Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


إذا كان الكون يملك مهارة في شيء، فستكون الخيمياء: وهي القدرة على تحويل مادة إلى مادة أخرى. تخلق النجوم ذرات أكبر من ذرات أخرى أصغر، وتقذف المعادن والغبار في الفضاء عند موتها. تُشكّل الجاذبية الكواكب من هذا الغبار. وفي الكواكب النشطة جيولوجياً كالأرض، تُغير الصخور والمعادن أشكالها بشكلٍ مستمر بسبب تأثير العوامل الجوية، إذ تُسحب إلى أعماق طبقة الوِشاح وتُذاب، ثم تُقذف إلى سطح الأرض.

الأجسام التي استطاعت الهرب بشكلٍ ما من هذه العملية العنيفة المستمرة تُسمى «الأجسام القديمة». فمثلاً، شهدت أقدم بلورات صخرية في الأرض على تاريخ الكوكب -الذي يمتد لـ 4.5 مليار سنة- بأكمله تقريباً. وإذا بحثنا عن أجسام أقدم، فمن شبه المستحيل أن نجد شيئاً. تشكّل النظام الشمسي من جزيئات الغبار الهائمة في الفضاء منذ حوالي 4.6 مليار سنة، وعندها، دمّرت الطاقة المنبعثة من الشمس حديثة السن كل شيء بجوارها، ولذلك من الصعب أن نجد أي أجسام أقدم من هذه البلورات.

صعب، ولكن ليس مستحيل. فقد نَجَت حبيبات الغبار البينجمي الأكثر خشونة من تشكل الشمس واشعاعاتها العنيفة لفترة تكفي لتلتقطها الكويكبات، حيث غابت عن عملية تشكل الكواكب وتطور الحياة. عادت بعض هذه الحبيبات أخيراً على ظهور النيازك إلى الأرض، حيث أمضى فريق من الباحثين الـ 30 سنة المنصرمة يبحثون عنها، ويُذوّبوها ليكشفوا أسرار ماضيهم الكوني السحيق. تعود إحدى الحبيبات إلى 7 مليار سنة، ما يقرب من عمر الكون.

يقول «فيليب هيك»، عالم الكيمياء الكونية في متحف «فيلد» للتاريخ الطبيعي في شيكاغو، ومؤلف مشارك لورقة بحثية نُشرت في بداية العام، تُفصل تاريخ الحبيبات: «أعتقد أن دراسة تاريخ المجرة بواسطة صخرة هو شيء رائع».

وفي حين أن معظم المواد النيزكية المحلية تكونت مع الشمس وبقية النظام الشمسي منذ 4.6 مليار سنة، فإن ما يقرب من واحد إلى واحد من المليون إلى واحد من المليار من وزن صخرة الفضاء؛ يأتي من حبيبات مجهرية لمعدن غير قابل للتدمير تقريباً، يسمى «كربيد السيليكون». يقول «فرانك جاينغارد»، باحث في تكنولوجيا النانو في مدرسة هارفارد الطبية ومؤلف مشارك للدراسة: «[إنها] قوية بشكلٍ لا يصدق، كالألماس». حبيبات هذه المادة هي آخر العناصر غير المتغيرة من سحابات الغبار النجمي التي شكلت الشمس والكواكب.

بعد إيجاد هذه الحبيبات لأول مرة عام 1987، طور فريق في جامعة شيكاغو وصفة لاستخراجها يصفها فيليب هيك بأنها تشبه «حرق كومة القش لإيجاد الإبرة». وفي عام 1990، سحق نفس الفريق 88 جرام من صخرة فضائية كبيرة تسمى نيزك «ميرشيسن» باستخدام الأسيد ومكونات كاوية أخرى؛ ذوّبت المعادن الأضعف. نتج عن هذه العملية بضع عشرات من حبيبات كربيد السيليكون الكبيرة بما يكفي لتحليلها. يعني ذلك في هذه الحالة أن عرضها يبلغ حوالي عُشر عرض شعرة الإنسان. أمضى الباحثون بعدها حوالي 30 سنة في تطوير وتحسين التقنيات اللازمة لدراسة الحبيبات.

لتحديد عمر شيء أقدم من النظام الشمسي، فستحتاج إلى عملية قابلة للتنبؤ -ساعة- تغيّر هذا الشيء بشكل تدريجي مع الزمن. اعتمد الباحثون في هذا على الأشعة الكونية، وهي جسيمات سريعة ترتطم أحياناً بحبيبات الغبار أثناء طوافها في الفضاء. كتحليل أولي، قدّر الباحثون تواتر هذه التصادمات، ولكن في التقرير الأخير، والذي نُشر في 13 يناير/ كانون الثاني 2020 في دورية «بي إن إيه إس»، استخدم الفريق قياسات حقيقية للأشعة الكونية من مركبات فوياجر التي دخلت مؤخراً إلى الفضاء البينجمي.

تُشظّي الأشعة الكونية القوية جزيئات الحبيبات، قاذفة بها بكل الاتجاهات. تضيع بعض القطع في الفضاء، لكن البنية البلورية لكربيد السيليكون تلتقط قطع أخرى، مثل أنواع محددة من الهيليوم والنيون. استطاع هيك وزملائه حساب الزمن الذي استغرقته الحبيبات في طوافها في الفضاء تحت تأثير الأشعة الكونية؛ عن طريق تذويب البلورات وعدّ الشظايا. وهو «إنجاز هام» حسب «جان ليتنر» الذي يدرس الغبار البينجمي في معهد «ماكس بلانك» للكيمياء في ألمانيا، والذي لم يشارك في البحث الجديد.

يتضمن البحث الجديد أدق سجل عمري لحبيبات الرمل خارج الأرضية حتى الآن، وهو نتج عن إعادة تحليل شاق للبيانات من دفعة أقدم من الحبيبات، بالإضافة إلى إجراء أبحاث جديدة في مجموعات غير مدروسة قبل من الحبيبات. تبدو بعض الشظايا أنها طافت لوحدها لمليارات السنين، ولكن معظم جسيمات الغبار تبدو كأنها قضت ملايين السنين فقط وهي مغمورة بالأشعة الكونية، وكأن شيء ما قد قذفها كلها إلى الفضاء دفعة واحدة قبل أن يساهم في تشكل المجموعة الشمسية بقليل. هذا الارتفاع الواضح في وفرة الغبار -كما يشير الباحثون- يقوّي الأدلة الفلكية التي تشير إلى أن الكون شهد فترة «الانفجارات الوليدة» لتشكيل النجوم، والتي قد تكون بدأت من 7 مليارات سنة. قذفت هذه النجوم أعمدة من الغبار أثناء موتها بعد بضعة مليارات من السنين من بداية الفترة، ناشرة بذلك المواد التي ستشكل -في وقتٍ قصير نسبياً- أنظمة مثل نظامنا الشمسي.

إن ربط أصولنا بهذه الفترة الافتراضية من الانفجارات الوليدة بناءً على الأعمار التقديرية لبعض عشرات من الجبيبات المعدنية؛ يبقى تخمينياً بالضرورة. ولكن ليتنر يعتقد أن محاججات الفريق مقنعة. يقول: «تمنحنا الدراسة الجديدة نظرة لما وراء تشكل الشمس ونظامنا الكوكبيّ، إلى التاريخ المجري للمحيط الشمسي».

لتقوية موقفهم -وربما أيضاً لإيجاد المزيد من الأدلة على مراحل جديدة من تشكل النجوم في الماضي السحيق-؛ يقول هيك أنه يتطلع إلى البحث عن المزيد من حبيبات كربيد السيليكون. في حين أن تدمير كميات قليلة من النيازك وإذابة أقدم المواد في النظام الشمسي يجعلانه حزيناً قليلاً، إلا أن متحف فيلد لا زال يمتلك عشرات الباوندات من نيزك ميرشيسن التي يستطيع الباحثون فحصها ببطء وحذر. يقول هيك: «لدينا هذا المخزن الكبير، ونريد أن نتأكد من أن تتمكن الأجيال اللاحقة من الاستفادة منه».