Reading Time: 3 minutes

على مدار مئات السنين، استخدم البشر معدن الرصاص بكثافة، سواء لصنع الخمر، أو لصناعة العملات الفضية، أو لإنشاء قنوات المجاري، أو غيرها من الأنشطة. قبل 50 عاماً، كان الرصاص ما يزال يضاف إلى البنزين ويستعمل في طلاء المنازل، ثم سنت الحكومات قوانين صارمة لكبح استخدام هذا المعدن السام وتقليص أضراره.

لكن يختلف الأمر بالنسبة للمؤرخين، فاستخدام الرصاص على مدار السنين يفتح آفاقاً جديدةً للبحث، وتشير دراسة حديثة نشرت في دورية “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” إلى أن التلوث بالرصاص، الذي تم رصده في الطبقات الجليدية في القطب الشمالي، يمكن أن يكشف بالتفصيل عن الصعود والهبوط الاقتصاديين في أوروبا خلال العصور الوسطى.

يقول جو ماكونيل، عالم الهيدرولوجيا في معهد بحوث الصحراء، والباحث الرئيسي الذي أشرف على هذه الدراسة، إن “تتبع تركيزات الرصاص أمر سهل لأن مستوياته الطبيعية في الجو منخفضة”. فبينما تطلق البراكين والغبار الصحراوي الرصاص في الجو على نحوٍ طبيعي، تبقى الأنشطة البشرية مصدر الجزء الأكبر منه.

في العصور القديمة والوسطى، كان المصدر الرئيسي للرصاص هو إذابة الغالينا -أهم مصدر لخام الرصاص والفضة- لصنع العملات الفضية، وبهذا الشأن يقول ماكونيل: “عند محاولة استخراج الفضة، كان يتم أيضاً استخراج الرصاص بمعدل يصل إلى 100 ألف مرة ضعف كمية الفضة المستخرجة”. عند غلي الخام بقصد فصل المعدنين، تُطلق فقاعات الرصاص في الجو أولاً، لكن منذ بداية الثورة الصناعية وحتى سبعينيات القرن الماضي، كان المصدر الرئيسي للرصاص في الجو حرق الوقود الأحفوري (الفحم والنفط). قرناً بعد قرن، نقلت الرياح الرصاص إلى القطب الشمالي، حيث استقر تدريجياً في طبقات الجليد.

عند استخراج عينة من قلب طبقات الجليد في القطب الشمالي، فمن الممكن تحديد شجرة العناصر الكيميائية التي استقرت به وتاريخ وصولها إليه. بعبارةٍ أخرى، يمكن الكشف عن ماضي التلوث بالرصاص وتحديد مسبباته، وهو ما كان ماكونيل يفعله لسنوات، وذلك من خلال تحليل آثار التلوث بالرصاص إبان الثورة الصناعية. 

رأى المؤرخون أن استخدام التحليل نفسه قد يفتح الباب أمامهم لتحديد طبيعة الاقتصاد خلال العصور القديمة، خاصةً أن التلوث بالرصاص قبل عام 1850 كان مصدره غالباً صنع العملات الفضية. لذا رأي علماء القرون الوسطى أن قياس الرصاص يمكن أن يصبح بمثابة المقياس الكمي لطبيعة الاقتصاد في الماضي، فبدلاً من دراسة أسعار الحبوب أو بحث تاريخ الأشجار التي استخدمت في البناء خلال العصور الوسطى، يقول ماكونيل إن: “الرصاص يتيح إمكانية التأريخ بموضوعيةٍ وبصورةٍ أكثر اكتمالاً”.

لإنشاء هذا السجل، استخدم ماكونيل وفريقه 13 عينة جليدية من غرينلاند والقطب الشمالي،  وركزوا في تحليلهم على الطبقات التي تؤرخ للفترة بين 500 ميلادية و2010، والفترات التي توافق العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث. قاس العلماء تركيزات الرصاص خلال كل فترة على حدة، ثم استخدموا نموذج انتشار جوي -محاكاة حاسوبية لكيفية انتشار الملوثات في الجو- من أجل تحديد مصادر هذا التلوث بصورةٍ تقريبية.

زاد التلوث بالرصاص في القطب الشمالي بين 250 و300 مرة منذ بدايات العصور الوسطى وصولاً إلى سبعينيات القرن العشرين. منذ عام 1850، قفزت وتيرة مستويات الرصاص المطروح في الجو نتيجة الاستعمال المتزايد للفحم خلال تلك الفترة. إلا أن التلوث بالرصاص كان يحصل قبل ذلك التاريخ، ويقول ماكونيل بهذا الصدد: “كنت أسمع دائماً أن العصور الوسطى لم تشهد أي ازدهار اقتصادي مهم، لكن تبين هذه الدراسة أن تلك الفترة عرفت نمواً اقتصادياً نشيطاً، خاصة في الفترة الممتدة بين 500 ميلادية و1300 ميلادية”.

في المتوسط، زادت وتيرة التلوث بالرصاص خلال الفترات التي درسها العلماء، لكن هناك تذبذبات في كمية هذا التلوث، بين ارتفاع وانخفاض، من عامٍ إلى آخر ومن عقدٍ إلى عقد. وقد واكب ارتفاع التلوث بالرصاص الأحداث التاريخية المشهورة، مثل اكتشاف مناجم جديدة، وظهور التقنيات الحديثة، وانخفض تركيزه في الفترات التي عرفت المجاعة والحروب والطاعون واضطرابات المناخ. فمثلا خلال العصر الجليدي الصغير، الذي بدأ تقريبا في عام 1300، ورافقه انخفاض في درجات الحرارة، وضياع المحاصيل الزراعية، انخفض معدل التلوث بالرصاص. كذلك، انخفضت انبعاثات الرصاص عندما اجتاح وباء الطاعون أوروبا مسبباً موت ثلث سكان القارة.

صرح لاورين أرمسترونغ، المؤرخ الاقتصادي في العصور الوسطى بجامعة تورنتو، بأن:”الدراسة تؤكد ما كنا نعلمه، أو بالأحرى ما كنا نشك فيه، حول إنتاج الفضة في العصور الوسطى، وأوائل العصر الحديث. الإضافة التي أتت بها هي زيادة دقة السجل التاريخي”. مع ذلك، فقد أشار إلى أنه فوجئ بالزيادة الشديدة في التلوث بالرصاص بين عامي 625 و1000، وأضاف: “إذا صحت نتائج هذه الدراسة، فهذا يعني أن العملات أو السبائك الفضية لعبت دوراً بالغ الأهمية في اقتصاد العصور الوسطى المبكرة، عكس ما كان يتصوره معظم المؤرخين الاقتصاديين”.

يأمل ماكونيل أن يساعد عمله في الكشف عن مزيد من المعلومات التاريخية المماثلة، ويقول: “إن الفكرة من وراء هذه الدراسة هي تقديم مؤشر يتتبع الإنتاج الصناعي عبر العصور، ويتيح للمؤرخين الاشتغال بحماس على معطياتٍ لم تكن معروفة من قبل”.