Image

لا بدّ من التركيز بشكل أكبر على الكشف المبكر لعلاج المرض بشكل فعال

Bread assortment

حقوق الصورة: ويكيميديا كومونس
إحدى خلايا سرطان الثدي التي تم تصويرها بواسطة المجهر الإلكتروني الماسح، والذي ينتج صوراً ثلاثية الأبعاد.

يتساءل البشر منذ الأزل عن مسبّبات السرطان عند الإنسان، وقد تم قطع شوط طويل بهذا الخصوص. فقد أشارت أولى النظريات التي اقترحها أبقراط في العصور الوسطى إلى أن هذا المرض ينشأ من تراكم “المادة الصفراء السوداء” المفترضة في الجسم. وقم تم تفنيد هذه النظرية وغيرها من النظريات اللاحقة – مثل افتراض أن الخلايا السرطانية هي عوامل مرضيّة مُعدية بحد ذاتها – من خلال الأبحاث الحديثة. ويدرك العلماء الآن بأن السرطان ينجم عن الطفرات التي تنشأ في الحمض النووي عندما تتكاثر الخلايا، وهناك ثلاثة عوامل تؤدي إلى حدوث هذه الطفرات: بيئية، ووراثية، وعشوائية. ومع ذلك، فإن تأثير أي من هذه العوامل على العوامل الأخرى لا يزال مجهولاً إلى حد كبير.

وقام مؤخراً مجموعة من الباحثين في جامعة جونز هوبكنز باستخدام نماذج إحصائية جديدة لمعرفة ذلك. وبعد تحليل 32 نوعاً من أنواع السرطان الشائعة، قدر الباحثون أن 66 في المئة من طفرات السرطان تنشأ من الطفرات العشوائية التي تحدث عند انقسام الخلايا، و29 في المئة تنشأ من العوامل البيئية، و5 في المئة نتيجة الوراثة. وهذا يعني بأن حوالي ثلثي الطفرات لدى الأشخاص المصابين بالسرطان والتي تؤدي في النهاية إلى الإصابة بالسرطان لا تحدث بسبب عوامل موجودة في البيئة أو موروثة من الآباء، بل كنتيجة مباشرة لمدى سلامة نمو الخلايا وانقسامها. ويقول علماء الوراثة بأن على الباحثين أن يستخدموا هذا الفهم الجديد لتركيز الجهود بشكل أكبر لاكتشاف وعلاج السرطان في أقرب وقت ممكن.

ويعتبر انقسام الخلية – حيث تنقسم الخلية الواحدة إلى خليتين لإنشاء خلايا سليمة جديدة وضرورية – هو عملية طبيعية. ولكن عند حدوث ذلك، تحدث الطفرات العشوائية في الحمض النووي داخل الخلايا. ويمكن لعوامل أخرى أيضاً أن تسبب هذه الطفرات. حيث تزيد العوامل البيئية مثل التدخين أو تناول الأغذية قليلة الألياف من معدل حدوث هذه الأخطاء. وعندما يتراكم ما يكفي من هذه الطفرات – بغض النظر عن سببها – تبدأ عندها الخلايا بالانقسام بدون سيطرة عليها. ونطلق على هذا الانقسام غير المسيطر عليه اسم السرطان.

كما أراد الباحثون أن يعرفوا مدى تأثير كل عامل مسبب للطفرات على حدوث السرطان. وقاموا بجمع المعلومات الطبية من المرضى المصابين بـ 32 نوعاً من السرطان من كافة أنحاء العالم، بما فيها تسلسل الحمض النووي للمرضى، ومعلومات عن نمط حياتهم، ونوع السرطان الذي يعانون منه. وقاموا بدمج مجموعات البيانات هذه لفهم تأثير كل عامل من عوامل الطفرات. وفيما يلي كيفية تحليل سرطان الرئة: كان الباحثون يعرفون مسبقاً متوسط عدد الطفرات العشوائية التي تحدث عند شخص بصحة جيدة ويأكل جيداً ولا يدخن أبداً. ولنفترض أن هذا العدد هو 100. ووجد الباحثون من هذه البيانات ومن الأبحاث السابقة بأن المدخنين لديهم معدلات لحدوث طفرات الخلايا أعلى بثلاث مرات من الأشخاص ذوي الصحة الجيدة وغير المدخنين. ولذلك يتوقع وجود 300 طفرة عند المدخنين. لذلك وبحسب الاحتمالات، يمكن عزو الطفرات الـ 200 الإضافية إلى التدخين. وقاموا بإجراء تحليل مماثل لـ 31 سرطاناً آخر عن طريق مقارنة متوسط عدد الطفرات عند الأفراد الأصحاء مع الطفرات التي تعزى إلى الأسباب البيئية والموروثة المعروفة لتلك السرطانات.

وأظهرت مقارنة الأنواع السرطانية الـ 32 بشكل أكبر تأثير الطفرات العشوائية. إذ يحدث السرطان بشكل أكثر شيوعاً في الأنسجة التي تنقسم بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، تنقسم خلايا القولون بشكل أكثر بكثير من خلايا الدماغ، وهذا هو السبب في كون سرطان القولون أكثر شيوعاً بكثير بين السكان من سرطان الدماغ. وبشكل عام، فإن الأرقام التي حصلوا عليها – 66 في المئة للطفرات العشوائية، و29 في المئة للطفرات البيئية، و5 في المئة للطفرات الموروثة – تشير للباحثين بأن غالبية السرطانات تحدث من “الأخطاء” العشوائية التي لا يمكن التنبؤ بها.

حقوق الصورة: كريستيان توماسيتي وآخرون. سيانس (2017)
تنجم طفرات الحمض النووي – والتي تسبب السرطان في نهاية المطاف – عن ثلاثة أسباب: وراثية، أو تحدث بشكل عشوائي عند انقسام الخلايا، أو أنها تحدث بسبب عوامل بيئية مثل التدخين. ووجد الباحثون بأن السبب يختلف مع كل عضو كما هو مبين أعلاه. فعلى سبيل المثال، لسرطان الرئة نسبة أكبر من الطفرات البيئية بسبب التدخين، في حين أن سرطان الدماغ هو تقريباً نتيجة للأخطاء العشوائية المذكورة في الرسم البياني على أنها “تكاثرية Replicative“.

ويقول بيرت فوجلستين، وهو المؤلف المشارك في الدراسة وأستاذ علم الأمراض والأورام في جامعة جونز هوبكنز: “إن ذلك يريح ملايين المرضى الذين أصيبوا بالسرطان ولكنهم عاشوا حياة مثالية. ونريد أن يساعد ذلك الناس على تجنب الشعور بالذنب بشأن إصابتهم بالسرطانات، والتي من شأنها أن تحدث بغض النظر عما قاموا به”. ويقول الباحثون بأن النتائج يمكنها أيضاً أن تساعد في توجيه الأبحاث المستقبلية، مثل فهم كيفية الكشف المبكر عن السرطان، ووقت بداية تطوره، كما يمكن أن توفر فرصة أفضل لعلاجه بنجاح.

إذاً فهل هناك ما يمكننا القيام به لإبطاء هذه الطفرات العشوائية أو حتى القضاء عليها بشكل كامل؟ يقول الباحثون بأن معظمها لا يمكن تجنبه في الوقت الراهن، ولكن قد يصبح من الممكن تجنب بعضها في المستقبل. وهناك أربع طرق لحدوث الطفرات العشوائية خلال انقسام الخلايا. إحدى هذه الطرق تدعى أنواع الأكسجين التفاعلية أو “الجذور الحرة” ويمكن خفضها نظرياً عن طريق تعريض الخلايا لمضادات الأكسدة الخاصة. ويقول فوجلستين بأن الفهم الأفضل لهذه الطفرات يمكن أن يفتح المجال للأبحاث لتطوير هذه الأنواع من العلاجات الوقائية المضادة للأكسدة. ويضيف: “إن ذلك مشابه لفهمنا للكوليسترول. فقبل أن نعرف الكوليسترول، لم نكن نعلم بأنه يمكننا محاولة خفضه للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية”.

وربما لا يمكن لهذا النوع من الأبحاث أن يحدث قريباً. إذ يعتقد الباحثون بأنه في المستقبل، ومع تقدم السكان في العمر، فإن نسبة حالات السرطان التي تعزى إلى الطفرات العشوائية ستزداد. فعندما تتقدم الأجسام في العمر، فإن خلاياها تشهد المزيد من الانقسام، مما يزيد من احتمال الطفرات والسرطان. ويقول فوجلستين بأن الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع هذه الزيادة هي إيجاد طرق أفضل للكشف عن السرطان في مراحله المبكرة.

error: Content is protected !!