Image

تقنية "ريبير" تعدّل الجينوم البشري بشكل مؤقت

Bread assortment تقنية جديدة تستهدف تحرير الحمض النووي الريبي من أجل إحداث تغيرات مؤقتة بالجينوم البشري
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

يستحوذ تغيير صفات الجسم البشري على اهتمام العلماء هذه الأيام، فقبل بضع سنوات ثارت ضجة حول تقنية “كريسبر” والتي يتم فيها قطع الحمض النووي في مواقع محددة للتخلص من الجينات التي تسبب الأمراض، ولقد ترتب عليها مجموعة من الآثار الكبيرة والمتنوعة. لكن هذا النهج هو أبعد ما يكون عن الكمال، وبالطبع لا نتمنى حدوث أي أخطاء نتيجة تعديل شيء دائم مثل الجينوم البشري.

لهذا السبب ظل الباحثون يعملون على طريقة لجعل تحرير الجينات أكثر أماناً، وقد نشرت إحدى تلك المحاولات في مجلة “ساينس” في أكتوبر 2017، والتي تستهدف تحرير العنصر الأقل ديمومة في تشكل الجين وهو الحمض النووي الريبي. ويعتقد العلماء أن هذه التقنية الجديدة يمكن أن تكون أكثر أماناً من تشريح وتقطيع الحمض النووي نفسه.

تذكير سريع بما تنطوي عليه تقنية “كريسبر” وتحرير الجينات

تقنية كريسبر هي اختصار لـِ (التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد)، وهذه التكرارات هي قطع صغيرة من الحمض النووي البكتيري، والتي تحتوي على معلومات وراثية مماثلة لتلك الموجودة في الفيروسات. وهي مع الأنزيمات التي تدعى “كاس”، جزء من العديد من أنظمة المناعة الميكروبية. وعندما تحاول الفيروسات غزو الخلايا، تتعرف البكتيريا عليها (من شرائح نسخ كريسبر) وتقوم مع أنزيمات كاس بتقطيعها، ومنعها من التكاثر مرة أخرى.

وقبل عدة أعوام، حدد العلماء من معهد برود التابع لمعهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد طريقة لتوظيف تقنية “كريسبر/كاس” في تحرير الجينوم البشري. ولكن هذه الطريقة لم تخلُ من العيوب. وقد اكتشفوا أن أنزيمات كاس تقوم غالباً بقطع أجزاء من الحمض النووي تشبه الهدف المقصود، وهو ما يسميه العلماء الآثار غير المرغوبة، أو يقوم النظام بإصلاح بعض أخطاء الحمض النووي وليس كلها، وهو ما يدعى الفسيفساء الجينية.

ولا يزال العلماء يعملون على التعامل مع هذه الآثار، ولكن إذا كان هناك شيء يهدف إلى إصلاح الحمض النووي الدائم، والذي يوفر تعليمات لكل خلية من خلايا الجسم، فإنه يحتاج إلى أن يكون آمناً.

ما هو الحمض النووي الريبي، وكيف يختلف تحريره؟

بينما يرمّز الحمض النووي المعلومات المتعلقة بهويتنا: نوع الشعر، ولون العينين، والطول، فإن الحمض النووي الريبي هو بالأساس ناقل للحمض النووي. ويتحكم الحمض النووي بهذه الصفات من خلال تحديد أي بروتين ستنتجه الخلايا، بالإضافة إلى تحديد زمان ومكان حدوث ذلك.

لكن جزيئات الحمض النووي الريبي التكميلية هي التي تحمل هذه التعليمات فعلياً. وتنتج أجسامنا حمضاً نووياً ريبياً جديداً بشكل مستمر، لذلك، إذا كانت هناك أي آثار غير مرغوبة، فلا تتوقع أن تكون دائمة.

وفي الدراسة التي نوهنا عنها، استخدم الباحثون تقنية “كريسبر” لتحرير الحمض الريبي النووي. وتتضمن العملية التي أطلق عليها رئيس الباحثين فينج زهانج وزملاؤه اسم تقنية “ريبير” REPAIR استخدام إنزيم وبروتين محدد آخر. يبحث الإنزيم Cas13 عن منطقة الحمض النووي الريبي المستهدف ويتثبت بها، أما البروتين ADAR2، فيصحح التسلسل البروتيني الخاطئ. وبخلاف تقنية كريسبر، فإن هذه التقنية لا تقطع أي شيء، وبدلاً من ذلك، فإن إنزيم Cas13 يقوم بصنع مساحة أكبر عندما يلزم الأمر، بينما يصلح بروتين ADAR2 المنطقة. وهو يفعل ذلك عن طريق تحويل أحرف الحمض النووي الريبي الفردية، أي تحويل أدينوسين إلى جوانوسين.

والأمراض التي تسببها هذه التغييرات شائعة، فمرض باركينسون، وأحد أنواع الصرع، والحثل العضلي الدوشيني، كلها تنتج عن طفرات أدينوسين/جوانوسين، ومن الناحية النظرية، تملك تقنية “ريبير” القدرة على إصلاح هذه الحالات.

وعندما اختبر الباحثون تقنيتهم ​​على الخلايا البشرية في المختبر، قامت تقنية “ريبير” بتصحيح التسلسلات التي تؤدي عادة إلى أنيميا فانكوني، وهي مرض وراثي يصيب نخاع العظام. وفي حين أن الحمض النووي نفسه كان لا يزال يحمل التعليمات التي من شأنها أن تؤدي إلى سمات خاطئة، كانت تقنية “ريبير” قادرة على جعل الحمض النووي الريبي مرمّزاً بشكل صحيح بكميات كبيرة، لعلاج فعال للمرض. وبطبيعة الحال، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحوث.

ومع ذلك، فهناك بعض الجوانب السلبية لتحرير الحمض النووي الريبي. ولأن الجسم يقوم بتشكيل وإعادة تشكيل الحمضي النووي الريبي باستمرار، فإن أي أخطاء في التسلسل المصحح سوف تتلاشى. وهذا هو الخبر السار. ولكن هذا يعني أيضاً أن أي علاجات كانت تعمل من خلال تحرير الحمض النووي الرسول يجب أن تكون مستمرة، لأنه في النهاية حتى الحمض النووي الريبي المصحح بشكل سليم سيتغير. ومن الناحية النظرية، فإن هذا سيكون منطقياً في بعض الظروف، وليس في كلها. والهدف التالي للباحثين هو استخدام التقنية على خلايا نسيج معين، تليها نماذج حيوانية. ومن المرجح أن يستغرق الأمر عدة سنوات قبل إجراء أي تجارب سريرية على الإنسان.

وبالرغم من قدرة تقنية “كريسبر” على علاج الأمراض، فإنها تحمل بعض العيوب الخطيرة المحتملة، وتظهر هذه الدراسة وجود خيارات قابلة للتطبيق لجعل التحرير الجيني أكثر أماناً، وبالتأكيد فإن تقنية “ريبير” لن تكون الأخيرة من نوعها.

error: Content is protected !!