Reading Time: 5 minutes

مقال من «Aeon»


منذ ظهور العلم الحديث تقريباً، كان يُنظر إلى فكرة أن الحيوانات قادرة على تذكر تجارب الماضي، بأنها فكرة غير معقولة، لدرجة أن القليل من الباحثين كلفوا أنفسهم بدراستها. فبالتأكيد، فقط نحن البشر، بأدمغتنا الكبيرة والمعقدة، قادرون على تشكيل ذكريات عرضية، كتذكر ذهابنا إلى المحلات التجارية على سبيل المثال. بينما كان التفكير السائد يذهب إلى أن الحيوانات في سعيها الدائم للبقاء، لابد وأن تعيش لحظة الحاضر فقط. لكن وباستخدام قدراتنا الذهنية الخارقة، بتنا نعلم الآن بأننا كنا مخطئين بشدة، وبأن قطعةً من الذاكرة من عالم الحيوان، قد تساعدنا في تحسين طريقتنا في علاج مرض ألزهايمر.

تعود جذور فكرة أن الحيوانات كائنات بدائية مجردة من الذكريات وتعيش فقط في الحاضر، إلى فكرة قديمة عمرها 400 عام، ولا زالت تدرّس ويتم النقاش حولها في الفلسفة. «إنهم يأكلون دون متعة، ويبكون دون ألم، ويكبرون دون أن يعلموا ذلك. ليست لديهم رغبات ولا مخاوف ولا يعرفون شيئاً»؛ هذا ما كتبه الراهب والفيلسوف الفرنسي «نيكولاس مالبرانش» الذي عاش في الفترة (1638-1715). لقد لخص مالبرانش بهذه الكلمات الشاعرية، أفكار «رينيه ديكارت» (1596-1650) وهو أبو الفلسفة الغربية المعاصرة، وربما أشهر شخص قلل من قيمة الحيوانات بالنظر على بأنهم لا يمتلكون أرواحاً، مما يجعلهم لا يعدون كونهم أكثر من آلات ميكانيكية.

ولكن مع تراكم المعرفة العلمية حول قدرات الحيوانات؛ أصبح من المستحيل تبرير الافتراض السابق. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، أكدت دراسات (ربما كان ذلك متوقعاً) أن الحيوانات قادرة على تكوين ما يدعى بـ «الذاكرة الإجرائية»، وهو نوع من الذاكرة طويلة الأمد، تساعد في امتلاك مهارات حركية كالجري أو التسلق. ولكن ماذا عن الذاكرة العرَضية؟ (أي القدرة على القيام بسفر عقلي عبر الزمن والعودة إلى حدث حصل في الماضي بإعادة استعراضه في الدماغ). لقد روج عالم النفس الكندي «إندل تولفينج» (الذي عرّف الذاكرة العرضية عام 1972) وجهة النظر القائلة بأن أعمالاً عقلية من ذلك المستوى كانت مقصورة علينا كبشر، ولا تمتلكها الكائنات الأخرى. فقد طرح تساؤلاً مفاده، بأنه ما الدليل بأن منطقة الحصين في الأنواع الأخرى -وهي منطقة الدماغ التي تحفظ فيها وتستخرج منها الذاكرة العرضية- يمكنها تخزين الذكريات كما يحدث لدينا؟

وبهمّة كبيرة، قررت مجموعة صغيرة من الباحثين الأكفاء تحرّي هل كانت الحيوانات قادرة على تشكيل ذاكرة عرضية أم لا؟ لقد قالوا فيما بينهم بأنه ربما لا توجد لدينا الطريقة لاختبار ذلك، فهذا تحدّ صعب، لاسيما أن الحيوانات غير قادرة على إخبارنا عن حيواتها الداخلية. لكن الآن، وبعد أن ابتكر العلماء بعض الطرق الجديدة الذكية لدراسة ذاكرة الحيوانات، فقد أصبحنا أقرب للإجابة عن هذا السؤال مرة، وإلى الأبد. وفي العقد الماضي، توصل العلماء الذين يدرسون الحيوانات من شتّى أجزاء مملكة الحيوان -كأنواع مختلفة من الطيور والدلافين والفيلة بل وحتى الكلاب- إلى استنتاج واحد مفاده، أنه على الأقل، لدى بعض الحيوانات القدرة على تشكيل ذكريات عن التجارب الماضية بشكلٍ شبيه بالبشر. «لقد اعتقد الناس لفترة طويلة أن الحيوانات المختلفة عن البشر غير قادرة على تشكيل ذكريات عرضية»، كما أخبرني «جوناثان كريستال»، وهو عالم أعصاب في جامعة إنديانا. «اتضح أن وجهة النظر تلك خاطئة».

لقد كان تنامي الأدلة كافياً حتى لإقناع متشكك سابق كعالم النفس «مايكل كورباليس» من جامعة أوكلاند. فقد كتب عام 2012 في دورية «الرائج في العلوم الإدراكية» بأنه «من المرجح للغاية من وجهة نظر تطورية» أن السفر العقلي عبر الزمن ليس أمراً فريداً لدى البشر. ففي النهاية، لقد تطور البشر من الثدييات الأخرى، فمن أين حصلنا إذاً على الذاكرة العرضية إن لم يكن من أسلافنا السابقين؟ هل من المستبعد حقاً أن يكون البشر والجرذان كلاهما قادران على تذكر الطريق إلى بستان التفاح، والمرة الأخيرة التي كانوا فيها هناك؟

تأتي بعض أكثر الأدلة إقناعاً حتى اليوم على أن الحيوانات قادرة على أن تعيد عيش الماضي، من دراسات كريستال نفسه على الذاكرة العرضية عند الجرذان. فالدراسات السابقة كانت تركز على اختبار بعض الجوانب المحدودة للذاكرة العرضية، مثلاً: أين ومتى حدث أمر ما؟ ولكن القليلين استكشفوا الجانب الأهم على الإطلاق وهو: هل كان الحيوان قادراً على إعادة عيش تلك التجارب الماضية في عقله من البداية وحتى النهاية؟ للتحقق من ذلك لدى الجرذان؛ قام كريستال وطالب الدكتوراه «دانييل بانوز-براون»، بإجراء دراسة ذكية عام 2018. في البداية دربا 13 جرذاً على تذكر 12 رائحة، وقاما ببناء حلبة خاصة للجرذان تحتوي على 12 إشارة توقف مرقّمة من 1 إلى 12 وكل منها تحمل رائحةً مختلفة. وعندما كان الجرذ يتعرف على الرائحة في إشارة توقف معينة على طريقه، مثل أن تكون الثانية أو الرابعة، كان يتلقى مكافأة. بعدها قام الباحثان بتغيير عدد الروائح وراقبا كي يلاحظا إذا ما احتفظ التدريب بنتائجه: هل ستتعرف الجرذان على الروائح الثانية أو الرابعة في السلسلة، حتى ولو كان عدد الروائح مختلفاً؟ لو حدث ذلك؛ سيؤكد بأن الجرذان كانت تتعرف على الروائح من خلال موقعها في السلسلة، وليس فقط من خلال الرائحة. وكما قال كريستال: «لقد أردنا أن نعرف ما إذا كانت الحيوانات قادرة على تذكر العديد من الأشياء إضافة إلى ترتيبها».

وبعد سنة من هذه الاختبارات وجد الفريق بأن الجرذان أجادت المهمة في حوالي 87% من المرات. ولقد أكدت التجارب اللاحقة أن هذه الذكريات استمرت معهم ولم تتأثر بالذكريات الأخرى. بل الأكثر من ذلك، عندما قام الباحثون بتقليل نشاط الحصين مؤقتاً، لاحظوا بأن أداء الجرذان كان سيئاً للغاية، وهو ما يؤكد أن الجرذان كانت تستند فعلاً إلى الذاكرة العرضية. وقد أظهرت الدراسات على الدلافين عام 2018 من قبل باحثين آخرين بأن منطقة الحصين كانت تعمل في دماغها لدى قيام هذه الحيوانات باستعراض ذكرياتها، مؤكدين أن هذه المنطقة هي بالفعل المسؤولة عن استعادة هذه الذكريات، الأمر الذي يعارض وجهة نظر تولفينج القائلة بأن الحصين في الحيوانات غير قادر على تشكيل ذاكرة عرضية.

ويعتقد عالم النفس «سكوت سلوتنيك» من جامعة بوستن ومؤلف كتاب «علم الأعصاب الإدراكي في الذاكرة»، 2017، أن الذاكرة العرضية شائعة أكثر بكثير مما نعتقد في عالم الحيوان، على الأقل بين الثدييات. وكما كتب في مدونة عام 2017: «بملاحظة أن التموجات الحادة لمنطقة الحصين مسؤولة عن إعادة استعراض الذكريات، وقد تمت ملاحظتها في كل الثدييات التي تم اختبارها، فيمكن الاستنتاج بأن جميع الثدييات تمتلك ذاكرة عرضية». إن عواقب وجهة النظر الجديدة هذه عن امتلاك الحيوانات ذاكرة عرضية تفوق بكثير فهمنا للحيوات الداخلية للحيوانات وسلوكها. فأداء الجرذان المذهل في اختبارات الذاكرة يعني بأنها تملك الكثير لتعلمنا إياه حول مرض ألزهايمر بما في ذلك حول كيفية علاجه بكفاءة أكبر. يقول كريستال: «أكثر ما يتضرر لدى مرضى ألزهايمر هي الذاكرة العرضية، لذلك فنحن نحاول تطوير نماذج في الجرذان تحاكي ذلك بشكلٍ أكبر».

في الواقع لا يمكن للتوقيت أن يكون أفضل من ذلك: فأدوات جينية جديدة، كالتعديل الجيني، باتت تسمح للعلماء بخلق جرذان بحالة عصبية مشابهة لتلك التي لدى مرضى الزهايمر، مما يجعلهم مثاليين لاختبارات عقارات الزهايمر جديدة. فاختبار علاجات الزهايمر على الجرذان التي تم حرمانها من ذاكرتها العرضية؛ سيعطي العلماء فكرة أفضل بكثير عن الكيفية التي سيؤثر بها العقار على البشر، وذلك قبل المباشرة بتجارب طبية مكلفة. يقول كريستال: «يعطينا ذلك كافة أنواع الفرص الجديدة، إذا لم يحسّن العقار الذاكرة العرضية، فلن يكون بالطبع العلاج الأكثر قيمة».

إن معدل نجاح عقارات ألزهايمر لا زال منخفضاً بشكل كبير. فطبقاً لدراسة قام بها عالم الأعصاب «جيفري كومينجز» في دورية «العلوم السريرية والترجمة» عام 2017، تمتلك هذه العقارات معدل فشل يبلغ 99%. كما أخبرني كريستال: «كي نكون منصفين، هناك العديد من العوامل [المسؤولة عن فشل التجارب السريرية]، ولكن ما أنا متأكد منه، هو أنه بمجرد إصلاح تلك المشاكل، فمن الأفضل لك أن تستخدم نموذجاً يعتمد على الذاكرة العرضية».

يقوم كريستال وفريقه بذلك الآن، ولكن النتائج لن تظهر في القريب العاجل. في الولايات المتحدة الأميركية وحدها سيرتفع عدد الذين يعانون من ألزهايمر من 5.8 مليون اليوم إلى 14 مليون عام 2050، وذلك مع تقدم السكان بالعمر. فلو استطاعت ذاكرة الجرذان العرضية مساعدتنا في فك شيفرة الزهايمر، قد يكون بإمكاننا أخيراً أن نقهر لص الماضي هذا إلى الأبد.