Reading Time: 4 minutes

بينما كان كايل روزينبالد يصعد جبلاً شديد الانحدار في جزيرة ماوي في صيف عام 2015، لاحظ وجود أشجار جميلة تغطي مساحات شاسعة حوله، وبدافع الفضول التقط بعض الصور وأراها أحد أصدقائه، وتبين له أنها تنتمي إلى فصيلة أشجار «أَرز برمودا»، إحدى الفصائل الخاصة بهذه الجزيرة، وزُرِعت للمرة الأولى في جزيرة ماوي أوائل القرن العشرين.

في تعليقه على هذه الحادثة، يقول روزينبالد، الباحث المشارك في مختبر ساكس في قسم البيئة والبيولوجيا التطورية بجامعة براون: «في بعض الأحيان، ينقل البشر بعض أشجار الجُزُر خارج بيئتها الأصلية إما إلى اليابسة، أو إلى جزيرة أخرى، وتتمكن من البقاء على قيد الحياة في الغابات هناك، كما حدث مع أشجار أَرز برمودا في جزيرة ماوي».

لم يسبق لروزينبالد أن زار برمودا، لكنه افترض أن مناخها يختلف عن مناخ جزيرة ماوي؛ ويقول في هذا الصدد: «خطرت ببالي فكرة: إنْ كان ظني في محله، فإن استمرار هذا النوع من الأشجار، في ظل مناخ ماوي، يظهر لنا الحاجز الحيوي الذي قد يساعدها على النجاة من تغير المناخ مستقبلاً، ومع ذلك ما زلنا نجهل ما إذا كان هذا الحاجز كافياً لاستيعاب التغيرات المناخية المتوقع حدوثها في برمودا أم لا»، وبعبارة أخرى، يمكن لأشجار أَرز برمودا التكيف مع مناخ جزيرة ماوي، لكن هذا لا يعني أنها قادرة على التأقلم مع مناخ الجزيرة لاحقاً في هذا القرن.

تظهر الأبحاث الحالية أن أشجار الجُزُر أقل تنوعاً من الأشجار على اليابسة، الأمر الذي يجعل موقفها حرجاً في ظل الظروف البيئية المتغيرة؛ فعلى جزيرة ما مثلاً، يكون الطقس البارد ملائماً لبعض أنواع الأشجار، أما على اليابسة، فبعض أنواع الأشجار يناسبها الطقس البارد، في حين يلائم الطقس الحار بعض الأنواع الأخرى؛ لذلك إنْ ارتفعت درجات الحرارة، فستنجو على الأقل بعض الأشجار على اليابسة، تلك التي يسمح تكوينها بتحمل الطقس الحار، أما أشجار الجُزُر، فمصيرها الهلاك، ويقول روزينبالد: «إنْ كان التغير المناخي يجعل طقس جزيرة معينة دافئاً للأنواع التي تستوطنها، أو جافاً، أو عاصفاً، فستَعْلق تلك الأنواع في جزيرتها دون إمكانية للفرار».

أشجار صنوبريات, أشجار, التغير المناخي

شجر «أرز برمودا» (Juniperus bermudiana) مع مخاريط ذكور — حقوق الصورة: مالكوم مانزر/ فليكر

بحث روزينبالد وزملاؤه، «دوف ساكس»، رئيس مختبر ساكس، وطالب الدكتوراه «دانييل بيريت»، أخطار التغير المناخي على أشجار الجُزُر، من خلال دراسة فصيلة الصنوبريات، وهي مجموعة تضم أشجار الأَرز، والصنوبر، والشربين. وفي معرض بحثه تساءل روزينبالد: «عندما تُمنح أشجار الجزر فرصة للنمو خارج منشئها الأصلي، فإلى أي مدى تحتمل التغيرات المناخية التي تواجهها؟ هل اكتساب هذه القدرة كافٍ لمساعدتها على النجاة في وجه تغيرات المناخ المتوقعة مستقبلاً؟».

وما توصلوا إليه يثير للقلق؛ إذ تظهر نتائج دراستهم، التي نشرت في دورية «Nature Climate Change»، أن التغير المناخي قد يؤدي إلى انقراض أشجار الصنوبريات التي تستوطن الجزر؛ أي رُبع التي درسوها، بحلول عام 2070. وكلما صغر حجم الجزيرة، زاد خطر انقراض هذه الأشجار؛ إذ لا مكان تفر إليه، وكلما كانت الجزيرة أكبر، كان المناخ أكثر تنوعاً؛ أي أن الأشجار بمقدورها الانتقال إلى مناطق أبرد في الجزيرة نفسها.

ويعلق روزينبالد على هذا قائلاً: «أخذتنا هذه النتائج على حين غرة، وقد خلصنا إلى أن التغير المناخي سيؤدي إلى انقراض هذه الأنواع، إذا لم نتخذ أي إجراءات لحمايتها من هذا الخطر». تستطيع الأشجار التكيف مع الظروف الجديدة، لكن التغير المناخي سيجعل الأمر في غاية الصعوبة. ويضيف روزينبالد: «تكمن المشكلة في أن قدرة بعض الأشجار على الاحتمال، والتكيف مع الظروف المتغيرة، تظل غير كافية لمواجهة التغيرات المناخية، التي من المتوقع أن تحدث في مواطنها الأصلية».

وهذا يعني أنه في الوقت الذي قد تزدهر فيه أشجار أَرز برمودا في جزيرة ماوي، فإن قدرتها على التكيف مع مناخ برمودا مستقبلاً «سيقتضي اكتسابها قدرة أكبر على التكيف»، حسب قول روزينبالد. ويضيف أنه بالرغم من ازدهار أشجار أَرز برمودا في أماكن مختلفة، «فللأسف، لا يشبه مناخ تلك المناطق المناخ المتوقع لجزيرة برمودا بعد 50 عاماً». ويؤكد هذا بقوله: «لا يوجد دليل يشير إلى أن أشجار أَرز برمودا قادرة  على التكيف مع التغيرات المناخية، التي من المتوقع أن تشهدها الجزيرة». وبالرغم من أن بعض العلماء صرحوا بضرورة توخي الحذر عند تفسير تلك النتائج؛ لأن بعض أنواع الأشجار قد تكون قدرتها على التحمل أكبر  مما تشير إليه الأدلة، يرى روزينبالد أن النتائج التي توصلوا إليها تثير قلقاً شديداً.

اعتمد الباحثون في دراستهم على البيانات الرقمية، التي حصلوا عليها من جَمْع عينات النباتات في جميع أنحاء العالم، وانصب تركيزهم على دراسة 55 نوعاً من الأشجار الصنوبرية، ثم قارنوا المعلومات المتعلقة بها بمؤشرات المناخ الحالية في جميع أنحاء العالم؛ لتحديد الظروف المناخية، مثل درجة الحرارة ونسبة هطول الأمطار، في كل موقع توجد فيه تلك الأنواع، بما في ذلك جُزُرها الأصلية، بعدها طوروا نماذج حاسوبية لكل الأشجار المدروسة، ومكَّنت هذه النماذج الباحثين من تحديد استجابة مختلف أنواع الأشجار لظروف مناخية متنوعة، بما في ذلك الظروف المناخية المتوقعة في مواطنها الأصلية بعد 50 عاماً.

ويرى الباحثون أن العديد من الأشجار التي تستوطن الجزر ستحتاج على الأرجح إلى «مساعدة عاجلة»؛ كي تستطيع مواجهة التغير المناخي، ويقول روزينبالد في هذا الشأن: «الفشل في تقديم هذه المساعدة قد تكون له عواقب وخيمة، ليس فقط على أنواع الأشجار تلك». ويوضح أن الأشجار تؤدي وظائف محورية؛ «مثل المساعدة في تنظيم تدفقات الماء والمواد الغذائية عبر النظام البيئي»، وعلى المنوال نفسه، يشير الباحثون إلى أننا نحتاج إلى جهود حماية مُوجَّهة؛ لتجنب اختفاء أشجار الجزر. علاوة على ذلك، تكتسي العديد من تلك الأشجار أهمية ثقافية لسكان الجُزُر، خاصة أشجار أَرز برمودا.

ويقول روزينبالد: «أشجار الأَرز لا تزال رمزاً ثقافياً راسخاً في تاريخ برمودا؛ فعلى امتداد العصور، حظي خشبها بتقدير الحرفيين والبنائين، أضف إلى ذلك أن ثمة زفافاً تقليدياً في برمودا، تُقدَّم فيه كعكة الزفاف، وعلى قمتها شتلة من شجرة الأَرز، يزرعها الزوجين معاً». ويضيف: «من الضروري إبراز جمال هذه الأشجار -وصياغة استراتيجية تُجنبها الانقراض- كي تتمكن الأجيال المقبلة من الاستفادة منها».