Image

لم يقم جوجل بإكمال هذا العنوان...

Bread assortment أخبرها يا جيميل!
مصدر الصورة: تقدمة من جوجل

ما زالت جوجل تتابع إطلاق ميزة التأليف الذكي إلى مجموعات كبيرة من المستخدمين، وتقوم هذه الخدمة في جيميل -التي أُعلن عنها في مايو، ولكن تم إطلاقها ببطء- بتوليد اقتراحات لكيفية إنهاء هذه الجملة، أو غيرها.

وتعمل هذه الميزة كالتالي: بدلاً من التحديق في صفحة فارغة، تظهر كلمات شبحية بلون رمادي فاتح وسط جُملك الناقصة، وعندما تضغط على المفتاح Tab تدخل كلمات جوجل بشكل انسيابي ضمن كتابتك، وكأنك قمت بكتابتها بنفسك.

وعندما حاولت كتابة هذه المقالة في رسالة فارغة جديدة في جيميل، لم يحدث شيء! يبدو أن هذه الخدمة لم تتمكن من التعامل مع جرعة الإبداع الزائدة في جُملي هذه. ولكن مع تزايد تكرار الرسائل إلى زملائي، ومع احتوائها على أسئلة عن العقود أو أشياء إدارية أخرى، بدأ جيميل يملأ الكلمات ذاتياً في “مرحباً يا (اسم الشخص)” في محاولة لجمع بضعة جمل سهلة، بل إنه قام حتى بتوليد خاتمة وداعية حارة للرسالة، وهي: (آمل بصدقٍ أن أراك قريباً أيها الزميل).

وقد يبدو هذا بالنسبة لكثير من المستخدمين مجردَ تحسين -أو إزعاج- إضافي في عالم البريد الإلكتروني الذي بدأ يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، فقد أطلق جيميل خدمة الرد الذكي منذ عدة أشهر، مما أتاح للمستخدمين إمكانية الرد السريع على ملاحظةٍ ما بجملة مؤتمتة من كلمتين أو ثلاثة، مثل: “هذا جيد” أو “هذا ليس ممكناً”. كما أن جوجل تقوم منذ عدة سنوات بإكمال عبارات البحث التي نبدأ بكتابتها، أما بالنسبة للآخرين فهو يعد انتهاكاً صارخاً للخصوصية، أو خدمة أشبه بالزومبي الذي يسعى في أفلام الرعب إلى التهامنا، والتهام قدرتنا على إجراء حوار حميمي أو خلَّاق.

لا شك في أن التحديث مهم، وستزداد أهميته مع الوقت، ورغم أن الميزات السابقة كانت عبارة عن طريقة سريعة و(خبيثة) للتعامل مع الرسائل قليلة الأهمية، إلا أن هذه الأداة الجديدة تعد هي الخطوة الأولى نحو المستقبل، حيث تقوم رسائل البريد الإلكتروني -أخيراً- بكتابة نفسها بنفسها.

 

الوجهة النهائية لجميع رسائلي.
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

يمكننا القول إن علاقة العالم العصري مع البريد الإلكتروني -باختصار- غير سليمة (ولا يمكن احتمالها، وواهية، ومثيرة للجنون بلا مواربة)، ووفقاً لتقرير أصدرته شركة أدوبي في 2016، فإن الموظف يمضي وسطياً أكثر من 4 ساعات يومياً وهو محدِّق في رسائل البريد الإلكتروني، هذا يعني 20 ساعة أسبوعياً، أو ما يعادل وظيفة بنصف دوام، يمضيها الشخص وهو يحدق في رسائل نصية صغيرة على شاشة مُنهِكة للعينين.

وعلى الرغم من محاولاتنا المتواصلة، إلا أن البريد الإلكتروني لا يفيد إلا فيما ندر، حتى أن بحثاً أُجريَ في جامعة جلاسجو يشير إلى أن حوالي 80% من رسائل البريد الإلكتروني غير ضرورية، ووفقاً لهذا التقرير فإن هذه الرسائل تتألف من ملاحظات لم يكن هناك من داعٍ لإرسالها على الإطلاق، أو خطابات حول مواضيع هامة ومعقدة لدرجة الحاجة إلى مناقشتها شخصياً. وإذا كانت هذه الأرقام واقعية فعلاً -وهي تبدو واقعية بدون شك- فهذا يعني أن نسبة الرسائل الضرورية هي 20%، أي رسالة واحدة من أصل كل خمس رسائل، وتحديداً فهي تلك المتعلِّقة بمشاركة الوثائق، أو بسؤال محدد، أو بالتعويض عن فروقات التوقيت.

ويتعامل كل شخص بطريقته الخاصة مع هذه المهمة الصعبة التي لا تنتهي، وعلى سبيل المثال يوجد على هاتف المحرِّر التقني في بوبساي (واسمه ستان) عشرات الآلاف -بدون مبالغة- من الرسائل غير المقروءة، والإشعارات الحمراء التي تبدو غاضبة من طول الانتظار، ورغم أنه يجيب على جميع الملاحظات التي يتلقاها من الكُتَّاب طبعاً، إلا أن الرسائل الإخبارية غير المرغوبة، والرسائل الترويجية، ورسائل الشكر الرسمية… جميعها يقف في طابور يستطيل باستمرار. أما نحن الذين نتميز بصندوق وارد خالٍ من الرسائل غير المقروءة، فلسنا في حال أفضل، فعلى الرغم من أننا نتفاخر بواجهة أقل فوضى ومجموعة من المجلدات والتصنيفات التي تناسب هوسنا بالترتيب، إلا أن الوقت الذي نمضيه في محاولة ترويض جيميل يذهب هباء منثوراً بكل وضوح.

وعلى الرغم من كل السأم والتبرم، يبدو الكثيرون مترددين في مسألة أتمتة البريد الإلكتروني، ولأسباب وجيهة؛ ففي رسالة إخبارية حديثة لاحظ الكاتب كايل تشايكا أن منح قدر من التحكم في التأليف لخدمة البريد الإلكتروني -حتى في أشياء صغيرة مثل رسالة نصية إلى والدتك أو ملاحظة إلى رب عملك- يسمح للشركات بالتلصُّص على اتصالاتك، وقد كتب تشايكا: “لقد لاحظت أن استخدام إشارة الدولار في تطبيق الرسائل على هاتف آيفون يحوِّل أي نص إلى رابط لإرسال هذا المقدار من المال أو أسماء روابط لموسيقيين من أجل الاستماع إلى أغانيهم على آيتيونز؛ إن هذا التصرف الهادف إلى دفع المستخدمين نحو منتجات الشركة -عن طريق استغلال كلماتهم نفسها- هو أقرب إلى التلاعب منه إلى الإزعاج”.

وفي نفس السياق عبر ديفيد كريستال -والمعروف بأنه أب “لسانيات الإنترنت”- عن مخاوف مماثلة، وقد أخبرني في رسالة بالبريد الإلكتروني أنه يعتقد أن “السيئة الأساسية تكمن في إضعاف الحافز على الإبداع الشخصي، وجعل المستخدمين يميلون إلى التكاسل والقبول بجملة لا تعبر فعلاً عما كانوا يريدون قوله”، ويضيف أن الذكاء الاصطناعي قد يتسبب في بعض المواقف المحرجة، حيث يقول: “أتوقع وجود ردة فعل قوية عندما يشك متلقي الرسالة في أن المرسل لم يتكلف عناء كتابتها بالكامل شخصياً، أو عندما يتلقى رسالة تحوي نفس الجمل في رسالة سابقة”.

ويقترح تشايكا ألا نلجأ إلى فلترة حياتنا الرقمية باستخدام دماغ اصطناعي مهذِّب ومنمِّق للعبارات، بل علينا أن نتخلص من قيودنا الاجتماعية، ونرد على الرسائل وفقاً لمشاعرنا الفعلية، وفي الواقع فإن هذه المقاربة ليست الأولى من نوعها، فقد دعا إليها الملياردير مارك كيوبان، وهو مالك فريق دالاس مافريكس لكرة السلة، والوجه الرئيسي في برنامج تلفزيون الواقع Shark Tank، ومن أهم مستخدمي البريد الإلكتروني على مستوى العالم.

كما كتبت كايتي نوتوبولوس في مقالة مَرِحة في Buzzfeed في 2017: “لقد حاولت أن أستخدم البريد الإلكتروني كأنني مدير تنفيذي، وبصراحة أصبحت حياتي أكثر سهولة”، حيث إن مارك كيوبان يجيب على جميع رسائل البريد الإلكتروني التي يتلقاها -بدون استثناء- وباستخدام أقل عدد ممكن من الكلمات؛ حيث إن “نعم” تعتبر رسالة كاملة، وكذلك “كلا”، وبهذا تتوزع الردود بسرعة وبدون تأمل أو إعادة صياغة.

وقد ربطت نوتوبولوس في مقالتها -وبذكاء- ما بين أسلوب كيوبان وسلطته، وذلك لأنه أشبه بالقرش (ومن هنا أتى اسم البرنامج التلفزيوني آنف الذكر) ولا يخشى من أية عواقب، وهي تلحظ أن أشخاصاً آخرين يتمتعون بالسلطة يكتبون بنفس أسلوب المدير التنفيذي، حيث إن الرسائل المسرَّبة من البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون تكاد تكون مطابقة في أسلوبها لرسائل كيوبان، غير أن هذا الاقتضاب هو أيضاً اعتراف بالاستخدام الأساسي للبريد الإلكتروني. ومن المفيد أن نتذكر أن التراسل الإلكتروني اختُرع بفضل مخاوف العلماء حول مسألة تشارك المعلومات في حال وقوع كارثة نووية في الستينيات!

 

ولم نتوصل بعد إلى ابتكار بريد إلكتروني لا يحتاج إلى جهد، حيث إن وظيفة الإكمال الآلي ليست متطورة كثيراً، وتقتصر فقط على المعلومات الأساسية والمجاملات العامة، حتى أن مديرتي عندما قامت بإرسال رسالة إليَّ بعد أن ألَّفها جيميل بالكامل تقريباً، استجاب حساب جيميل الخاص بي بوضع إشارة على الرسالة بوصفها “محاولة تصيُّد إلكتروني للمعلومات” مع تحذير بعدم الرد، ومع ذلك فميزة التأليف الذكي تَعِدُ بالكثير. وعندما راسلت مارك كيوبان لأسأله عن رأيه في هذه الميزة، أجاب بعد 50 دقيقة قائلاً: “إنها رائعة للغاية، وتمنحني على الأقل 30 دقيقة إضافية يومياً”.

ولكن، ما نسبة الأتمتة في رسالته تلك؟ هذا ما لن أعرفه على الإطلاق.

error: Content is protected !!