Reading Time: 4 minutes

مرّت خمسون عاماً منذ أن احتفلنا أول مرة بيوم الأرض، ومنذ ذلك الحين، أُقرّت تشريعات كثيرة لصالح الأرض، بالتالي لصحتنا. كان من أهمها قانون الهواء النظيف الذي أُقر عام 1970 الذي عمل على تطوير معايير جودة الهواء، وخفض نسبة تلوّث الهواء باستمرار على مدى العقود التي تلته.

ورغم ذلك، ما تزال العديد من المناطق تعاني من تلوث الهواء، وقد يكون تلوث الهواء يزداد ببطءٍ تدريجياً. وفي الوقت الراهن؛ يبدو أن تلوث الهواء يعرّض الناس إلى أخطار أكبر من مخاطر الإصابة بفيروس كورونا، وربّما الموت، فقد ربطت 3 دراسات حديثة بين التعرّض لمستوياتٍ عالية من الهواء الملوّث، وزيادة خطر الوفاة من الفيروس. يقول «جون بالميس»، المتحدث باسم جمعية الرئة الأميركية وأستاذ الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: «يبدو أن الهواء الملوّث يزيد من خطر الإصابة بعدوى فيروس كورونا، ويجعل الأعراض أكثر خطورة».

حسب التقديرات؛ يتسبب تلوث الهواء بوفاة نحو 5.5 مليون شخص سنوياً، بالإضافة للعديد من الأمراض التنفسية وأمراض القلب والأوعية الدموية؛ والتي تزيد بدورها من خطر الإصابة بفيروس كورونا. يقول بالميس موضحاً: «يقلل الهواء الملوث من فعالية دفاعاتنا ضد العدوى الفيروسية، مما يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالمرض الناجم عنها، وبالتالي تصبح رئتينا أكثر عرضة للإصابة بالمضاعفات التي تهدد الحياة».

أعلن باحثون في جامعة هارفارد عن نتائج أول دراسة على المستوى الوطني، والتي تحقق في العلاقة بين تلوث الهواء وخطر الوفاة بفيروس كورونا. استخدم الفريق بيانات على مستوى المقاطعات تغطي 98% من سكان الولايات المتحدة؛ من أجل الكشف عن العلاقة بين التعرّض لجسيمات الهواء الدقيقة الناجمة عن المركبات العاملة بالديزل والغاز؛ وخطورة الوفاة بسبب فيروس كورونا. قام الفريق بتعديل التحليل الإحصائي مراعاة لاختلاف بعض العوامل مثل؛ حجم السكان وعدد الأشخاص الذين أجروا اختبار الكشف عن الفيروس، وانتشار السمنة والتدخين. خلص الباحثون إلى أن الزيادة في متوسط تركيز الجسيمات الهوائية حتى واحد ميكروجرام/ متر مكعّب من الهواء على المدى الطويل؛ أدّت لارتفاع معدل الوفيّات بنسبة 15% لدى المصابين بفيروس كورونا.

يوضّح الباحثون بناءً على هذه العلاقة أنّه -وعلى سبيل المثال- لو كان تركيز الجسيمات الهوائية أقل قليلاً في مانهاتن (أقل قليلاً من ميكروجرام/ متر مكعب) لكان عدد الوفيّات أقل بنحو 248 وفاة بحلول 4 أبريل/ نيسان من هذا العام. يقول «آرون بيرنشتاين»، مدير مركز المناخ والصحة والبيئة العالمية في جامعة هارفارد، وغير المشارك في الدراسة: «هذه العلاقة ليست مفاجئة بالنظر إلى وفرة الأدلة العلمية التي تثبت التأثير الضار للجسيمات الدقيقة».

وفي دراسة حديثة أخرى، استخدم «يارون أوجن» -عالم الجيولوجيا في جامعة «مارتن لوثر هالي» في ويتنبيرج في ألمانيا- بيانات ملوّث ثاني أكسيد النيتروجين المُستخلصة من بيانات الأقمار الصناعية، والتي يمكن أن تُسهم في تشكّل غاز الأوزون، بالإضافة إلى إحصائيات الوفيّات الناجمة عن فيروس كورونا في كلٍ من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا لدراسة هذه العلاقة. وجد أوجين أنّ المناطق التي ضمّت النسبة الأكبر من الوفيات (نحو 78%)؛ تركزت في 5 مناطق، أربعة منها في شمال إيطاليا، وواحدة في محيط العاصمة مدريد في إسبانيا. يوضح أوجين أن الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق عملت على تركيز الملوثات في الهواء، حيث تتميّز هذه المناطق بالانبعاثات الكثيفة، بالإضافة لكون طبيعتها الجغرافية أقرب إلى الوديان، مما ساهم في تجمّع الملوثات فيها بنسبٍ أعلى.

التغير المناخي, حلول, الاحتباس الحراري, تلوث

وفي بحثٍ جديد آخر حول أثر التلوث البيئي، يصف الباحثون كيف أن استجابة الجسم للفيروس تشبه بشكلٍ غريب استجابة الجسم لتلوّث الهواء. تركز الورقة البحثية على منطقتين في شمال إيطاليا -لومباردي وإميليا رومانجا، اللتان تقبعان في وادٍ يميل إلى مراكمة ملوّثات الهواء-. ونظراً لأن هاتين المنطقتين صناعيتين، وتنتجان كميات كبيرة من الانبعاثات؛ يضعها ذلك في قائمة المناطق الأعلى تلوثاً في إيطاليا ومن بين أعلى المناطق نسبة في التلوّث على مستوى أوروبا. كما أنّ هذه المناطق لديها نسبة عالية استثنائية من الوفيات بفيروس كورونا تصل حتى 12% من المصابين مقارنة بمعدّل الوفيات العالمي الذي يبلغ  6.4%.

من المعروف أن التلوّث طويل الأمد يضعف المجاري التنفسية العليا في الجسم، مما يجعلنا أكثر عرضة للأمراض التنفسية المزمنة. ولكن بالإضافة إلى ذلك، تقترح الورقة البحثية السابقة آلية أكثر تحديداً يُسهم فيها التلوّث بتفاقم معدّل الوفيات في المناطق الملوّثة. يوضّح «داريو كارو»، عالم البيئة في جامعة آرهوس ومؤلف الدراسة، أن كلاً من تلوث الهواء وفيروس كورونا يتسببان في زيادة الالتهابات المرتبطة بالسيتوكين (وهي في الأساس رد فعل مناعي مبالغ فيه عند دفاع الجسم عن نفسه ضد السموم والفيروسات). يقول كارو: «تأتي أهمية الورقة من الارتباط الذي وجدناه بين تأثير التلوث في جهاز المناعة، وبين تأثير الفيروس. ونظراً لأن التهاب السيتوكينين هو المرحلة الأولى من الأعراض الشديدة لفيروس كورونا، والممهدة للموت؛ يمكننا القول أن هذه المرحلة قد حدثت بالفعل للأشخاص الذين يعيشون في مناطق ملوثة. ينطبق ذلك على الشباب والأصحاء أيضاً». ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أنّ كلا الدراستين السابقتين المذكورتين هنا تستند إلى الارتباطات، وبالتالي قد لا تفسر العوامل الأخرى التي تؤثر على معدّل وفيات فيروس كورونا في المناطق العالية التلوّث.

وكما يوضح مقال نُشر في دورية «ساينس» آلية الدور التحفيزي للسيتوكينات لجهاز المناعة، أنه إذا لم يقاوم الجسم المرحلة الأولية من عدوى فيروس كورونا، فإنه ينتقل أعمق في الرئتين، حيث تفرز خلايا الدم البيضاء في الرئتين السيتوكينات، وهي بروتينات تحمل إشاراتٍ مناعية لمحاربة الفيروس. يؤدي إلى تراكم السوائل في الرئتين، وظهور أعراض تشبه أعراض الالتهاب الرئوي. في بعض الأحيان تنتج استجابة الجسم كمياتٍ هائلة من السيتوكينات التي توجه الخلايا المناعية إلى تدمير الأنسجة السليمة، ويحدث ما يسمى بـ «عاصفة السيتوكين» التي تؤدي بدورها إلى سلسلةٍ من الآثار على الجسم تنتهي بالموت.

بكلامٍ آخر، يمكن أن يصيب كل من الفيروس وتلوث الهواء الرئتين بنفس الطريقة. فإذا كانت رئتنا قد تضررت بالفعل من تنفّس الملوّثات الهوائية لسنوات، فإن المرحلة الأولى من أذية الجهاز التنفسي قد تمّت بالفعل. يقول بالميس: «إذا كان لديك الأساس أو كنت مهيئاً لحدوث استجابة السيتوكين بسبب تلوّث الهواء، ثم أصبت بفيروس يُحدث استجابة مناعية سريعة جداً من السيتوكين؛ يصبح مفهوماً دور الهواء الملوّث في زيادة خطورة تطور أعراض المرض».

ويضيف بالميس، الذي لم يشارك في البحث: «بالرغم من أن العديد من هذه الدراسات المبكرة حول علاقة تلوّث الهواء بمرض كوفيد-19 لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، بما فيها دراسة هارفارد، إلا أنها تتسق مع الأدبيات الموجودة حول تلوّث الهواء والمرض. ورغم من أن هذه المعلومات يمكن أن تساعدنا إلى حد ما على توجيه الموارد الصحيّة إلى مناطق محددة؛ إلا أن هذه الناطق باتت معروفة بالفعل؛ وهي المجتمعات التي تواجه مخاطر صحية بشكلٍ غير متناسب بسبب زيادة التعرض لتلوث الهواء؛ أي المقاطعات الحضرية التي لديها نسب عالية من الوفيّات بفيروس كورونا، والتي تتصف بتعدد الأعراق والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني، وهذه هي المجتمعات تحديداً هي الأكثر تعرضاً للمخاطر. في الواقع؛ يزيد الفقر من العوامل التي تجعل الناس في تلك المجتمعات أكثر عرضة لخطر فيروس كورونا».

من المفارقات في هذا الوقت، أنّ إدارة ترامب تواصل التراجع عن قوانين حماية البيئة من التلوث. ففي الآونة الأخيرة، حدثت بعض التغييرات بعيداً عن الأضواء في ظل تركيز الأميركيين على الجائحة الحالية. تشمل أحدث التحركات في هذا الشأن؛ خفض معايير كفاءة وقود السيارات، وإزالة القيود المفروضة على كمية الزئبق- وهو سم عصبي- التي يُسمح بها لمحطات الطاقة أن تُطلقها. يقول برنشتاين: «زادت العديد من التحركات التي قامت بها وكالة حماية البيئة من تدهور جودة الهواء لدينا حتّى خلال الجائحة الحالية، أعتقد أن الوقت غير مناسب لاتخاذ تدابير من شأنها أن تؤدي إلى تدهور جودة الهواء في الولايات المتحدة».