Reading Time: 4 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


كان مرض كوفيد-19 بمثابة تذكير قوي بأن ظهور أعراض مثل ضعف العضلات أو الصداع الشديد أو التهاب الحلق، يعني أنه يجب إلغاء كل مخططاتنا والبقاء في المنزل. ولكن اتضح أننا لسنا الوحيدين الذين نمارس هذا الإجراء الصحي العام. ففي مملكة الحيوان بيّن بحث نُشر مؤخراً أن الخفافيش مصاصة الدماء تعزل نفسها أيضاً عن أقرانها عندما تشعر بالمرض.

لاحق الفريق البحثي 31 من هذه الخفافيش في البرية، وحُقن نصفها بجزيء يسبب أعراض شبيهة بأعراض الإصابة بالفيروسات دون أن يعرض الخفافيش لأي مرض حقيقي. بعد مراقبة سلوك هذه الكائنات عن كثب باستخدام حساسات لتعقّب تحركاتها، وجد الباحثون أن الخفافيش «المريضة» اختلطت بعدد أقل من أقرانها، وأمضت وقتاً أقل بالقرب من الخفافيش الأخرى، وكانت على «اتصال اجتماعي أقل بالخفافيش التي كانت على اتصال أكثر». باختصار، هذه الحيوانات عزلت نفسها اجتماعياً عن مجتمعها.

يقول «سايمون ريبيرجر»، مؤلف أساسي للدراسة الجديدة: «الأمر نوعاً ما مماثل لتصرفنا عندما نصاب بالرشح، ونشعر بشعور سيئ ولا نكون راغبين بمغادرة السرير». نُشرت هذه الدراسة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في دورية «بيهيفيورال إيكولوجي». يضيف ريبيرجر: «[عند المرض]، لن تذهب في نزهة مع صديقك لأنك لن ترغب بذلك ببساطة. هذا التباعد الاجتماعي السلبي هو ما بحثنا فيه».

وفقاً لـ «دانا هاولي»، وهي عالمة أحياء في معهد فيرجينيا تك، غير مشاركة في الدراسة الأخيرة، فإن الطريقة التي يتصرف بها الكائن المضيف خلال الفترة التي يكون فيها ناقلاً للعدوى؛ هي أحد أهم العوامل التي تمكننا من التنبؤ بسرعة انتشار مرض معدٍ ما. مع ذلك، لطالما كان من الصعب الإجابة على هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بالحيوانات البرية، وحتى البشر. ذكرت باولي في بريد إلكتروني لنا بأن هذه دراسة رائعة ومثيرة.

تقترح الدراسة أنه على الأقل عند الخفافيش، فإن السلوك المرافق للمرض قد يكون له بعد اجتماعي. يقول «ديميان فارين» -عالم أحياء تطوري في جامعة زوريخ- في بريد إلكتروني لنا: «تساعد هذه الدراسة في تفسير شعورنا بالمرض عند الإصابة بنزلات البرد أو الرشح». ووفقاً لفارين، غير مشارك في الدراسة، فإن سلوكنا عند المرض «قد يمثل إشارة تنبهنا للبقاء في المنزل والابتعاد عن الآخرين لتجنب نشر المرض أكثر».

          اقرأ أيضاً: حتى الحيوانات تلجأ لـ «التباعد الاجتماعي» للوقاية من الأمراض

مجتمع الخفافيش مصاصة الدماء

درس علماء الأحياء الشبكات الاجتماعية الخاصة بالخفافيش مصاصة الدماء لعقود. ومجتمعات هذه الحيوانات هي من المجتمعات الأكثر تعقيداً في عالم الحيوان. بينت أبحاث مخبرية سابقة أنه عندما تشعر هذه الخفافيش بالمرض، فإنها تتفاعل بشكلٍ أقل مع أقرانها. ورغب ريبيرجر وفريقه من معهد سميثسونيان للبحوث الاستوائية باختبار هذه النتائج في البرية.

خفاش متعلق بشجرة

لذلك، في 24 أبريل/ نيسان 2018، ومع غروب الشمس على محمية «بيليز لاماناي» الأثرية، وضع الفريق شبكات ضباب على كل مخرج محتمل في شجرة مجوفة حيث توجد مستعمرة من الخفافيش مصاصة الدماء تعدادها حوالي 100 خفاش. التقط الباحثون 41 أنثى، منهن 31 لم تستطعن إزالة الحساسات عن أجسادهن في النهاية. حقن الباحثون بعد ذلك نصف الخفافيش بمحلول مائي ملحي عديم التأثير، والنصف الآخر بجزيء يدعى عديد السكاريد الدهني، وهي مادة غير مؤذية توهم الجهاز المناعي للحيوان بأن هناك عدوى في الجسم لمدة ساعتين.

بعد ذلك، ثبّت الفريق حقائب صغيرة تحتوي حواسيب صغيرة على ظهور الخفافيش، تتعقب هذه الحواسيب توجهات الحيوانات وتتبادل المعلومات مع باقي الحساسات. هذا سمح للفريق برسم مخطط مفصل لكيفية تحرك كل خفاش، والمدة الزمنية التي أمضتها الخفافيش مع أقرانها، ومدى تقاربها مع بعضها. بعد ساعة من حقن الخفافيش وتعقبها، عادت هذه إلى البرية.

راقب الفريق التفاعل بين الحيوانات لـ 3 أيام. وكما هو متوقع، فخلال آخر 6 ساعات، تحركت الخفافيش المحقونة بعديد السكاريد الدهني أقل من الخفافيش المحقونة بالمحلول المائي الملحي (الذي يلعب دور العلاج الوهمي). وخلال هذه الفترة، تقاربت الخفافيش «المريضة» مع عدد أقل بـ 4 خفافيش في المتوسط من تلك «السليمة». كما أن تفاعلها كان أقصر مدةً. إذ أمضت مدة أقل بـ 25 دقيقة من الخفافيش «السليمة» مع كل شريك. في المتوسط، كان احتمال تفاعل الخفافيش «السليمة» مع بعضها هو 49%، بينما كان احتمال تواجدها بالقرب من الخفافيش «المريضة» هو 35%. بعد 24 ساعة، كانت آثار الحُقن أقل وضوحاً. وبعد يومين، أصبحت الخفافيش «المريضة» سابقاً تتفاعل بنفس معدل باقي أفراد المجموعة.

وفقاً لهاولي، فإن اكتشاف الطريقة التي تؤثر فيها سلوكيات الحيوانات المريضة والسليمة على ظهور مرض ما؛ هو أمر مثير ومفتوح لأي احتمال. وتقول: «يبدو أن الخفاش الذي يشعر بالمرض يمتنع عن التفاعل. لكن هل تتجنب الخفافيش السليمة أيضاً تلك التي تبدو مريضة؟».

بالنسبة إلى ريبيرجر، فإن البيانات التي نُشرت مؤخراً يمكن أن تساعدنا في فهم، ومن المحتمل أيضاًَ نمذجة انتشار عامل ممرض حقيقي في مجتمع من الخفافيش. إذ يقول: «يمكننا تصميم نموذج بهذه البيانات لعامل ممرض يتطلب انتقاله التلامس الجسدي. يمكننا استخدام نفس البيانات لنمذجة انتشار هذا العامل الممرض لأننا بتنا نعلم مدى ومدة تقارب هذه الخفافيش. هذا رائع بالفعل».

وفقاً لفارين، من وجهة نظر تطورية، تطرح الدراسة أيضاً تساؤلات حول كيفية وسبب تفضيل الانتقاء الطبيعي لهذه السلوكيات الفردية. وذلك لأنها من غير المرجح أن تفيد العامل الممرض (لأنها تقلل قدرته على الانتشار)، أو أن تفيد الفرد المريض (لأنه مصاب بالمرض بالفعل).

تقول هاولي: «دراسة التباعد الاجتماعي عند الحيوانات الأخرى يساعدنا في تقدير أن [هذه الممارسات]، والتي تبدو غير طبيعية وصعبة بالنسبة لنا، هي فعلاً استراتيجية طبيعية تتبعها الحيوانات الاجتماعية،» وتضيف: «هذا لا يجعل التباعد الاجتماعي أسهل، ولكنه يساعد في توفير نظرة أوسع للبشر.»

            اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن عالم الخفافيش؟ هذه الرحلة الموجزة ستخبرك