Image

يعتقد العلماء الآن بأنه قد يعرض أدمغة الشباب للخطر.

Bread assortment تلوث الهواء ليس مشابهاً للرصاص بشكل كامل، ولكن الدراسات تشير إلى أنه قد يكون له تأثيرات مماثلة على النمو.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

في بعض الأحيان، يكون من السهل رؤية تلوث الهواء. إذ يكون على شكل دخان يخرج من أعلى المداخن ومن عوادم السيارات في الطرق السريعة. ويتواجد الضباب الدخاني في الهواء في بعض المدن مثل دلهي وبكين ولوس أنجلوس، مما يؤدي إلى كسر أشعة الشمس ضمن الضباب الخفيف.

ولكن في أغلب الأحيان، يبدو الهواء الملوث مثل الهواء العادي. إذ يعيش حوالي 92 بالمئة من سكان العالم وأكثر من نصف سكان الولايات المتحدة في مناطق ذات هواء غير صحي. وتصف منظمة الصحة العالمية تلوث الهواء بأنه “أكبر خطر على الصحة البيئية” في العالم، وهو يؤدي إلى الوفيات المبكرة للملايين سنوياً. إنه مشكلة صحية عامة رئيسية لأسباب قد تتوقعها، حيث أن تنفس الهواء الملوث ليس جيداً لرئتيك، كما أن الارتباط بين الرئتين وجهاز القلب والأوعية الدموية يعني بأنه يجهد القلب أيضاً.

إلا أنه من الواضح بشكل متزايد بأن تأثيرات تلوث الهواء ليست محدودة بأجزاء الجسم التي تتواجد تحت الكتفين، بل يمكن أن تؤذي الدماغ بمجموعة كاملة من الطرق، والتي لا يزال العديد من الباحثين يحاولون فهمها. إنه مجال رئيسي مثير للاهتمام، أليس كذلك؟ إذ يمكن أن تؤثر طريقة التعرض للهواء الملوث على التطور المعرفي للرضع والأطفال. ولم يتفاجأ الباحثون عندما وجدوا بأن السموم البيئية يمكن أن تؤذي أدمغة الشباب، لأنهم رأوا ذلك من قبل.

تقول ديبورا كوري سليتشتا – أستاذة الطب البيئي في جامعة روتشستر: “بالنسبة لي، فإن تلوث الهواء هو بمثابة الرصاص نوعاً ما.”

كان الرصاص موجوداً في كل مكان في بداية القرن العشرين، حيث تم استخدامه بسهولة لصنع المكانس الكهربائية والطلاء وتم تضمينه كعنصر في البنزين. وكان من المعروف بأنه سام، وأثار القلق بشأن تأثيراته الصحية الخلافات على مشروعيته، ولكن لم يتمكن الباحثون حتى الثمانينات من القرن العشرين من ربط حتى المستويات المنخفضة من التعرض للرصاص بازدياد خطر المشاكل المعرفية والسلوكية لدى الأطفال، تماماً مثلما بدأ العلماء يفعلون مع تلوث الهواء الآن.

إن التشابه ليس دقيقاً ولكن تلوث الهواء مثل الرصاص، فهو يؤثر أيضاً بشكل غير متناسب على المجتمعات ذات الدخل المنخفض والأقليات. وكما هو الحال مع الرصاص، فمن السهل التسبب بتلوث الهواء في البيئة، ولكن التخلص منه أصعب بكثير. تقول كوري سليتشتا: “كلما زاد ما أقوم به في هذا المجال، كلما بدا لي بأن المشكلة أكبر.”

تأثير التلوث على الدماغ

في الحقيقة، بدأت كوري سليتشتا بدراسة تأثيرات التعرض للرصاص أولاً، وكانت متشككة عندما سمعت لأول مرة بأن تلوث الهواء قد يشكل مخاطر مماثلة. ولكن عندما سألتها إحدى مجموعات البحث في جامعتها – والتي كانت تدرس تلوث الهواء وتطور الرئة – عما إذا كانت مهتمة بإلقاء نظرة على أدمغة الفئران المستخدمة في دراستهم، فقررت بأنها قد تلقي نظرة أيضاً.

إلا أنها صُدمت لإيجاد دليل على الالتهاب والتلف في كل منطقة من أدمغة الفئران تقريباً. وتقول كوري سليتشتا: “لقد كان ذلك بعد شهرين كاملين من انتهاء التعرض لتلوث الهواء”.

ومن الجدير بالذكر بأن العيش في المناطق ذات التلوث الهوائي المرتفع مرتبط بضعف الذاكرة والانتباه والمفردات، إذ يصبح الأداء أقل من المتوسط في اختبارات الذكاء، ويصبح السلوك إجرامياً. كما أن تلوث الهواء متورط في اضطرابات النمو التي تتراوح بين اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط إلى اضطرابات طيف التوحد.

ويُذكر بأن الدراسات الحيوانية – حيث يمكن للباحثين أن يتحكموا بالتعرض للتلوث بشكل أكثر دقة – تدعم نتائج تلك التقارير البشرية. إذ تبين أن تلوث الهواء يسبب تغيرات في السلوك عند القوارض، وتغيرات في أدمغتها كالاختلالات في مستويات بعض الجزيئات، وفرط النشاط في مناطق الدماغ، وتلف الخلايا العصبية، ويتوافق الكثير منها مع الطريقة التي تبدو بها الأمراض التطورية العصبية عند هذه الحيوانات. ويمكن للالتهاب المنتشر الذي يظهر في أدمغة الفئران بعد التعرض لتلوث الهواء – مثلما لاحظت كوري سليتشتا في دراساتها الأولية – أن يدّمر الخلايا العصبية، ويمنع الدماغ خلال النمو من تنظيم نفسه بشكل صحيح.

وعلى الرغم من أن الأبحاث ليست كافية جداً لاستنتاج ارتباط سببي صريح بين تلوث الهواء وتغيرات النمو لدى البشر، إلا أن هناك ارتباطاً قوياً بينهما، والذي تم تعزيزه من خلال الأبحاث على الحيوانات. وتقول كوري سليتشتا: “هناك توافق جيد بين الدراسات الوبائية عند البشر والدراسات الحيوانية.”

تدخل الجسيمات الموجودة في الهواء إلى الجسم وإلى الدماغ عبر مسارات مختلفة، إذ يمكن أن تمر عبر الرئتين إلى مجرى الدم، حيث يمكن أن تنتقل مباشرة إلى الدماغ، أو تسبب تغيرات في الاستجابة المناعية للجسم والتي تسبب التهاباً ضاراً. ولا يوجد سوى حاجز رقيق بين تجويف الأنف والدماغ، ويمكن للجسيمات الصغيرة من تلوث الهواء أن تمر عبره مباشرة.

ولا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه عن الآليات الكامنة وراء تأثيرات تلوث الهواء. فهو مجموعة من مختلف أنواع الجسيمات وبأحجام مختلفة ومن مصادر مختلفة. ويبلغ عرض بعض أكبر هذه الجسيمات عُشر ثخانة شعرة الإنسان – ويعدّ ذلك كبيراً على المستوى المجهري، ولكنه صغير بما يكفي للانتقال إلى الرئتين. وهناك جسيمات أخرى تعرف باسم الجسيمات متناهية الصغر، والتي تكون قياساتها بالمستوى النانوي. ويتكون التلوث من ثاني أكسيد النيتروجين والأوزون، وقد يحتوي أيضاً على قطع مجهرية من المعادن مثل الزنك أو القصدير أو حتى الرصاص. ويمكن أن يتغير تركيبه من حي إلى حي ومن بناء إلى بناء ومن ساعة إلى أخرى.

تقول روزاليند رايت، والتي تدرس الطب البيئي والصحة العامة في كلية ماونت سيناي: “تختلف السمية تبعاً للمكونات الخاصة التي تتعرض لها”.

ومن التحديات الرئيسية التي يواجهها باحثو تلوث الهواء هو تمييز أنواع الجسيمات التي يمكن أن تكون الأخطر عن تلك التي قد تكون أكثر سلامة. وتقول رايت: “إن أي خطوة في هذا الاتجاه – أي دراسة بعض المكونات ومقارنتها بغيرها – ستكون ذات قيمة”.

كما أننا لا نعرف الكثير عن الفترات التي يكون لتلوث الهواء فيها أكبر الأثر خلال النمو. إذ يمكن أن يؤثر تعرض الأم لتلوث الهواء على نمو الجنين على سبيل المثال، كما يمكن للتعرض خلال مرحلة الطفولة والسنوات الأولى من الحياة أن يضر الأطفال أيضاً. ولكن ليس من الواضح متى يحدث الضرر في الواقع. كما أن هناك مسألة الجرعة. إذ ينتقل تلوث الهواء في الأرجاء، وقد يرتفع مستوى التعرض عندما يكون الناس في بيئات مختلفة، مثل القيادة عبر نفق على الطريق السريع. ولا يزال من غير الواضح الاختلاف بين هذا النوع من التعرض الشديد المؤقت والتعرض طويل الأجل من الوسط الخارجي.

ونأمل أن ينتج عن برنامج التأثيرات البيئية على نتائج صحة الطفل (ECHO) – الذي يتم تنفيذه من قبل المعاهد الوطنية للصحة – بيانات جديدة وقوية تساعد في الإجابة على هذه الأسئلة، كما تقول رايت. ويهدف البرنامج إلى تسجيل 50 ألف طفل وتتبع النمو العصبي والتعرض البيئي، من بين أمور أخرى. وتضيف: “سوف تتخذ هذه المبادرة خطوة كبيرة إلى الأمام في هذا المجال. ونأمل أن توجه السياسة على المدى الطويل”.

الوقاية من الأضرار

هناك شيء مؤكد نعرفه عن تلوث الهواء وهو أنه يوجد المزيد منه في المجتمعات ذات الدخل المنخفض وفي المجتمعات السوداء. ويذهب أطفال الأقليات العرقية والإثنية في الولايات المتحدة على الأرجح إلى المدارس في المناطق شديدة التلوث، كما توجد ملوثات الهواء في جميع أنحاء العالم في المناطق ذات الدخل المنخفض بتراكيز أعلى.

كما قد يكون أطفال الأقليات العرقية والإثنية والأطفال في المناطق ذات الدخل المنخفض أكثر تأثراً بتلوث الهواء الذي يتعرضون له. وذلك لأن التعامل مع الضغوطات الاجتماعية – مثل انعدام الأمن الغذائي أو العنصرية المؤسساتية – قد يفاقم من تأثيرات الضغوطات البيئية مثل تلوث الهواء على نموهم العصبي والمعرفي.

وتقول رايت: “تظهر الدراسات بأنه إذا لم يكن لديك ضغوطات متزامنة مع تلوث الهواء، فلن تلاحظ بالضرورة تأثيرات قوية”. وتقول بأن هذا يعني أن معالجة بعض هذه المشاكل الاجتماعية قد تكون إحدى الطرق للتخفيف من الآثار الضارة للهواء السام. وتضيف: “ستكون التدخلات قصيرة لنتمكن من القول بأنها تغير الهواء.”

وتنطبق نفس الأنماط على التعرض للرصاص، والذي يؤثر بشكل غير متناسب على الأقليات والمجتمعات منخفضة الدخل، ويتفاقم بفعل الضغوطات. وبالمثل، يمكن للبيئة الغنية وغير المجهدة أن تحمي من الأضرار الناجمة عن الرصاص.

ولكن على عكس الرصاص، فإن إزالة جذور المشكلة ليست ببساطة إزالة عنصر واحد من الطلاء والبنزين (وهو أمر معقد بما يكفي، وما زالت الولايات المتحدة تكافح لمتابعته).

وتقول رايت بأن مشكلة تلوث الهواء هي انتشاره في كل مكان. تتحسن جودة الهواء في أنحاء الولايات المتحدة، إلا أن مستويات التلوث ترتفع في المدن الفقيرة حول العالم. وتقول رايت بأننا ما زلنا لا نعرف إلى أي مستوى يحتاج التلوث أن ينخفض لتجنب تأثيرات النمو. وتضيف: “حتى عند المستويات المقررة بالقوانين حول جودة الهواء، فلا يزال من الممكن أن تكون سامة.”

كما أن الولايات المتحدة تقوم بموجب قانون الهواء النظيف بقياس أنواع معينة من الجسيمات الموجودة في تلوث الهواء. فعلى سبيل المثال، لا تملك وكالة حماية البيئة (EPA) معايير لمستويات الجسيمات متناهية الصغر، والتي قد يكون لها مجموعة خاصة بها من الآثار الصحية. وتقول كوري سليتشتا بأن تحسين القياسات التي نراها فقط لا يعني بالضرورة بأننا نحرز تقدماً في جميع أنواع تلوث الهواء.

والأكثر من ذلك أن مدير وكالة حماية البيئة سكوت برويت قد اتخذ خطوات لإضعاف أو إزالة القوانين الحالية حول تلوث الهواء خلال العام الماضي. ويعمل برويت أيضاً على إعادة هيكلة الطريقة التي تستخدم بها وكالة حماية البيئة الأدلة العلمية لإعداد السياسات. إذ لم تعد الوكالة تأخذ بالاعتبار الأبحاث التي تم إجراؤها باستخدام بيانات سرية. وتستخدم مجموعة كبيرة من أبحاث تلوث الهواء السجلات الطبية (والتي تبقى سرية بموجب المبادئ التوجيهية الأخلاقية) بما في ذلك الدراسات حول نمو الأطفال. ومن شأن هذا القرار أن يساعد على تبرير أي قرارات تتخذها وكالة حماية البيئة لتخفيف القوانين الخاصة بالانبعاثات من المعامل أو المصانع الكيميائية، وسيكون بمقدورها تجاهل الأدلة التي تثبت بأنها تضر بالأطفال.

وقد صمدت أبحاث الرصاص ضد تحديات مماثلة من مختلف الصناعات التي تستخدم المعدن في منتجاتها، ممن حاربوا القوانين وحاولوا التشكيك في البحث العلمي.

وعلى الرغم من التحديات، فإن طريق مكافحة تلوث الهواء أصبح أسهل بسبب المواجهة السابقة مع الرصاص.

وتقول كوري سليتشتا: “كان الصراع ضد الرصاص مثالاً على هذه القضايا، وأدى إلى كسر بعض الحواجز. وفي وقت مبكر من ذلك الوقت، فقد كان الدراسة تلو الأخرى تحاول جعل الناس يعتقدون بأن التعرض للرصاص يرتبط بالتغيرات في معدل الذكاء.” وذلك من المعارف الشائعة اليوم، ولكن عندما كانت الأبحاث تتزايد في التسعينيات، فقد كان الناس مترددين في الاعتراف بأنه مادة سامة للأعصاب، كما تقول.

وتقول كوري سليتشتا: “الكثير من تلك المعارك كانت ضد الرصاص. والآن، عندما تقول بأن هناك تأثيرات سلوكية لتلوث الهواء، فلا أحد يشكك في ذلك. لذلك فإننا قادرون على التحرك بشكل أسرع، وقد قطعنا طريقاً طويلاً بهذا الاتجاه.”

error: Content is protected !!