Image

لم يبق هذا المسافر طويلاً قبل أن يرحل مبتعداً

Bread assortment تبين هذه الصورة المتحركة المسار الفريد للجسم الغريب الذي اخترق نظامنا الشمسي بسرعة خلال الأشهر القليلة الماضية.
حقوق الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا

لطالما كان السفر بين النجوم حلماً للبشرية على مدى أجيال كاملة. وعلى الرغم من أننا لن نكون قادرين على قطع هذه الرحلة قبل فترة طويلة، يوجد غيرنا من المسافرين المخضرمين الذين يندفعون عبر المجرة، وقد مر أحدهم بنظامنا الشمسي الأسبوع الماضي.

كان الفلكي روب ويريك، وهو باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في معهد الفلك بجامعة هاواي، يعمل على البيانات التي جمعت من تلسكوب “بان-ستارز1” التابع للجامعة في 19 من أكتوبر، عندما لاحظ جسماً غريباً يتحرك، وأبلغ عنه مركز الكواكب المصغرة، والذي يقوم بإعداد التقارير عن الكواكب المصغرة، والأقمار، والأجسام الطبيعية التي تدور حول الكواكب، والمذنبات، من جميع أنحاء العالم.

يساعد تلسكوب “بان-ستارز1” ناسا على التعرف على الأجسام القريبة من الأرض وتتبع مسارها، مثل الكويكبات القريبة. وحتى الآن، كان النظام الشمسي منشأ جميع هذه الأجسام، لكن هذا الاكتشاف كان مختلفاً، فبدلاً من البقاء والتحرك في نفس المستوي تقريباً مثل معظم الكواكب الأخرى، انطلق هذا الجسم في مسار شبه عمودي على كل شيء آخر في النظام الشمسي.

كانت هذه الملاحظات مشابهة لملاحظات فلكيين آخرين رصدوا هذا الجسم بتلسكوبات مختلفة حول العالم، وأرسلوا التقارير حول تتبع حركة الجسم أثناء رحلته، والتي كانت غريبة بدون شك، ومشوقة للغاية.

يقول ديفيد فارنوتشيا، عالم في مركز دراسات الأجسام القريبة من الأرض التابع لناسا: “لم أر من قبل مداراً بهذه المواصفات المتطرفة على الإطلاق، يمكن أن نقول بثقة، نظراً للسرعة الشديدة وشكل المسار، أن هذا الجسم سيغادر النظام الشمسي ولن يعود أبداً.”

أطلق على الجسم اسم مؤقت: A/2017 U1، ويبلغ طوله أقل من 400 متر، كما دخل النظام الشمسي بسرعة 24.14 كيلومتر في الثانية. في البداية، ظن الجميع أنه مذنب، ولكنه لا يتمتع بالذيل المميز للمذنبات. ووفقاً لحسابات الفلكيين، فقد مر في أقرب نقطة من الشمس في 9 من سبتمبر، بعد أن دخل قليلاً ضمن مدار عطارد.

قامت جاذبية الشمس بتغيير مسار وسرعة الجسم، وقذفت به إلى خارج النظام الشمسي متجهاً إلى كوكبة بيجاسوس. مر الجسم في أقرب نقطة من الأرض في 14 أكتوبر، على بعد 24.14 مليون كيلومتر، أي أقل من نصف المسافة بين الأرض والمريخ.

لا نعرف الكثير عن هذا الجسم، وحالياً، يتحرك مبتعداً عنا بسرعة تساوي تقريباً 43.45 كيلومتر في الثانية، وبالتالي لن يتاح للفلكيين الكثير من الفرص للحصول على ملاحظات دقيقة، على الرغم من وجود احتمال أن يلتقط تلسكوب هابل صورة سريعة له وهو يبتعد.

يقول فارنوتشيا في بريد إلكتروني: “لقد أصبحت الإشارات الواردة من الجسم ضعيفة، وهي تخفت بسرعة كبيرة. ولكن يمكننا أن نستخدم التلسكوبات الكبيرة لتتبع موضعه لشهر أو اثنين، على الرغم من أنه ابتعد لدرجة يستحيل الحصول على خصائصه الفيزيائية أو قياس حجمه، أو كتلته، أو تركيبه.”

يصب العلماء كل جهودهم على البيانات التي حصلوا عليها من قبل، ويحاولون التقاط لمحة للجسم قبل أن يغيب تماماً. ويبدو أن النتائج الأولية مثيرة، وإضافة إلى أنه ليس مذنباً، يبدو أنه يتمتع بلون أحمر واضح، مشابه للكويكبات في حزام كيبر.

مع تراكم النتائج والملاحظات، يشعر الباحثون بالحماس لرؤية دليل على شيء لطالما ناقشوه ووضعوا النظريات حوله، ولكن بعضهم لم يتوقع رؤيته فعلياً خلال مهنته، أو على الأقل، خلال بضعة عقود.

حتى الآن، يبدو أن الملاحظات تتوافق مع النظريات المنشورة. ففي ورقة بحثية نشرت في 2016، توقع مجموعة من الفلكيين، بما فيهم دارين راجوتزيني من جامعة بريجام يونج، أنه يمكن لجسم من بين النجوم أن يبدو كجسم قريب من الأرض بناء على طريقة تحركه، وهو ما اعتقده الباحثون في البداية في حالة A/2017 U1، قبل أن يحصلوا على معلومات إضافية حوله.

حالياً، يحتفل الباحثون بهذا الاكتشاف، ويحاولون في نفس الوقت جمع المزيد من المعلومات عن هذا الجسم، كما يتطلعون إلى العثور على زوار آخرين من بين النجوم. وبسبب المسار الغريب لـ A/2017 U1، يعتقد الباحثون أنه من المحتمل أنه قُذف به من نظام شمسي آخر بعيد منذ زمن.

تقول بوني مينكي، عالمة ونائبة مشروع التلسكوب الفضائي “جيمس ويب”، في بريد إلكتروني: “إن مراقبة الأجسام ما بين النجوم في نظامنا الشمسي يعني أننا ندرس حركية وتشكل الأنظمة الشمسية الأخرى. إذا كانت هذه الأجسام تخرج من أنظمتها الأصلية وتصل إلينا، يمكننا أن نحصل على بعض المعلومات حول تاريخ تشكل أنظمتها الأصلية. وهو مشابه لكيفية عمل علماء الكواكب، حيث يحصلون على معلومات عن المريخ بدراسة النيازك المريخية التي تضرب الأرض.”

في المستقبل، سنحصل على جيل جديد من التلسكوبات الكبيرة، بما في ذلك تلسكوب المسح الشامل الكبير، والذي يتم بناؤه حالياً في تشيلي، ويمكن للباحثين مثل راجوتزيني أن يستخدموا هذه التلسكوبات للحصول على المزيد من المعلومات حول منشأ هذه الأجسام، وما إذا كانت قادمة من نجم ما قذفها نحو أعماق الفضاء، أو أنها كانت تتجول في المجرة من نجم إلى نجم منذ مليارات السنين.

يقول فارنوتشيا: “تبحث ناسا عن الكويكبات الخطيرة منذ حوالي عشرين عاماً، وبالتالي يمكننا القول بأننا سنكتشف جسماً واحداً من خارج النظام الشمسي كل عشرين سنة، وربما أكثر، مع وجود عمليات مسح جديدة بتلسكوبات أقوى في المستقبل. لكننا لم نحقق سوى اكتشاف واحد حتى الآن، وبالتالي ليس من الممكن أن نجري إحصاءات، وليس من السهل أن نحصل على تقدير موثوق لعدد الأجسام الجديدة من بين النجوم التي ستزور نظامنا الشمسي، والتي يمكن أن نكتشفها.”

error: Content is protected !!