Image

سرطان الثدي والبروستات يبدوان أكثر شيوعاً عند أولئك الذين يتناولون وجبة العشاء متأخرين، لكن الأمر قد يكون مجرد ارتباط وليس علاقة سببية

Bread assortment تناول عشاءك باكراً، إلا إذا كنت كائناً ليلياً.
حقوق الصورة: بيكساباي

إن بعض العادات اليومية يكون الالتزام بها صحياً أقل من غيره. اشرب القهوة في وقت متأخر جداً، وستواجه صعوبة في النوم. اسهر حتى وقت متأخر، ومن المرجح أن تتطور لديك مضاعفات صحية في المستقبل. في المقابل، قد تحظى بوقت أفضل لإنهاء مشروعك الإبداعي الضخم إذا كنت لا تسهر حتى الساعات الأولى من الليل.

والآن، قد يكون الوقت قد حان للبدء في جدولة عشاء مبكر إذا كنت تريد أن تعيش عمراً أطول بصحة أفضل. تشير دراسة جديدة نشرت في يوليو 2018 في المجلة الدولية للسرطان إلى أنه كلما تأخرتَ في تناول العشاء، زاد احتمال الإصابة بسرطان الثدي وسرطان البروستات. وهذا إدعاء مذهل، خاصة مع اعتبار أن سرطان الثدي هو أكثر أنواع السرطان شيوعاً، وأن سرطان البروستات يصيب واحداً من كل تسعة رجال.

شملت الدراسة الجديدة، والتي تجريها مجموعة كبيرة من الباحثين في إسبانيا، 621 شخصاً مصاباً بسرطان البروستات و 1205 أشخاص مصابين بسرطان الثدي (بالإضافة إلى 872 و  1321 من الذكور والإناث الأصحاء على التوالي)، وتم جمع البيانات المتعلقة بالأوقات المفضلة للعشاء والنوم.
بعد تعديله لعوامل مثل نوع السرطان، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، والمؤثرات البيئية المسببة للسرطان، وجد فريق البحث أن الأفراد الذين يتناولون العشاء قبل التاسعة مساء، أو ينتظرون لمدة ساعتين على الأقل بعد الانتهاء من تناول العشاء قبل الذهاب إلى الفراش، يقل خطر الإصابة بسرطان البروستات لديهم بنسبة 26 في المائة، ويقل خطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة 16 في المائة، مقارنة بالأشخاص الذين يتناولون الطعام بعد الساعة العاشرة ليلاً، أو يذهبون إلى النوم مباشرة بعد الانتهاء من الوجبة الأخيرة من اليوم.

كيف نصل بالضبط إلى دراسة كهذه؟ ربما لا يكون منشأ مثل هذا التحقيق استثنائياً بالقدر الذي تعتقده. ووفقاً لمانوليس كوجيفيناس، أستاذ الأبحاث في معهد برشلونة للصحة العالمية والباحث الرئيسي في الدراسة الجديدة، فإن الدافع وراء هذا التحقيق هو في الأساس نقص في البيانات الحالية.
يقول كوجيفيناس: “سرطان الثدي وسرطان البروستات هما أكثر أنوع السرطان ارتباطاً بالعمل الليلي واضطراب النظم اليومي”. ومن المعروف أن الاضطرابات في النظم اليومي، والعمليات الحيوية التي تنظم النوم، ومستويات الطاقة، والهرمونات، ودرجات حرارة الجسم على مدار 24 ساعة، تسبب مشاكل في الجهاز المناعي، مما قد يجعل الناس أكثر عرضة لتطور الورم. ويقول كوجفيناس إن الضوء هو أهم عامل يؤثر على النظم اليومي، ويليه النظام الغذائي.
وفي حين أن هناك دراسات على الحيوانات، بالإضافة إلى عدد قليل من الدراسات على البشر، والتي توضح كيف أن توقيت الوجبة يمكن أن يؤثر على صحة الإنسان، يقول كوجيفيناس إن معظم هذا البحث يقتصر على فهم كيفية تأثير الوجبات على البدانة (بالإضافة إلى المضاعفات المرتبطة بالسمنة مثل مرض السكري ومرض القلب). ولا يوجد تتبُّع محدد لكيفية تأثير أوقات الوجبات على معدلات الإصابة بالسرطان.

كان هناك عدد قليل من الدراسات التي استكشفت الأنماط الغذائية المرتبطة بالسرطان، ولكن وفقاً لكوجيفيناس، فإن “هذه الأدلة تركز على نوع الوجبة وكميتها، وليس على توقيتها. وليس لدينا عملياً أي شيء يتعلق بتوقيت الوجبة  في الدراسات الكبيرة على البشر، ولهذا السبب اختبرنا هذه الفرضية “.

هناك بالطبع  بعض المشاكل الرئيسية في هذا النوع من التفكير. منها على سبيل المثال، أنه لا يوجد شخصان يملكان الإطار الطبيعي نفسه للموعد الأمثل لجسميهما للأكل والنوم. فالساعة التاسعة كموعد لتناول وجبة العشاء عند شخص ما، هي موعد تناول وجبة خفيفة لشخص آخر قبل وجبة منتصف الليل، وهي موعد النوم لشخص ثالث. بالنسبة لكل هؤلاء الأفراد، تختلف المواعيد المثلى لوجبة العشاء بشكل كبير. وهناك وسيلة أفضل للتنبؤ بخطر الإصابة بالسرطان، وهي تتبع ما إذا كانت أوقات الوجبة الخاصة بالفرد قد انحرفت بشكل كبير عن الأوقات التي يشير إليها النمط الزمني الخاص به (الوقت والمدة المفضلان للنوم).

كما أنه ليس من الواضح تماماً لماذا يؤثر تناول الطعام على الإصابة بالسرطان. كيف يمكن لتناول الطعام متأخراً والنوم بعد ذلك مباشرة أن يسبب مشاكل صحية تؤدي إلى تكون الأورام؟ يعترف كوجيفيناس “أن الآليات غير مفهومة بشكل جيد ويمكن أن تنطوي على عدة مسارات”. وإذا لم نفهم بالضبط كيف يمكن أن يؤدي توقيت الوجبة إلى مشاكل صحية تؤدي في نهاية المطاف إلى السرطان، فإن مؤلفي الدراسة يكونون قد سلطوا الضوء فقط على الارتباط المحتمل، وليس على العلاقة السببية.

كما تشير كورين جوشو، عالمة الأوبئة في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة، والتي لم تشارك في الدراسة، إلى أن “المؤلفين ذكروا أن وقت الوجبة كان مرتبطاً بانخفاض خطر الإصابة بين المشاركين الذين يلتزمون بالتوصيات الرئيسية للوقاية من السرطان”. وكان الأشخاص الذي ينتظرون أكثر من ساعتين بين موعد العشاء والنوم أقل عرضة للإصابة بالسرطان بنسبة 35 في المائة، ولكن تبين أنهم كانوا أكثر التزاماً بتوصيات الوقاية التي وضعها صندوق أبحاث السرطان العالمي أو المعهد الأميركي لأبحاث السرطان. وهذا يشير إلى أن الأفراد الذين كانوا يتناولون عشاءهم في وقت مبكر أكثر قد يكونون ببساطة أكثر تناغماً مع الحياة الصحية بطرق أخرى أكثر تأثيراً للوقاية من السرطان.
هناك أيضاً الكثير من العوامل التي تعقد الأمور. فبما أن الباحثين كانوا في إسبانيا، كان المشاركون جميعهم من إسبانيا، ويميل هؤلاء إلى تناول الطعام في وقت متأخر عن العديد من البلدان الأخرى. وهذا التوقيت ليس متأخراً تماماً كما قد يظن الأميركيون. ووفقاً للباحثين، فعند تمام  الساعة التاسعة مساءً يعتبر العشاء في إسبانيا بنفس درجة تأخير الساعة الثامنة مساءً في لندن. لكنهم مجرد مجموعة واحدة من الأفراد. وقد يختلف متوسط ​​أوقات الوجبات وأوقات النوم بشكل كبير من بلد إلى آخر، ومن قارة إلى أخرى، بطرق قد تؤثر على النتيجة إذا تم إجراء هذه الدراسة في مكان آخر.

كما أجبر الحجم الكبير لهذه الدراسة فريق البحث على الاعتماد فقط على التقرير الذاتي لأوقات الوجبات. يقول كوجيفيناس: “في الدراسات الأصغر لعدد قليل من عشرات أو بضع مئات من الخاضعين للدراسة، نستخدم أجهزة قياس النشاط البدني وأجهزة استشعار ووسائل أخرى لتسجيل الأنماط اليومية. أما في هذه الحالة، فقد كان ذلك مستحيلاً. نحن ندرك أن لدينا بالتأكيد أخطاء في تقييمنا للتوقيت”.على الرغم من أن كوجيفيناس يؤكد على “أننا على الأرجح نستخف بتأثير التوقيت على السرطان بدلاً من المبالغة في تقديره”.
ولكن هذا لا يعني القول بأن الدراسة غير قيمة أو أنه يجب رفضها. على العكس من ذلك، فإن مثل هذه الدراسة الكبيرة على الأفراد والتي تركز على توقيت الوجبات تجعل من هذا التحقيق برأي جوشو: “واحداً من التحقيقات في هذا المجال، إن لم يكن الأول من نوعه”. وتضيف جوشو: “إن فهم العلاقة بين توقيت الوجبة وخطر الإصابة بالسرطان له أهمية خاصة في الحياة المعاصرة التي قد يكون فيها تناول الطعام في توقيت خاطئ أكثر شيوعاً عما كان عليه في الماضي”.

ومع ذلك، هناك قدر كبير من المتابعة التي يجب إجراؤها من أجل التحقق من صحة النتائج. وتردد جوشو أن هناك حاجة إلى فهم العلاقة الحيوية بين أوقات الوجبات ومخاطر الإصابة بالسرطان قبل التسليم بالقول إن أحدهما يؤثر على الآخر. وتقول: “بالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسات المستقبلية، التي لا يُطلب من المشاركين فيها استدعاء أنماط تناول الطعام السابقة، ولكن يتم الإبلاغ عنها في الوقت الفعلي، ستكون مفيدة ويمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كان تغيير أنماط وقت الوجبات يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بهذه السرطانات”.

من السابق لأوانه تغيير نمط حياتك بشكل جذري استناداً إلى هذه الدراسة المفردة، ولكن إذا أدى تأخير وقت العشاء إلى جعل أمسيتك أقل نشاطاً، ففكر في تجربة ذلك. يساهم الإجهاد وقلة النوم في قصور نظام المناعة، وهذا واحد من الطرق القليلة المعروفة التي تؤثر بها خيارات نمط الحياة على خطر الإصابة بالسرطان. وقد يساعدك التخطيط لعشاء مبكر على إنجاز بقية المهام في الوقت المحدد والذهاب إلى النوم باكراً، وهذا يحسن صحتك بالفعل.

error: Content is protected !!