Reading Time: 6 minutes

خلال أزمة وباء كورونا المستمرة؛ خلت بعض الحافلات والقطارات في المدن من الركاب، بينما اكتظّ البعض الآخر بهم. في ولاية لوس أنجلوس الأميركية على سبيل المثال، انخفض معدل ركوب المترو من حوالي 1.2 مليون إلى حوالي 400000 راكب لكل يوم عمل. وفي الوقت نفسه، عمل خط الحافلات رقم 17 في ديترويت، وعملت خطوط مختلفة في مدينة نيويورك بسعة ركاب قد تكون خطيرة.

لمعالجة هذه القضية وغيرها من القضايا خلال وباء كورونا، تتجه بعض المدن -مثل لوس أنجلوس، ولينكولن في نبراسكا، وأبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة، وبرلين، وبالما دي مايوركا في إسبانيا– إلى تطبيق نظام لمشاريع خدمية يسمى «النقل الميكروي» (ميكروترانزيت). يعمل هذا النظام بشكل مشابه لأوبر وليفت، لكن الفرق هو أن شركات التكنولوجيا التي تطوّر هذه الخدمات تنشئ بنفسها منصات التوجيه الرقمي، ومنصات لأنظمة «نداء الرحلات» -وهو مصطلح يشير إلى عملية حجز السيارات ودفع تكاليف النقل عن طريق تطبيق للهواتف الذكية- لوكالات النقل.

وفقاً لـ «جيروم مايود»، عالم البيانات الرئيسي في شركة «سبير لابز» للنقل الميكروي، يمكن للمدن استخدام هذه المنصات في مجال النقل العام لملئ بعض الثغرات،، وتقديم رحلات بأسعار معقولة أكثر. يقول مايود: «تخيل مزيجاً بين أوبر وحافلة المدينة».

منذ بداية الوباء، لجأت المدن إلى استخدام نظام النقل الميكروي لإجراء رحلات ضرورية، مثل نقل كبار السن إلى الصيدليات أو الممرضات إلى المستشفيات. يقول أنصار النقل الميكروي أنه يمكن استخدام التكنولوجيا التي تقوم عليها هذه التطبيقات لمكافحة الوباء بطرق أخرى. على سبيل المثال، يمكن أن تساعد التطبيقات في تتبع انتشار العدوى، وتنبيه الزبائن إن اتضح أنهم قد ترافقوا من قبل في رحلة مع شخص ثَبُتت إصابته لاحقاً. وهي تقنية اسمها تتبع الاتصال.

اختلف الخبراء حول فكرة النقل الميكروي. إذ يقول البعض أنها تخلق مشكلات متعلقة بالخصوصية، وأنه ستكون هناك تحديات تقنية في تنفيذ إستراتيجيات أخرى من خلال المنصات. بينما يقول آخرون إن النقل الميكروي يمكن أن يلعب دوراً مفيداً حينما تبدأ شوارع المدن في العودة إلى وضعها الطبيعي.

نشأت فكرة النقل الميكروي قبل وباء كورونا، ويمكن لهذا النظام أن يتخذ العديد من الأشكال المختلفة تبعاً للشركة التي تطبقه وللاحتياجات الخاصة لكل مدينة. قد تستخدم المدن المشتركة مع شركة «فيا ترانسبورتيشن» مثلاً مركباتها الخاصة لتقديم الخدمات، أو يمكنها جعل الشركة نفسها توفر المركبات.

في حين أن تلك التي تشاركت مع شركة سبير عادة ما تستخدم العربات والحافلات العامة. تحدد وكالات النقل أجور الرحلات الخاصة بها. حالياً، فإن خدمات شركة فيا هي مجانية في لوس أنجلوس، بينما في لينكولن – نبراسكا، حيث تبلغ تكلفة رحلة واحدة على الحافلة 1.75 دولاراً، تكلف خدمة النقل الميكروي 5 دولارات. في الوقت نفسه، حددت شركة النقل العام في ولاية يوتا تكلفة خدمة النقل الميكروي عند 2.50 دولاراً، وهي نفس تكلفة ركوب الحافلة. يمكن أن تنطلق الرحلات إما مباشرةً من منزل الشخص إلى وظيفته، أو من وإلى مواقع تحددها وكالة النقل.

«تخيل مزيجاً بين أوبر وحافلة المدينة».

كانت بعض المدن مثل لينكولن تفكر في استخدام نظام «النقل على الطلب»، وسرعان ما تبنته عندما انتشر فيروس كورونا. بينما كانت بعض المدن الأخرى تستخدمه قبل الوباء، واكتفت بتعديل النظام استجابة له. على سبيل المثال، ومن خلال مشروع تجريبي مع فيا؛ أجرت هيئة نقل مترو لوس أنجلوس رحلات إلى 3 محطات قبل انتشار كورونا.

يقول «جوشوا شانك»، كبير مسؤولي الابتكار في الوكالة؛ أن الوكالة عدّلت على النظام وبدأت في إطلاق رحلات مباشرة من وإلى بعض المراكز الخدمية ومواقع الوظائف الأساسية فقط، وذلك لأنها اضطرت إلى خفض نشاطها خلال الوباء. ويضيف أن الوكالة تخطط لإطلاق مشروع نقل ميكروي آخر سيكلّف 29 مليون دولار مع شركة رايدكو.

يقول «جوزيف ألين»، وهو أستاذ مساعد في علم تقييم التعرض في جامعة هارفارد أنه على الرغم من أن نظام النقل الميكروي قد يكون مفيداً، إلا أنه من المستبعد أن يكفي وحده في الحد من انتشار مرض كوفيد-19 في وسائل النقل العامة.

تستخدم بعض أنظمة النقل أساليب مختلفة للحد من المرض. مثلاً، في فانكوفر بدأت شركة «ترانس لينك» في رسم إشارات في مواقف الحافلات لإظهار المسافة الموصى بالاحتفاظ بها بين الركاب. بينما كثّفت بعض الشركات الأخرى عمليات التنظيف، أو أعطت أقنعة للركاب.

تشير النمذجات الرقمية التي قام بها ألين وزملاؤه إلى أنه يمكن تقليل انتشار الفيروس في السيارات بشكلٍ كبير عن طريق فتح النوافذ قليلاً. لكنه أضاف أن غسل اليدين المنتظم وارتداء الأقنعة هو الأكثر فعالية. ويضيف ألين: «أعتقد أننا سنضطر إلى ابتداع حلول ذكية كمجتمع، والنقل الميكروي مناسب لهذا الغرض تماماً».

تقول «شارون فيجون» أن الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي جعلا الأمور صعبة بالنسبة لوكالات النقل. فيجون هي المديرة التنفيذية لـ «شيرد يوس موبيليتي سنتر»، وهي منظمة غير ربحية تعمل للصالح العام، وتروّج لتقليل استخدام المركبات الخاصة، بالإضافة إلى أنها تقدم خدمات مثل الدراجات الإلكترونية، ومشاركة الدراجات الهوائية والنقل الميكروي.

من ناحية، تقدم وكالات النقل العام خدمات ضرورية، وخاصة خلال الوباء. ولكن من ناحية أخرى، وبسبب انتشار كورونا، يؤدي انخفاض معدل الركوب وازدياد تطبيق إجراءات الأمان إلى إجهاد ميزانيات وكالات النقل. تقول فيجون أن العديد من الوكالات اضطرت إلى تقليل عدد رحلات مترو الأنفاق والحافلات العامة. وأنه يمكن استخدام النقل الميكروي لسد بعض هذه الثغرات خاصة خلال الساعات خارج أوقات العمل المعتادة.

تقول شركات النقل الميكروي أيضاً أن المدن يمكنها استخدام هذا النظام لإجراء رحلات بأسعار معقولة للأشخاص في المجتمعات التي تعاني من نقص الموارد. وفقاً لبيانات تطبيق ترانزيت (تطبيق لتخطيط الرحلات مقر إدارته في مونتريال ويُستخدم في أكثر من 200 مدينة ومنطقة حول العالم)؛ فإن السكان في هذه المجتمعات -ومن ضمنهم فئة كبار السن ليس لديهم خيار أفضل من استخدام وسائل النقل العامة.

«الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي جعل الأمور صعبة بالنسبة لوكالات النقل»

يمكن تطوير أدوات أخرى للحد من انتشار المرض ضمن المنصات نفسها. والعمل قائم على ذلك. يمكن أن تحدد المدن حداً أقصى لعدد الركاب في الرحلة الواحدة -وتُعلم السائقين بعدم تخطيه- مما يفرض التباعد الاجتماعي بشكل تلقائي. فمثلاً، حددت مدينة لوس أنجلوس هذا العدد عند راكب واحد، ومدينة لينكولن عند اثنين.

تتطلع شركات النقال الميكروي أيضاً إلى تطوير مزايا «الفحص المسبق» في تطبيقاتها. على سبيل المثال -والكلام افتراضي فقط هنا- في كل مرة يطلب فيها أحدهم سيارة، يمكن أن يطرح التطبيق عليه أسئلة حول الأعراض التي من المحتمل أن يكون أظهرها من قبل، وعن مدى عزله لنفسه.

يقول «زاك وازرمان»، كبير مسؤولي الإستراتيجية في فيا، أن الشركة تبحث في استخدام ميزة الفحص المسبق، إلى جانب ميزات وخدمات أخرى ستضيفها إلى منصتها. واحدة من الميزات الأكثر إثارة للجدل التي تفكر بعض شركات النقل الميكروي في تطبيقها بعد وباء كورونا؛ هي تتبع الاتصال. بشكل مبسط، تستغل هذه التقنية الانتشار الواسع للهواتف الذكية. وتعمل كالتالي: يُبلّغ المُستخدمون الذي أُصيبوا بكوفيد-19 بإصابتهم عبر تطبيق على هواتفهم الذكية، والذي يُعلِم بدوره أي شخص كان على اتصال قريب منهم (ومن هنا يأتي اسم التقنية) بذلك. لكن النقّاد قلقون بشأن منح الحكومات هذا الكم من المعلومات حول المواطنين.

تعمل العديد من البلدان حول العالم على استخدام تطبيقات تتضمن ميزة تتبع الاتصال، إذ استخدمت الصين -وهي من أوائل الدول التي تبنتها- تقنية «تتبع الإصابات» منذ فبراير/ شباط. وفي مارس/ آذار، أصدرت حكومة سنغافورة تطبيقاً يستخدم أجهزة بث إشارات البلوتوث في الهواتف الذكية، وجعلت شيفرته المصدرية متاحة للعامة. باستخدام هذه الشيفرة، طورت أستراليا تطبيقاً خاصاً بها وأطلقته في أبريل/ نيسان. وفي الشهر نفسه، أعلنت كل من آبل وجوجل عن الطرق التي تنوي استخدام البلوتوث فيها، وهي تتلخص بأن الهواتف ستحتفظ بسجل لكل مرة تقارب فيها شخصان أو أكثر لفترة من الزمن؛ تكفي لانتقال المرض من أحدهما للآخر. تُخزّن هذه المعلومات على هواتف المستخدمين، وتُستخدم لتنبيه الأشخاص الذين من المحتمل أن يكونوا تعرضوا للفيروس.

يمكن تضمين تطبيقات مثل هذه في نظام النقل الميكروي. لكن ما تزال شركتا سبير وفيا في مرحلة المحادثات المبكرة مع إدارات المدن حول القيام بذلك، كما أنهما ما تزالان في المراحل الأولى من تطوير هذه التطبيقات. للمساعدة في حماية خصوصية المستخدمين، تخفي كل من سبير وفيا بيانات المستخدمين وتشفّرها. وفقاً لمايود، سيكون استخدام تقنية تتبع جهات الاتصال اختيارياً لكل من المدن والمستخدمين.

تعمل أشكال أخرى من تقنية تتبع الاتصال بشكلٍ مستمر في الخلفية ضمن الهواتف المحمولة للأشخاص، إلا أن استخدامها عبر تطبيق خاص بنظام النقل الميكروي يعني أن المعلومات تُجمَّع فقط عندما يشاركها المستخدمون بأنفسهم. وقال مايود أن هذا قد يجعل الناس يشعرون براحة أكبر عندما يتعلق الأمر بمشاكل الخصوصية.

يقول «ألكسندر باين»، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلم الكمبيوتر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ومدير معهد دراسات النقل في نفس الجامعة، أنه على الرغم من الجهود المبذولة لحماية هويات المستخدمين، إلا أن الخصوصية وتقنية تتبع الاتصال متعارضتان بطبيعتهما. ليعمل نظام تتبع الاتصال بشكل صحيح، يجب أن تعلم الشركات أو الجهات المعنية بالصحة هوية المصاب وما الأماكن التي كان فيها ومتى كان فيها، وذلك لكي تتمكن من تتبع الإصابات وكشف مصادرها.

على سبيل المثال، يمنح نظام تتبع الاتصال في الصين السلطات معلومات عن مواقع الهواتف التي يستعمل أصحابها التطبيق (وذلك بالإضافة إلى امتلاك الصين لنظام مراقبة قوي ومثير للجدل). كما توزّع السلطات في الصين أيضاً رموزاً شريطية (باركود) أو رموز كيو آر على هواتف المواطنين، واللتان تحددان إذا كان من المسموح لهم أن يتواجدوا في الأماكن العامة أم لا.

أدى هذا النهج إلى إبطاء انتشار المرض لأنه منح السلطات القدرة على تنبيه الناس مباشرة حول احتمال إصابتهم، أو إعلامهم بضرورة بدء الحجر الذاتي. وقال باين أن كل دولة ستتعامل مع هذه المقايضة بين الخصوصية والقدرة على تتبع المرض بطريقتها الخاصة.

قد يواجه نظام النقل الميكروي مشاكل أخرى أيضاً. يقول باين أنه بالرغم من إمكانية توفير رحلات رخيصة لذوي الدخل المنخفض، إلا أنه من الناحية العملية، قد تظهر إشكاليات متعلقة بالمساواة. عادة ما تعتمد هذه الأنظمة على الهواتف الذكية، على الرغم من أنه يُسمح للأشخاص في بعض المدن تقديم الطلبات باستخدام أي نوع من الهواتف. لكن حول العالم، تتفاوت نسب الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف الذكية بشكل كبير.

في الولايات المتحدة، يمتلك 53% فقط من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة أو أكثر هاتفاً ذكياً، وفقاً لتقرير في عام 2017 من مركز بيو ريسيرتش، مما قد يحد من قدرة هذه الفئة من السكان على استخدام خدمات النقل الميكروي.

قد يتعثّر أيضاً نظام النقل الميكروي بعد انتهاء الجائحة وعودة الناس إلى التنقل جيئة وذهاباً. إذ أنه وكما تقول فيجون. فقبل انتشار كوفيد-19، كان من الصعب على أنظمة النقل الميكروي التنافس مع قدرة الحافلات الهائلة على نقل الركاب. لكنها أضافت أن النقل الميكروي يمكن أن يبقى مفيداً حتى مع انتهاء فترة التباعد الاجتماعي، بالرغم من أنه من المحتمل أن يواصل العديد من الناس العمل من منازلهم على إثر الجائحة.

يمكن أن يحل نظام النقل الميكروي محل بعض طرائق النقل ذات المسارات الثابتة في المستقبل نظراً لأنه نظام عملي للغاية. علاوة على ذلك، قالت فيجون أنه بسبب استخدام الناس لنظام النقل الميكروي بشكل أساسي في التنقل من وإلى محطات الحافلات والقطارات، فهو يسهّل استخدام وسائل النقل العام التقليدية بالنسبة لهم. وأضافت أنه يمكن استخدامه أيضاً في المناطق الريفية التي لا تتوفر فيها خدمات نقل عام جيدة، حيث تكون المسافات بين مواقف الحافلات كبيرة، وأنه من المحتمل أن تعتمد المزيد من المدن نظام النقل الميكروي في المستقبل.

في هذه الأثناء، بينما تكون شوارع المدن هادئة نسبياً، يمكن لوكالات النقل البدء في التفكير بطرق جديدة ومبتكرة لخلق أنظمة نقل أكثر مرونة، كما تقول فيجون. يمكن أن تتخذ هذه الأنظمة العديد من الأشكال، من الدراجة الإلكترونية والطرق الخاصة بالدراجات الهوائية إلى أشياء مثل النقل الميكروي. تهدف كل هذه السبل إلى تعزيز دور وسائل النقل العام، وتقليل الازدحام الذي تسببه المركبات الخاصة.