Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


يُعد التدخين السبب الأكثر شيوعاً لمرض الانسداد الرئوي المزمن، وهو حالة تنفسية قاتلة في كثير من الأحيان تصيب الملايين من الأميركيين. ولكن بالنسبة للعديد من المرضى المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن، فإن الإقلاع عن التدخين ليس نهاية المعركة.

في الواقع، يتكون دخان السجائر من مزيجٍ معقد من الغازات والمواد الكيميائية وحتى البكتيريا. وعندما يدخل إلى الرئتين، فإنه يولد استجابة التهابية تشبه إلى حد كبير الالتهاب الرئوي. وعادة ما يتخلّص الجسم من الخلايا الالتهابية التي تدافع عن الجسم من الرئتين عندما تنتهي العدوى أو يتوقف المريض عن التدخين، ولكن بالنسبة لمرضى الانسداد الرئوي المزمن، قد تبقى هذه الخلايا لسنوات. تسبب الإنزيمات المدمرة التي تنتجها هذه الخلايا -والتي تهدف إلى تدمير البكتيريا- تلفاً تدريجياً في الرئة، وفشلاً تنفسياً يتسم به مرض الانسداد الرئوي المزمن.

في الحقيقة، بقي سبب استمرار هذه الخلايا في إثارة الاستجابة الالتهابية في الرئتين بعد التوقف عن التدخين لغزاً حيّر الباحثين. لكن الأبحاث تشير الآن إلى أن السبب يعود إلى خلل في جهاز المناعة ينجم عن التدخين، حيث يعيد دخان السجائر برمجة الخلايا المبطنة للشعب الهوائية، مما يجعل رئتي مرضى الانسداد الرئوي المزمن الذين أقلعوا عن التدخين أكثر عرضة للغزو البكتيري.

الأسوار الجيدة تصنع جيراناً جيدين

تتعرّض الرئتين باستمرار للبكتيريا وأشكال المهيجات الأخرى، وفي نفس الوقت، تقوم بمهمة إدخال الأكسجين إلى مجرى الدم، لذلك لا يمكن أن يكون لها حاجزٌ مادي يحميها مثل الجلد. لذلك طورت الرئتين نظاماً دفاعياً متعدد الجوانب، حيث يحتوي هذا النظام بشكلٍ أساسي على الأجسام المضادة التي تُدعى الغلوبولين المناعي الإفرازي، والذي يلعب دوراً مهماً في الوظيفة المناعية للأغشية المخاطية في الرئتين ويمنع البكتريا من غزوها. لا يقتل الغلوبولين المناعي الميكروبات بشكلٍ مباشر، وإنما يمنعها من إثارة استجابةٍ مناعية عالية قبل أن يتخلّص منها الجسم عبر آلياتٍ دفاعيةٍ أخرى.

الرئة, التدخين

تبطن الشعب الهوائية بطبقةٍ من الخلايا تُسمى ظهارة مجرى الهواء. تنتقل الخلايا المناعية «SIgA» إلى هذه الطبقة عند دخول الجراثيم إليها لتلتصق بها وتمنعها من التسبب بالالتهابات. يفتقر المصابون بالانسداد الرئوي إلى هذه الخلايا في الشعب الهوائية، مما يسمح للجراثيم بالتسبب بالالتهابات وإتلاف الرئتين بالتالي. – الصورة: الصورة: دايانا إسبينوزا / جامعة فاندربيلت

بالنسبة لمرضى الانسداد الرئوي، تستغل البكتيريا انخفاض مستوى مستقبلات الغلوبولين المناعي البوليمري والغلوبولين المناعي الإفرازي للوصول بسهولة إلى أغشية مجرى الهواء السطحية، مما يثير استجابة التهابية تستمر حتى بعد إقلاع المريض عن التدخين.

وقد أظهرت تجربة على الفئران المعدلة وراثياً، بحيث يغيب لديها الغلوبولين المناعي الإفرازي، إصابتها بالتهاب ونمطٍ من تلف الرئة يشبه نمطه نمط مرض الانسداد الرئوي المزمن لدى البشر. وتبين أنه لدى إعطاء المرضى المضادات الحيوية، فإنها تقيهم من الإصابة بأمراض الرئة، مما يشير إلى أن البكتيريا هي المسؤول عن استمرار الالتهابات بعد التوقف عن التدخين.

مضادات الالتهاب، سيفٌ ذو حدين

بما أن حدوث الالتهابات أمرٌ أساسي لتطوّر مرض الانسداد الرئوي، فمن المنطقي أن تكون العلاجات المضادة للالتهابات مفيدة. لكن للعديد من المضادات الحيوية آثار جانبية خطيرة أيضاً عند تناولها لفترةٍ طويلة، فقد تعطل دفاعات الجسم الطبيعية ضد العدوى، وربما تؤدي لتشجيع نمو البكتيريا المقاومة لهذه الأدوية. فمثلاً، تم إيقاف تجربة سريرية تدرس عقاراً مضاداً للالتهاب يسمى «ريتوكسيماب» مبكراً بسبب زيادة معدل الإصابة بالتهابات الرئة.

الرئة, التدخين

كيف يؤثر الانسداد الرئوي المزمن على التنفس – الصورة: المعهد القومي للقلب والرئة والدم

هدف جديد لعلاج مرض الانسداد الرئوي المزمن؟

أثناء دراسة الفئران التي يغيب لديها الغلوبولين المناعي الإفرازي، وجد فريقنا البحثي في ​​المركز الطبي بجامعة فاندربيلت والزملاء في جامعة فلوريدا مؤخراً أن هذه الفئران لديها أعداد متزايدة من نوع غير شائع نسبياً من الخلايا في الرئتين تسمى «الخلايا ذات الزوائد» أو «الخلايا المتغصنة الناشئة من الخلايا الأحادية».

لا تدمر الخلايا المتغصنة البكتيريا بشكل مباشر، لكنها تدق ناقوس الخطر بأن العدوى البكتيرية تتشكل وتنسق الاستجابة المناعية اللاحقة. على عكس الخلايا المتغصنة النموذجية، تبدأ الخلايا المتغصنة الناشئة من الخلايا الأحادية حياتها كأحد أنواع الخلايا البيضاء تُسمى «مونوسايت». ولكن عندما يحدث التهابٌ مزمن، يمكن أن تتحول وتصبح نوعاً من الخلايا المتغصنة.

لقد أثبتنا في تجاربنا على الفئران المعدلة جينياً، والتي يغيب عندها الغلوبولين المناعي الإفراوي، أن الخلايا المتغصنة تنشط الخلايا اللمفاوية التائية (خلايا الدم البيضاء التي تقاوم الفيروسات ويمكنها أن تدمّر خلايا الرئة في تلك العملية)، التي تؤدي بدورها إلى إتلاف الرئتين. تشير بيانات التجارب أيضاً إلى أن الخلايا المتغصنة قد تنسق استجابة مناعية مرضية لدى مرضى الانسداد الرئوي المزمن الذين يفتقرون إلى الغلوبولين المناعي الإفرازي في الشعب التنفسية.

ونظراً لأنه لم يكن معروفاً في السابق وجود الخلايا المتغصنة الناشئة من الخلايا الأحادية في الرئتين البشرية، استخدمنا تقنية متطورة تسمى قياس الكتلة الخلوية لاكتشافها. تسمح لنا هذه التقنية بتمييز تلك الخلايا عن أنواع الخلايا الأخرى، والتي تبدو متشابهة جداً تحت المجهر.

وكما كان الحال في الفئران التي تغيب فيها الغلوبولينات المناعية، وجدنا أن مرضى الانسداد الرئوي المزمن الذي تنخفض لديهم مستويات الغلوبولينات المناعية؛ لديهم مستوياتٌ متزايدة من الخلايا المتغصنة في الرئتين. تشير هذه البيانات بالمجمل إلى أن غياب الغلوبولين المناعي يجعل الشعب الهوائية أكثر عرضة للغزو البكتيري، الأمر الذي يحفّز الخلايا المتغصنة ويدفعها لتوليد استجابةٍ التهابية مستمرة. وبالتالي، فإن استهداف خلايا المتغصنة بالأدوية المناسبة قد يمنع الالتهاب وتلف الرئة لدى مرضى الانسداد الرئوي المزمن.

هناك حاجة ماسة لأدوية جديدة لمرض الانسداد الرئوي المزمن

لا يزال هناك العديد من الأسئلة تجب الإجابة عليها، بما في ذلك الطريقة الأفضل لاستهداف خلايا المتغصنة. ويبقى السؤال معرفة ما إذا كانت هذه الإستراتيجية ستضر بقدرة مرضى الانسداد الرئوي المزمن على الدفاع ضد العدوى. ومع ذلك، بالنسبة لمرضٍ شائع ومنهك مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن، فإن الأهداف الدوائية الجديدة المحتملة تأتي كأملٍ جديد مليءٍ بالهواء النقي لهم.

يُعد مرض الانسداد الرئوي المزمن رابع سبب رئيسي للوفاة في الولايات المتحدة، وثالث سبب رئيسي للوفاة في جميع أنحاء العالم. وبالرغم من أن توفر العديد من الأدوية لتقليل الأعراض ومعدلات الاستشفاء لدى مرضى الانسداد الرئوي المزمن، لكن لم يثبت أن أياً منها يطيل العمر.

معظم مرضى الانسداد الرئوي المزمن لا يموتون من هذا المرض، ولكن أعراضه المتمثلة بضيق التنفس المزمن يؤثر سلباً على جودة حياتهم، ولا يؤثر هذا المرض عليهم وحسب، بل يؤثر على عائلاتهم وعلى عملهم وحتّى على الاقتصاد.

وبالرغم من انخفاض معدلات تدخين السجائر في الولايات المتحدة، إلا أنها تتزايد في العديد من البلدان الأخرى، مما يجعل مرض الانسداد الرئوي المزمن مشكلة صحية عالمية.