Reading Time: 4 minutes

يُعد مرض ألزهايمر السبب الأكثر شيوعاً للخرف؛ فهو يحد تدريجياً من قدرات الذاكرة والتفكير والسلوك، ويؤدي في النهاية إلى تدهور القدرة على القيام بالمهام اليومية، وبينما يبحث العلماء عن علاجٍ له، بتنا ندرك أكثر طبيعة العوامل الوراثية والبيئية التي يمكن أن تزيد من مخاطر إصابة المرء بمرض ألزهايمر المتأخر والخرف المرتبط به؛ وعلى وجه التحديد، كنت أنا وزملائي من المتخصصين في الطب الوقائي والأعصاب وأمراض الشيخوخة نبحث في دور تلوّث الهواء الخارجي.

كان بحثنا السابق؛ الذي أجريناه عام 2017، أول دراسةٍ في الولايات المتحدة تعتمد على بيانات بشرية وحيوانية لإثبات أن شيخوخة الدماغ؛ التي تتفاقم بسبب تلوّث الهواء، قد تزيد خطر الإصابة بالخرف، وتُظهر دراساتنا الحديثة كيف تعاني النساء المتقدمات في السن؛ واللواتي يعشن في مواقع ذات مستويات عالية من «بي إم 2.5» (هي الجسيمات الدقيقة المعلقة في الهواء التي تطلقها المركبات ومحطات الطاقة)، من فقدان الذاكرة وانكماش الدماغ؛ كما يحدث مع مرض ألزهايمر مقارنة بالنساء اللواتي يعشن في بيئةٍ ذات هواء نظيف.

وبالتالي، تشير نتائج دراساتنا إلى أن تقليل التعرّض إلى ملوثات «بي إم 2.5» يُعد وسيلةً مهمةً لتجنب أحد عوامل خطورة مرض ألزهايمر. للأسف، دائماً ما يكون القول أسهل من الفعل في مثل هذه الحالات.

عامل الخطورة الصامت للإصابة بالخرف

تتكون ملوثات «بي إم 2.5» -المعروفة أيضاً باسم السّخام- من جزيئات مجهرية من المواد الكيميائية؛ تنجم عن عوادم السيارات والدخان والغبار وغيرها من الملوثات العالقة في الهواء، ويُقدر حالياً أن واحداً من كل 6 أميركيين يعيش في مقاطعات ترتفع فيه نسبة هذه الملوثات إلى مستويات عالية غير صحية.

كنّا نتحقق فيما إذا كان لمستويات «بي إم 2.5» أي أثرٍ في تسريع عمليات شيخوخة الدماغ في المرحلة قبل السريرية للمرض؛ أي في المرحلة الصامتة التي تسبق ظهور أي أعراضٍ للزهايمر والخرف المرتبط به.

في دراستنا الأولى عام 2017؛ والتي أجريناها على مستوى الولايات المتحدة بهدف التحقق من الرابط بين التعرّض لجسيمات «بي إم 2.5» والضعف الإدراكي، وجدنا أن النساء المسنّات أكثر عرضة لتطوير أعراضٍ سريرية أكثر شدّةً من الضعف المعرفي بمقدار الضعف تقريباً، إذا ما كنّ يعشن في أماكن ذات مستويات «بي إم 2.5» خارجية تتجاوز معايير وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة؛ مقارنة مع النسوة اللاتي يعشن في أماكن هوائها أنظف، ونظراً لأننا عملنا مع دراسةٍ أخرى تناولت مشاكل فقدان الذاكرة لدى النساء المتقدمات في السن؛ والتي تنطوي على مراقبة المشاركين في الدراسة عن كثب، فقد تمكنا أيضاً من تقييم أثر عوامل خطر الخرف الأخرى؛ مثل التدخين وقلة التمارين والعلاج الهرموني.

أما في دراستنا الجديدة، فقد أردنا معرفة كيف تتغير أدمغة كبار السن عند تعرضهم لمستوياتٍ مختلفة من «بي إم 2.5»، في السنوات التي تسبق ظهور أعراض مرض ألزهايمر لديهم. تابعنا تقدم الحالة لدى 712 امرأة؛ يبلغ متوسط ​​أعمارهن 78 عاماً، ولم تظهر لديهن أعراض الخرف في بداية الدراسة؛ حيث خضعن لفحص الرنين المغناطيسي بفاصل زمني بلغ 5 سنوات، ومن خلال الجمع بين بيانات مراقبة وكالة حماية البيئة والبيانات التي توفرها محاكاة جودة الهواء، تمكنا من تقدير مستويات «بي إم 2.5» الخارجية اليومية حول المكان الذي عاش فيه المشاركون قبل إجراء أول مسحٍ رنين مغناطيسي لهم.

ألزهايمر, دماغ, تشريح المخ, اسباب ألزهايمر

الدماغ المصاب بألزهايمر (على اليمين) والسليم – مصدر الصورة: المعهد الوطني للشيخوخة

وجدنا أن النساء الأكبر سناً كنّ أكثر عرضة لانكماش الدماغ بشكلٍ مشابه لما هو ملاحظ لدى مرضى ألزهايمر. عندما قارنّا فحوصات الدماغ للنساء المسنات اللواتي يعشن في المواقع ذات المستويات العالية من «بي إم 2.5»، مع نتائج الفحوصات للنساء اللواتي يعشن في مواقع ذات مستوياتٍ منخفضة؛ وجدنا أن خطر الإصابة بالخرف زاد بنسبة 24% على مدى السنوات الخمس بالنسبة للمجموعة الأولى.

لعل ما يثير القلق هو أن هذه التغيرات في الدماغ؛ والمشابهة للتغيرات التي تحصل لدى المصابين بألزهايمر، ظهرت لدى النساء رغم عدم ظهور لديهنّ أي مشاكل في الذاكرة، وبالإضافة إلى ذلك، وجدنا أن مقدار انكماش أدمغتهّن كان أكبر في المواقع التي تتسم بمستوياتٍ عالية من «بي إم 2.5»، حتى ولو كانت هذه المستويات ضمن المعايير التي توصي بها وكالة حماية البيئة حالياً.

وفي هذا السياق؛ مؤخراً فحص باحثون في إسبانيا نتائج فحوصات الرنين المغناطيسي لدماغ أفرادٍ أصحاء معرضين لخطر الإصابة بألزهايمر، ووجدوا هناك ارتباطاتٍ بين التعرض لملوثات الهواء وتقلّص حجم وسُمك مناطق معينة من الدماغ معروفةٍ بتأثرها في حال الإصابة بمرض ألزهايمر.

التلوث وانكماش الدماغ

كما درسنا الذاكرة العرضية لدى المشاركين؛ والتي عادةً ما تنطوي على تذكر أحداثٍ معينة في الماضي وتتأثر مبكراً بمرض ألزهايمر. أردنا معرفة إذا كان تدهور الذاكرة العرضية مرتبطاً بالعيش في أماكن ترتفع فيها مستويات «بي إم 2.5»؛ فهل يمكننا أن نرى أي دليل على أن مثل هذا التدهور المعرفي المحدد ناجم عن انكماش الدماغ الشبيه بذلك الذي يحدث عند الإصابة بمرض ألزهايمر؟

لقد سمحت لنا البيانات المستقاة من دراسة الذاكرة الخاصة بمبادرة صحة المرأة والتصوير بالرنين المغناطيسي في الماضي، بالتحقق من تغير حجم الدماغ بمرور الوقت لدى حوالي 1000 امرأة، وقد وجدنا أن الذاكرة العرضية تتدهور بالفعل مع زيادة نسبة «بي إم 2.5» في الهواء في المواقع التي تعيش فيها النسوة المتقدمات في السن؛ حيث يمكن تفسير ما يقرب من 10-20% من حالات تدهور الذاكرة الأكبر بانكماش الدماغ الشبيه بمرض ألزهايمر.

يعتقد الباحثون أن المرحلة الصامتة من الخرف تبدأ قبل عقودٍ من ظهور الأعراض؛ لذلك فإن النتائج التي توصلت إليها دراساتنا الحديثة تثير المخاوف من أن التعرض لمستوياتٍ عالية من تلوث الهواء في مراحل متوسطة ومبكرة من الحياة، قد تلعب دوراً لا يقل أهمية عن دور التعرض في مراحل متأخرة من العمر؛ وحتى يمكن أن يكون دوره في تطور ألزهايمر والخرف أكبر.

كما يبدو أن للعامل الوراثي دور أيضاً؛ فقد أظهرت أبحاثنا أن جين خطر الإصابة بألزهايمر «APOE4» يتفاعل مع مستوى التلوّث مع الهواء ويسرّع في شيخوخة الدماغ؛ حيث وجدنا أن عامل الخطر البيئي القائم على التعرّض الطويل الأمد لملوثات «بي إم 2.5» كان أعلى بمرتين إلى 3 مرات بين النساء المتقدمات في السن اللواتي يمتلكن نسختين من جين APOE4 مقارنةً بالنساء اللواتي لا يحملون ذلك الجين.

فيما بعد؛ درس باحثون آخرون التفاعل المحتمل بين تلك الجينات والبيئة. لم تجد دراسة سويدية في عام 2019 أدلة قوية على التفاعل بين الجينات والبيئة، لكن دراسة أُجريت عام 2020 باستخدام البيانات من السكان المسنين في اثنين من أحياء مدينة نيويورك؛ وجدت ارتباطاً بين التعرّض لتلوث الهواء الطويل الأمد والتدهور المعرفي، مع حالاتٍ أكثر حدة عند حاملي جين APOE4.

خطر يمكن تجنبه

يطلب قانون الهواء النظيف في الولايات المتحدة من وكالة حماية البيئة تطوير معايير جودة الهواء، لتوفر هامشاً كافياً من السلامة لحماية السكان المعرضين؛ مثل الأطفال وكبار السن.

لقد أتيحت للحكومة الأميريكية الفرصة لتعزيز هذه المعايير عام 2020؛ وهي خطوة يقول علماء وكالة حماية البيئة أنها كانت يمكن أن تمنع آلاف حالات الوفاة المبكرة الناجمة عن المخاطر الصحية؛ مثل أمراض القلب. دعا العلماء إلى معايير أكثر صرامةً؛ مشيرين إلى دور ملوثات «بي إم 2.5» في مشاكل صحية أخرى. مع ذلك، رفض «أندرو ويلر»؛ مدير وكالة حماية البيئة، معلناً في 7 ديسمبر/ كانون الأول أن المعايير ستبقى دون تغيير.