار أنظمتها الجديدة على المرضى من البشر بحلول نهاية عام 2020.

قد تصبح أنظمة التحكم العصبي الحديثة هذه على المدى الطويل أحدث وسيلةٍ لمراقبة وعلاج الاضطرابات العصبية، ومساعدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عصبية، والتحكم في الأطراف الصناعية. بمكن لهذه الأنظمة مستقبلاً أن تستفيد من الذكاء الصناعي، وتمكننا حتى من إجراء الإتصالات من دماغٍ شخص لآخر. لكن التحدي الرئيسي لهذه الأنظمة في الوقت الحاضر، يتمثل في تطويرها لتتجنب إتلاف أنسجة المخ والخلايا أثناء زراعتها وعملها.

كانت مثل تلك الأنظمة موجودة منذ عقدٍ من الزمن. على سبيل المثال، كانت تساعد الأشخاص الذين فقدوا القدرة على التحكم عصبياً في أطرافهم. لكن الأقطاب التقليدية، التي تُصنع من السيليكون غالباً، كانت نوعاً ما أقسى من النسيج الدماغي، وأقل مرونة منه، الأمر الذي يؤدي لقراءاتٍ عصبية غير مستقرة وتلف أنسجة الدماغ المحيطة بها.

ويمكن لها أيضاً أن تتسبب في حدوث ردّ فعلٍ مناعي للجسم، يتمثل برفض الأقطاب المزروعة، لأن نظام المناعة العصبي البشري يعمل على حماية الخلايا العصبية من الأخطار والأجسام الغريبة، مثل العوامل الممرضة أو أنظمة «BMI».

أجهزة مرنة

يركز الباحثون جهودهم حالياً على تطوير ما يدعونه «نظام BMI المرن»، لتجنّب إلحاق الأذى بالخلايا الدماغية، وردّ الفعل المناعي للجهاز العصبي. يتضمن هذا النظام أقطاباً أدق بكثير من الأقطاب التقليدية، وتشبه بنية خلايا الدماغ فعلياً.

رقائق إلكترونية, دماغ, تقنية

رقاقة مكونة من عشرات الآلاف من الأقطاب الكهربائية المرنة، كل منها أدق من الشعرة — حقوق الصورة: ستيف جيرفستون/ فليكر

قامت شركة «Neuralink» بصنع أقطابٍ مرنةٍ على شكل خيوطٍ دقيقة (أسلاك) -التصميم أكثر مرونةً من الأنظمة السابقة- لتوصيل الدماغ البشري بجهاز الكمبيوتر مباشرةً. كما يقلل التصميم الجديد فرص حدوث ردّ فعلٍ مناعي، يرفض الأقطاب الكهربائية عند زراعتها أثناء العمل الجراحي.

وقد صمم باحثون من مجموعة «ليبر» للأبحاث في جامعة هارفارد مؤخراً أقطاباً كهربائيةً دقيقيةً، تشبه بنيتها بنية الأعصاب الحقيقية إلى حدٍّ كبير لخداع النظام المناعي، وعدم اعتبارها أجساماً غريبةً عن الجسم. تتكون هذه الأقطاب الإلكترونية – الحيوية من البلاتين وأسلاك ذهبية رفيعة، مغلّفة ببوليمير له مرونة وحجم مشابه لجسم الخلايا والألياف العصبية.

أظهرت التجارب على القوارض أن زراعة مثل هذه الأقطاب الشبيهة بالخلايا العصبية، لا تثير أية استجابة مناعية عند إدخالها في الدماغ، وهي قادرة على مراقبة نشاط وهجرة الخلايا العصبية (الطريقة التي تنتقل بها الخلايا العصبية).

التنقل داخل الخلايا العصبية

يرتكز عمل معظم أنظمة «BMI» حالياً على التقاط إشارات الدماغ الكهربائية المتسربة من الخلايا العصبية. يمكنك تخيّل الأمر كما لو أنك تلتقط صوتاً يصدر من داخل غرفة، بينما أنت خارج الغرفة عملياً. ستكون الإشارة عندها ضعيفة بسبب جدران الغرفة، والأمر ينطبق تماماً على الخلايا العصبية. لسوء الحظ، تقل شدة الإشارة كثيراً بسبب تأثير أغشية الخلايا العصبية.

لذلك، ولتسجيل أدق الإشارات العصبية الوظيفية، ينبغي أن تتمكن أجهزة التسجيل الإلكترونية من الوصول إلى داخل الخلايا العصبية. على سبيل المثل، لخلق تحكم كامل بالأطراف الصناعية، فإن الطريقة التقليدية المستخدمة حالياً لتسجيل الإشارات من داخل الخلايا العصبية؛ هي «قطب مشبك التصحيح». وهو عبارةٌ عن أنبوبٍ زجاجي مجوّف مملوء بمحلولٍ إلكتروليتي، وقطب لالتقاط الإشارة الكهربائية، بحيث يلامس غشاء الخلية العصبية المعزولة، إلا أن عرض رأسه الذي يبلغ واحد ميكرومتر قد يتسبب بضررٍ دائم للخلايا. والأهم من ذلك أنه لا يستطيع تسجيل الإشارات إلا من عددٍ قليل فقط من الخلايا في نفس الوقت.

ولمعالجة هذه المشكلات، قمنا مؤخراً بتطوير مصفوفة ترانزستورات متناهية الصغر ثلاثية الأبعاد بأبعاد 50*15*15 نانومتر تقريباً، مثل رأس دبوس الشعر، واستخدمناها لقراءة الأنشطة الكهربائية داخل الخلايا من خلايا عصبية متعددة. المهم في الأمر، أننا كنا قادرين على القيام بذلك دون إحداث أي ضرر خلوي محدد. الأسلاك النانوية التي قمنا بتصميمها رفيعة ومرنة للغاية، ويمكنها أن تتخذ شكلاً محدباّ مثل رأس دبوس الشعر. ولنقارب حجمها إلى الذهن، تخيل الخلية العصبية كغرفة، ستكون هذه الترانزستورات بحجم قفل باب الغرفة بالنسبة إلى الخلية العصبية.

يمكن لهذه المسابر متناهية الصغر والمرنة، والمغلّفة بمادةٍ تحاكي بنية الأغشية الخلوية أن تخترق أغشية الخلايا العصبية بأقل جهدٍ ممكن لا يُلحق الأذى بها. ويمكنها تسجيل الأوامر العصبية من داخلها بنفس المستوى من الدقة التي يسجلها «قطب مشبك التصحيح».

بات من الواضح أن هذه التطورات ما هي إلا خطوات مهمة في الطريق الصحيح نحو صناعة أنظمة الـ «BMI» آمنة وصغيرة، والتي ستكون ضروريةً إذا أردنا تحقيق مهام معقدة في المستقبل؛ مثل الاتصال بين دماغ شخص لآخر لمشاركة الأفكار بينهما.

قد يبدو الأمر مخيفاً بعض الشيء، ولكن في نهاية المطاف، إذا أراد أطباؤنا فهم أجسامنا بشكلٍ أفضل، ومساعدتنا في علاج الأمراض، فمن المهم أن نستمر في منحهم أفضل ما يمكن من أدواتٍ للقيام بعملهم. لتحقيق ذلك، فلا مفر من حدوث تداخلٍ طفيف بالحد الأدنى بين البشر والآلات.

تم نشر هذا المقال بواسطة «يون لونج تشاو» في موقع ذا كونفيرسيشن