Reading Time: 3 minutes

تتمحور الكثير من جانب قصة الجنس البشري منذ الأزمنة السحيقة حتى يومنا هذا حول التكنولوجيا. يدرس علماء الآثار تطور التكنولوجيا ليبيّنوا كيف كان البشر يعيشون من قبل؟ وكيف كانوا يتفاعلون مع بيئتهم؟

تحدّت اكتشافات الإبداع والمهارات التكنولوجية في المجتمعات الإفريقية القديمة النظريات الغربية التي كانت عاجزة عن تفسيرها. حاول الأكاديميون الغربيون -بدلاً من ذلك- تفسير هذه النتائج كنتيجة للتأثير الخارجي. على سبيل المثال، فإن النقاش حول اختراع تعدين الحديد في إفريقيا ما يزال غير محسوماً. واستغرق الأمر عقوداً قبل أن يُنسب بناء صرح «جريت زيمبابوي» الصخري إلى الأفارقة.

إن بحثي الخاص جاري التنفيذ هو مثال آخر للطريقة التي تنقض فيها الأدلة الأثرية الافتراضات حول التكنولوجيا في المجتمعات الإفريقية. وجدْت أدلة أثرية لتكنولوجيا محلية لصنع الزجاج في «إيليه-إيفيه»، جنوب غرب نيجيريا، تعود إلى 1000 سنة.

تُبين هذه الأدلة أن المنطقة المذكورة لم يستهلك سكانها الزجاج الذي يصنع في أماكن أخرى وحسب، بل كانوا يساهمون بالإبداع والتجديد التكنولوجي. كما تشير الأدلة أيضاً إلى أن الخرز الزجاجي أُنتج بكميات كبيرة هناك، وتمت المتاجرة به كمنتج فاخر.

البحث عن الأدلة

تعود أقدم الأدلة لصنع الزجاج على أيدي البشر لسنة 2500 قبل الميلاد.

المناطق الأثرية المعروفة التي صُنّع فيها الزجاج قليلة وتتركز في الشرق الأوسط، وحوض البحر المتوسط وبلاد الشام.

أثناء دراسة موضوع صناعة الزجاج، يبحث علماء الآثار عن أدلة لبقايا الأفران، وللأدوات والمنتجات المكتملة والمخلفات الناتجة عن عملية التصنيع، وأدلة لوجود أو توافر المواد الخام. ومما يزيد الأمر تعقيداً هو أن تصنيع الزجاج لا ينتج الكثير من المخلفات النهائية، وذلك لأن تلك الأخيرة (مثل المنتجات التي فشلت أثناء الصناعة والبقايا وغيرها) يُعاد استخدامها لتصنيع المزيد من الزجاج. ولكن أحياناً، يكون علماء الآثار محظوظون بالعثور على أكثر من شكل للمواد المتعلقة بتصنيع الزجاج ليدرسوها. وهذا كان هو الحال في إيليه-إيفيه، حيث يجري بحثي الخاص حول التصنيع المحلي للزجاج منذ ما يقرب من عقد واحد.

عبر السنين، ركّزنا على دراسة موقع اسمه «إجبو-أولوكن» يحتوي على أدلة لوجود مشغل لصناعة الزجاج معروفة من أكثر من قرن، ولكن لم تُدرس بشكلٍ مفصل من قبل. درسنا أيضاً مواد أثرية محفوظة في متحف التاريخ الطبيعي في جامعة «أوبافيمي آولوو» في إيليه-إيفيه.

التحف ذات الصلة بالزجاج المحفورة من إجبو-أولوكن، إيليه-إيفيه. من اليمين: شظايا بوتقة صنع الزجاج، ومن اليسار: الخرز الزجاجي.

التحف ذات الصلة بالزجاج المحفورة من إجبو-أولوكن، إيليه-إيفيه. من اليمين: شظايا بوتقة صنع الزجاج، ومن اليسار: الخرز الزجاجي. – الصورة: المؤلف

تتضمن المكتشفات الناتجة عن الحفريات الأثرية في إيليه-إيفيه العديد من الحفر التي تبدو وكأنها حطام أفران، وما يزيد عن 200 ألف خرزة زجاجية، وما مقداره 1500 شظية تعود لبوتقات (وهي أوعية من السيراميك تستخدم في تصنيع الزجاج)، وبضع كيلوجرامات من المخلفات الزجاجية.

كما وُجد في الموقع نفسه قطع من الزجاج نصف المشغول، وهي قطع مصنوعة من نفس المواد الخام التي يُصنّع منها الزجاج، لكنها لم تتحول بالكامل إلى زجاج. وهي موضوع الدراسة الأساسي في بحثي المنشور مؤخراً.

أنجزتُ تحليل مخبري لهذه المواد مع زملائي البروفيسور «تيلو غيجن» والدكتورة «لاورا دوزوبيو»؛ حيث زوّدنا بفهم أفضل للتركيب الكيميائي لها. كنا قادرين على تحديد أنواع ومصادر المواد الخام التي استُخدمت في التصنيع، وعلى كشف خطوات العملية التكنولوجية التي استخدمت فيه.

أظهرت نتائج التحليل أن الزجاج في إيليه-إيفيه مميز كيميائياً. ويشار له اليوم بالزجاج عالي الكلس عالي الألومينا (زجاج أتش إل أتش إيه)، وهو لم يكتشف من قبل في أي مكان آخر من العالم.

ما تبعات هذه الاكتشافات؟

يعد موقع «إجبو-أولوكن» في «إيليه-إيفيه» هو أول مشغل رئيسي للزجاج يُكتشف في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا. وكأقرانهم في أماكن أخرى من العالم، بحث مصنعوا الزجاج في «إيليه-إيفيه» عن المواد الخام المتوافرة في المنطقة، سواء كانت مصادرها جيولوجية أم في الغابات. تبيّن أن تراكيز العناصر الموجودة في زجاج إجبو-أولوكن تتوافق مع التراكيب الجيولوجية للمنطقة، مما يشير إلى أن المصنعين ابتكروا وصفاتهم الخاصة لصناعة الزجاج باستخدام الموارد المتاحة.

استخدم المصنعون الرمل الجرانيتي عالي الفلسبار أو/و البيجماتيت كمصدر للسيليكا. كما استخدموا قواقع الحلزون التي ساهمت في تخفيض درجة ذوبان السيليكات وتحسين نوعية الزجاج؛ والتي كانت تضاهي نوعية الزجاج التي كانت تصنعها المجتمعات القديمة الأخرى.

يبين لنا البحث الجديد -بالإضافة إلى تبيانه لتعقيد هذه التكنولوجيا- معلومات إضافية عن الدور الذي لعبته المجتمعات الغرب إفريقية في التجارة الإقليمية. لقد أوضحنا أن الخرز الزجاجي كان المنتج الأساسي الذي صنّع في الورشات في إيليه-إيفيه. ويبدو أنه قد أُنتج بكميات كبيرة بهدف المتاجرة. وهذا يعني أن إيليه-إيفيه كانت منطقة مصنعة وموّردة للمنتجات الفاخرة.

كما هو معروف من الأدلة الأثرية، فإن منطقة جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا كانت مرتبطة بشبكة التجارة العالمية من خلال استيراد منتجات مثل الخرز الزجاجي منذ 600 – 400 قبل الميلاد. لكن هذا المنتج الفاخر كان موجوداً في المنطقة منذ 1000 سنة أيضاً.

تردد الأفارقة على المصادر المحلية، ونشروا واستهلكوا المنتجات المصنعة محلياً. وُجد الخرز الزجاجي عالي الكلس وعالي الألومينا في البلدات والمدن التجارية الأولى غرب إفريقيا مثل جاو وإيسوك (مالي اليوم)، كما استخدم في تزيين المدافن في إجبو أوكوو غرب نيجيريا.

سلط البحث الجديد الضوء على جانب من ماضي إفريقيا غالباً ما يفسّر بشكلٍ خاطئ، أو حتى قد يُطمس بشكلٍ كامل. لطالما ساهمت إفريقيا في الاكتشافات التكنولوجية والأنظمة الاقتصادية العالميين، كما أن لهذه القارة تاريخاً مخفياً من الإبداع.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن