Reading Time: 3 minutes

خلال البحث عن الحياة في الكواكب البعيدة، يستغل الفلكيون وجود جسم كبير قريب منا، وهو القمر.

خلال الخسوف الكلي للقمر الذي حدث السنة الماضية، وجّه الفلكيون تلسكوب هابل نحو القمر، ما جعله بمثابة مرآة كبيرة له. هذه هي أول مرة يلتقط فيها تلسكوب فضائي صوراً لخسوف قمري، وقد يساعدنا هذا الإنجاز في تتبع أثر الحياة في أماكن أخرى من الكون.

بخلاف الكسوف الشمسي الكلي، والذي يمر القمر فيه بين الشمس والأرض، يحدث الخسوف الكلي عندما تمر الأرض بين الشمس والقمر. وبينما تحجب الأرض ضوء الشمس عن القمر، تستطيع شظايا من الضوء أن تتخطى غلاف الأرض الجوي، وتلقي بظلالها على سطح القمر.

فُصّلت ملاحظات تلسكوب هابل لهذا العرض الكوني -والتي كانت الأولى من نوعها- في دراسة نُشرت في 6 أغسطس/ آب في دورية «ذا أسترونوميكال جورنال». تقول «جيادا آرني»، من مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا، ومؤلفة مشاركة للورقة البحثية: «أردنا أن نعامل الأرض مثل كوكب خارجي، ونراقب جزءاً من طيفها لم يرصد من قبل بهذه الطريقة». يمكن تطبيق هذه التقنية على الكواكب الخارجية في المستقبل.

تمثل الأرض مثالاً نموذجياً -وحيداً- لوجود الحياة في الكون. أدرك الباحثون أن الضوء المنعكس عن القمر قد يشبه شيئاً ما يبحثون عنه حالياً، ألا وهو الضوء المار عبر الغلاف الجوي لكوكب ما بعيد أثناء دورانه حول نجمه. فكما تقول آرني، هذه العملية تشبه ما يحدث خلال خسوف قمري كلي. وبكلمات أخرى، كان الباحثون يحاولون توقع كيف يبدو كوكبنا بالنسبة إلى مراقب خارجي يرصده على بعد سنين ضوئية. بفضل تلسكوب هابل، تمكن العلماء من دراسة مكون كيميائي ضروري خلال الخسوف، وهو الأوزون.

لطالما رصدنا طبقة الأوزون من الأرض، مع القليل من الانحرافات الناتجة عن رصد أجزاء أخرى من الغلاف الجوي. لكن تلسكوب هابل من نقطة مراقبته الفريدة في الفضاء؛ كان قادراً على إلغاء هذه الانحرافات عن طريق مسح الأمواج الضوئية فوق البنفسجية المرتدة عن سطح القمر خلال الخسوف. يتألف كل جزيء من الأوزون من 3 ذرات من الأكسجين، ويتشكل عندما تسلط الشمس إشعاعها فوق البنفسجي على جزيئات الأكسجين، مما يعيد ترتيب الذرات في ثُلاثيات بدلاً من ثُنائيات. تمثل شبكة عملاقة من جزيئات الأوزون -التي تدعى طبقة الأوزون- درعاً واقياً من إشعاع الشمس فوق البنفسجي.

عادة ما يكون وجود الأوزون إشارة مباشرة على وجود الحياة، فعلى سبيل المثال، تفرز النباتات جزيئات الأكسجين على الأرض خلال عملية التركيب الضوئي، ويتحول جزء منها إلى أوزون في الغلاف الجوي. فكما تقول آرني، إذا رصدنا الأوزون في الغلاف الجوي لأحد الكواكب، فقد يشير هذا إلى أن عملية التركيب الضوئي تحدث في هذا الكوكب.

بقول «إدوارد شفيترمان»، أستاذ مساعد في علم الفلك البيولوجي في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، وغير المشارك في الدراسة الأخيرة: «تبين أرصاد تلسكوب هابل الجديدة أنه بمقدور المراصد الحساسة بما يكفي أن تلتقط آثار الأوزون في الطيف الضوئي لكوكب شبيه بالأرض. تمثل هذه الدراسة إسهاماً قيّماً لعلم الفلك، إذ أن نتائج رصد طيف الانتقال الأرضي التي سبقتها وقعت في المجال القريب من مجال الإشعاع تحت الأحمر، حيث تصعب ملاحظة امتصاص الأوزون للإشعاع فوق البنفسجي».

بالطبع، كنا نعلم من قبل أن الأوزون يحيط بالأرض. لكن الدراسة الجديدة تقدم أدق قياس لجزيئات هذا الغاز حتى اللحظة. تمكن تلسكوب هابل من رصد الجزء فوق البنفسجي من طيف ضوء الشمس، والذي يُمتص عادة من قبل غلافنا الجوي، ولا يمكن رصده باستخدام التلسكوبات الأرضية.

تقدم الأرصاد الحديثة أيضاً إثباتاً لطريقة موثوقة جديدة في رصد الكواكب الخارجية. فوفقاً لآرني، تمثل البيانات الجديدة الآن «حقائق أساسية»، أو مقاييس للأرصاد المستقبلية، إذ أن الباحثين يمتلكون عدداً من النماذج التي سيرغبون بمقارنتها بهذه البيانات.

تقول آرني: «يوماً ما، سنرصد بعض الكواكب الخارجية دون أن نعلم ما هي «الحقيقة الأساسية»، ولكن يمكننا استخدام دراسات مثل هذه لاختبار وزيادة دقة النماذج النظرية التي سنستخدمها في المستقبل».

هذا اليوم الذي تتكلم عنه آرني يقترب أكثر فأكثر بينما يقودنا الفلكيون إلى عصرٍ جديد من استكشاف الكواكب الخارجية. حتى تاريخ هذا اليوم، فَهرس الفلكيون أكثر من 4000 كوكب خارج مجموعتنا الشمسية. يمكن لجيل جديد من المراصد الفضائية -مثل صائد الكواكب تلسكوب «جيمس ويب» المقرر إطلاقه في أكتوبر/ تشرين الأول 2021-؛ استخدام هذه الطريقة لكشف أسرار عوالم أخرى شبيهة بالأرض.