Image

نأمل أن يبدو مظهرنا جيداً عندما نبلغ مئة وسنة واحدة من العمر!

Bread assortment جورج الوحيد، آخر سلحفاة عملاقة من سلاحف جزيرة بينتا.
مصدر الصورة: Stanford Woods/Flickr

نفقت السلحفاة البريةجورج الوحيدعندما أصبح عمرها قرابة المئة وواحد سنة. الغريب في الأمر أن هذا العمر ليس طويلاً مقارنة بأعمار سلاحف جزر الغالاباغوس عادةً، التي يطول بها العمر حتى تبلغ المئة وخمسين عاماً، كما أنه لم يكن ذا حجم كبير، إذ لم يكن وزنه يتجاوز الـ 88 كيلوغراماً، وهو وزن ليس كبيراً مقارنة بمتوسط أوزان السلاحف الشبيهة به والبالغ حوالي مئة وخمسين كيلوغراماً. إلا أن الذي لفت أنظار الباحثين للسلحفاة البريةجورج الوحيدلم يكن مواصفاته الجسدية، بل لأنه كان آخر كائن من نوعه في سلالته.

تنتشر السلاحف العملاقة في كثير من أنحاء العالم، مع أنها تدبّ ببطء وتمشي رويداً. فقد اكتشف العلماء أن نوع السلاحف المسمى ميغالوكيليس أطلس (Megalochelys atlas) كان يتجول في منطقة البنجاب في الهند، في حين كانت السلاحف من نوع هيسبيروتستودو كراسيسكوتاتا (Hesperotestudo crassiscutata)  تعبر منطقة أمريكا الوسطى وصولاً إلى جنوب الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أدرك العلماء بعد بحوث أن ضخامتها ليس نتيجة لعيشها في الجزر، لأنها حتى في ذلك الوقت كانت عملاقة، ولم تكن صغيرة ثم تضخمت مثلاً. إنما يكمن السبب في أن السلاحف العملاقة هي النوع الوحيد من السلاحف الذي نجا في العيش في المناطق النائية من الأراضي المنعزلة والمحاطة بمياه المحيطات في مختلف المناطق ذات الطقس المداري حول أرجاء العالم، حيث لم يتسبب تغير المناخ والتوسع السكاني البشر إلا بأضرار طفيفة على نمط عيشها.

ومع أننا كنا متأخرين جداً على إنقاذ السلاحف من نوع جورج الوحيد، المسماة علمياً ب،كيلونويديس أبينغدوني، (Chelonoidis abingdonii)، إلا أن علماء الجينات وخبرائها لا زالوا يبذلون جهودهم الآن في محاولة تركيب القطع المجزأة وتكوين صورة وفهم أفضل لهذه الكائنات العملاقة بتفحص ودراسة الحمض النووي الخاص بالسلحفاة البريةجورج الوحيد“. ومع أنه كما قلنا، لا يتمتع بأي شيء مميز فيما يتعلق بخصائصه الظاهرية، إلا أن جيناته مهمة جداً ومميزة. إذ أنه ولكونه أحد الكائنات الحية طويلة العمر على سطح الأرض، تعد السلاحف العملاقة من نوع كيلونويديس أبينغدوني، وغيرها من السلاحف البرية العملاقة محل اهتمام كل من يريد معرفة سرّ مقدرة بعض الحيوانات على العيش لفترات طويلة من الزمن.

وهذا هو السبب الذي حدا بهذه المجموعة الدولية من علماء الجينات وخبرائها وعلماء الأحياء لجمع عينات من السلحفاة جورج الوحيد، وغيرها من أنواع السلاحف البرية العملاقة، ليتفحصوا جيناتها، ويقارنوها بغيرها من جينات الكائنات الأخرى. وكعادة العلماء، نشروا نتائج بحوثهم في ورقة علمية محكمة صدرت في مجلةنيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن” (Nature Ecology & Evolution). أتاحت عملية المقارنة هذه لعلماء الجينات أن يكتشفوا الجينات ذات معدل التكرار العالي في السلاحف ذات العمر الطويل، مقارنة بمعدل تكرارها في الأحماض النووية للزواحف أو الثدييات الأخرى (وهذا ما يسمى علمياً بالانتخاب الإيجابي). ومن خلال تفحص أجزاء الحمض النووي الأكثر شيوعاً بين السلاحف العملاقة، يستطيع العلماء والباحثون اكتشاف أنواع السمات التي تمكّن هذه الحيوانات من الحياة لفترة أطول. هذا بالطبع، لا يعني أن أي جين من الجينات التي حددها العلماء يمكن أن يكونجين العيش الطويل، لكنه يعني أن تلك المجموعة من الجينات من الراجح أنها هي التي تمكّن الحيوان من الحياة لفترة أطول.

السلحفاة جورج وهو يمضي قدماً في مركز البحث “تشارلز داروين”، حيث عاش أيامه الأخيرة.

لتوضيح ذلك، لنأخذ المثال الذي تعلمناه في حصة الأحياء والمتعلق بالقُسيمات الطرفية (للصبغيات). حيث أن هناك في طرف كل قطعة من الحمض النووي أجزاء من السلاسل المتكررة تدعى القُسيمات الطرفية (telomeres)، تؤدي دورها بمثابة قلنسوة (غلاف حافظ) نهائية لكل خيط من الحمض النووي. تبدأ جميع الأحماض النووية بقسيمات طرفية طويلة جداً لأن آلية عمل الخلية التي تنسخ الحمض النووي ليست آلية مثالية ولا يمكنها استنساخ كامل الخيط النووي، حيث أن جزءاً صغيراً في طرف الخيط يُقطع كل مرة يتم فيها الاستنساخ. فلو لم تكن القسيمات الطرفية موجودة، لكانت الخلية تقطع دائماً أجزاء من الحمض النووي قد تمثل رموزاً لبروتينات مهمة جداً، ولو حدث هذا لما كان هناك خلايا تستنسخ الحمض من الأساس. لكن ما يحدث فعلاً هو أن الخلية تقطع القسيمات الطرفية، التي لا تُرمز لشيء. تكمن المشكلة هنا في أن الخلايا لا تستطيع أن تُنمي القسيمات الطرفية بعد قطعها، لينتهي بها الأمر إلى قصر طولها مع كل استنساخ مما يمنع الخلايا من مواصلة الانقسام والتكاثر. تعد هذه العملية جزءاً هاماً من العوامل المؤدية إلى التقدم في العمر، ولذلك ليس مستغرباً أن تحوم دراسات مراكز بحوث مكافحة الشيخوخة وطول العمر حول الطرق والتقنيات التي من شأنها إما إبطاء قصر القسيمات الطرفية أو إعادة إنتاجها بعد تلاشيها.

وبالعودة للسلاحف العملاقة، اكتشفت هذه الدراسة أنها تمتلك جينات مختلفة في البروتينات المتخصصة في إصلاح وصيانة الحمض النووي، لا سيما البروتينات المتعلقة بالقسيمات الطرفية. وقد رأى الباحثون أن عملية صيانة القسيمات الطرفية هذه من الوارد أن يكون لها يد في إطالة عمر هذه السلاحف.

إلا أن الأكثر إثارة للاهتمام في الدراسة هو قدرة هذه الأنواع السلحفائية العملاقة مثلجورج الوحيد، على تجنب أحد بلايا عصرنا الحديث، المتمثلة في السرطان. بهذا الصدد، نقرأ في الورقة البحثية ما كتبه مؤلفوها، مشيرين إلى ما يسمىمفارقة بيتو” (Peto’s paradox)،من أهم الخصائص التي تتمتع بها الفقاريات كبيرة الحجم وذات العمر الطويل قدرتها العالية على تجنب الإصابة بالسرطان“.

من الراجح أنك لم تسمع من قبل باسم بيتو ناهيك عن مفارقته، لذلك دعنا نشرح من هو بيتو وما هي مفارقته أولاً.

بيتو، هو ريتشارد بيتو، أستاذ علوم الإحصاء الطبية وعلم الأوبئة بجامعة أوكسفورد، الذي لاحظ أن الحيوانات كبيرة الحجم لا تصاب بالسرطان، بنسب عالية جداً مقارنة بالحيوانات الأصغر حجماً. ومع أنها قد تبدو ملاحظة غير مهمة لأول وهلة، إلا أنها ملاحظة ثاقبة ومدهشة بالفعل، نظراً لحقيقة أن الحيوانات الأكبر حجماً تمتلك عدداً أكثر من الخلايا. وكما هو معلوم، يعتبر السرطان داءً يتمحور حول انقسام الخلايا، ففي كل مرة تنقسم فيها الخلية لا بد عليها من استنساخ حمضها النووي، لكن هذه العملية لا تخلو من الأخطاء. الأمر الذي يعني أن كل عملية انقسام ترفع من إحتمالية وقوع طفرة. بالتالي كلما كان عدد الانقسامات أكثر، زاد عدد الطفرات، وكلما زاد عددها ارتفع احتمال تحول الخلايا الطبيعية إلى خلايا سرطانية.

وبما أن الحيوانات الأكبر حجماً لديها عدد أكثر من الخلايا، من البديهي أن نتوقع أنها أكثر عرضة للإصابة بالسرطان، ببساطة لأن أجسامها تجري عمليات الانقسام أكثر من الحيوانات الأصغر حجماً. لكن الواقع خلاف هذا التوقع البديهي. وهذا المقصود بمفارقة بينو. وعندما درس العلماء حجم الجسد الحيواني والتعرض للسرطان لم يجدوا أي علاقة ترابطية بينها وبين مختلف الأنواع الحيوانية. مع ذلك، وعندما ندرس أفراد النوع الحيواني الواحد، يختلف الأمر تماماً. حيث اكتشف العلماء أن البشر الأطول قامة لديهم معدلات أعلى للإصابة بالسرطان، وقد ثبت هذا الأمر حتى بعدما ضبط العلماء في دراساتهم العوامل الأخرى التي قد تتسبب بالسرطان (مثل التعرض للإشعاعات وغيرها). ومع أن هذا لا يعتبر دليلاً علمياً قاطعاً، إلا أنه يضاف لمجموعة الأدلة التي تدعم وجود هذه المفارقة. فإن كان حتى البشر الأكبر حجماً نوعاً ما من نظرائهم يتعرضون للسرطان بنسبة أكبر، فلا بد أن الأنواع الأخرى من الحيوانات الأكبر حجماً جداً طوّرت طرقاً لتجنب الإصابة به، وإلا، لو كان الأمر خلاف ذلك، لوجدنا أن جميع السلاحف البرية تنفق بسبب السرطان.

إلا أن السلاحف البرية، وعلى الرغم من حجمها الكبير، فمن النادر للغاية أن نجد إحداها مصابة بالسرطان. وهذا ما أكدته هذه الدراسة، حيث عثر علماء الأحياء عندما تفحصوا جينوم هذه السلاحف العملاقة على عدد أكثر من الجينات المعروفة على أنها تنتج مواداً تقمع تشكل الأورام، فضلاً عن نسخ أكثر أخرى من الجينات التي يعتقد العلماء أنها تساعد جهاز المناعة على التعرفوالقضاءعلى الخلايا السرطانية المحتملة. ومع أن هذه الإختلافات تعتبر طفيفة بحد ذاتها مقارنة بجينوم الحيوانات الأخرى، إلا أنه عند ضمها لبعضها البعض، تؤيد وجهة النظر التي تشير إلى أن السلاحف البرية العملاقة تتمتع بقدرة أعلى من غيرها على تجنب الإصابة بالسرطان.

بطبيعة الحال، لن نسرد في هذا المقال جميع تلك النتائج التي أسفرت عنها الدراسة واحد تلو الآخر، لأن عددها كبير جداً، ومعظمها يعج بتفاصيل علمية عالية التخصص. لكن لو أخذنا على سبيل أحد هذه النتائج، فهي تنص على أن السلاحف البرية لديها عمليات استقلاب أبطأ، مما جعل بعض العلماء يعتقدون أنه عامل يمكن أن يضاف إلى جملة العوامل التي تساعد على إبطاء الشيخوخة. كما أن هذه السلاحف تعرضت أيضاً لطفرات من الوارد أنها ساعدتها على تنظيم امتصاص الجلوكوز بطريقة أفضل ومقاومة نَقْص الأوكسيجين الوارد إلى الأنسجة العضوية في الجسم. لكن تحديد الجينات المساهمة في إطالة العمر، والطريقة التي تساهم بها في تحقيق ذلك يتطلب إجراء المزيد من البحوث ، وما هذه الدراسة بين أيدينا إلا خطوة في طريق ذلك. لأنه لا زال أمام العلماء والباحثين الكثير من العمل قبل أن تسفر هذه الدراسات عن نتائج تجعلالشباب يعودإلينا نحن البشر، أو إذا ما هبّت علينا نسائم الإيثار، لا زال أمامنا الكثير كي نستغل نتائج هذه الدراسة في إنقاذ الأنواع الأخرى من سلاحف غالاباغوس البرية. أما بالنسبة للوقت الحالي، فيكفي أن نعرف أن السلحفاة البريةجورج الوحيد، لا زال يساهمبعد رحيله المؤسففي تنوير عقولنا وإثراء معارفنا لنتعلم المزيد عن سلالته المنقرضة. ومع أنه قد يكون آخر كائن من سلالتهكيلونويديس أبينغدوني، إلا أنه يتربع بجدارة على عرش قلوبنا العلمية المفعمة بحب الاكتشاف.

error: Content is protected !!