Reading Time: 3 minutes

في أسوأ كارثةٍ بيئيةٍ من نوعها، انتشرت الحرائق في أستراليا على نطاقٍ واسع، وأصبح من الممكن رؤيتها من الفضاء. تُظهر الصور  المُلتقطة من الأرض مشاهد محزنة للحيوانات البريّة والغابات المحترقة أنّ هذه الحرائق لا تهدد حياة البشر وسلامتهم فحسب، بل تشكّل تهديداً خطيراً على التنوّع الحيوي بأسره، وأنّ مشكلة الحفاظ عليه تتجاوز المعاناة المباشرة التي تحدث للحيوانات حالياً لما هو  أبعد من ذلك.

بدأ موسم الحرائق في أستراليا هذا العام في سبتمبر/ أيلول 2019، وما زال مستمراً بقوة حتّى الآن. في الواقع، تحدث الحرائق سنوياً بشكلٍ طبيعي في أستراليا، لكنها هذا العام كانت غير مسبوقةٍ في مدى انتشارها ومدتها بسبب الجفاف المستمر منذ عام 2017، بالإضافة لموجة الحرارة الشديدة التي سجلّت أرقاماً قياسية لم يسبق لها مثيل. احترقت ملايين الهكتارات حتّى الآن، مما أدّى لنفوق ما يُقدّر بنحو نصف مليار حيوانٍ من الثدييات والطيور والزواحف، ناهيك عن أعدادٍ غير معروفة من الحشرات.

يرتبط التنوع الحيوي مع حياة الإنسان وبقائه ارتباطاً وثيقاً؛ فبدون الميكروبات والفطريات والحيوانات والنباتات التي تدعم النظم البيئية، يصبح كل شيءٍ يدعم حياة البشرية مهدداً، بدءاً من الطقس وصولاً إلى مصادر الغذاء العالمية. فقد تشمل عواقب هذه الكارثة البيئية التغيّر المناخي والجوع والجفاف، وانتشار الأمراض الحيوانية المنشأ، ناهيك عن الخسائر الثقافية الفادحة المتمثّلة بانقراض بعض الأنواع وتدمير مواطن حياة العديد منها.

في الحقيقة، تُعد أستراليا من أكثر البقاع غنىً بتنوعها الحيوي على مستوى العالم، لكّن الضغوط البيئية التي مُورست عليها مثل الامتداد العمراني، وانتشار الأنواع الغازية كالقطط الأليفة، وموجات الحرارة الشديدة والجفاف المرتبطين بالتغير المناخي؛ تعرّض تنوعها النباتي والحيواني لخطرٍ داهم. لقد نوّه العلماء منذ وقتٍ طويل إلى أهمية حماية التنوع الإحيائي في أستراليا وبلدان التنوّع الحيوي الكبير الأخرى، واعتبروها أولويةً عالمية. تأتي حرائق أستراليا هذا العام لتثير قلق العلماء الشديد كونها من النوع الذي يشكّل تهديداً حقيقياً لهذه الأنظمة البيئية المتنوعة.

لقد كتب علماء الحفاظ على الحياة البرية في مقالٍ نُشر عام 2016 في إحدى الدوريات العلمية: «تُعد الحرائق إحدى العمليات البيئية الرئيسية التي تؤثّر على التنوع الحيوي على مستوى العالم كلّه». تشتمل الأنواع التي تهددها حرائق الغابات الحالية الأنواع الأيقونية مثل؛ الكوالا والكنغر والأبسوم، إلا أنها تشمل الكثير من الأنواع الأخرى غير المشهورة لكنها مهمةٌ بنفس القدر. كما يكتب «غراهام ريدفرفيرن» في الغارديان: «حيواناتٍ مثل فأر جزيرة كنغارو الكيسي، وحيوانات البتروس مثل «Greater Glider» وغيرها، ونباتاتٍ مثل «dark-bract banksia» ونبات الأروكيد «blue-top sun orchid».

ينتهي موسم الحرائق في أستراليا عادةً في شهر مايو/ آيار، حيث تبلغ درجة الحرارة ذروتها عموماً في شهريّ يناير/ كانون الثاني وفبراير/شباط، وبالتالي قد يحدث ما هو أسوأ خلال الشهرين الحالي والقادم. لكن حتى مع انتهاء موسم حرائق هذا العام مع حلول الطقس البارد الذي يعمل على إخمادها؛ فإنّ تأثّر أعداد الحيوانات المحلية قد يزيد بالفعل من خطر وقوع كارثةٍ في المستقبل.

وجدت نفس الدراسة التي أشرنا إليها آنفاً -التي أُجريت عام 2016-، أنّ بعض أجزاء أستراليا التي تشهد حرائق أقلّ شدةً سواء من حيث الحجم أو سرعة الانتشار، يعيش ما يطلق عليه العلماء «مهندسي النظام البيئي» أو الحيوانات التي تساعد على تحلّل الفضلات النباتية من أوراق وغيرها، والقابلة للاشتعال عن طريق تناولها، أو استخدامها لبناء أعشاشها وغير ذلك. لكّن عندما تخلّ الحرائق الضخمة النظم البيئية وتجعلها غير مستقرّة؛ لا يعود بإمكان هؤلاء «المهندسين البيئيين» أداء عملهم. بالتالي سيؤدي ذلك لزيادة احتمال حدوث مواسم حرائق في المستقبل مماثلة في مستوى الحرائق غير المسبوقة، والمدمّرة هذا العام.

إن كنت تهتم لأمر الحيوانات الأسترالية، فهناك عدة منظمات تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. على سبيل المثال، تقوم منظمة «WIRES» -أكبر منظمةٍ لدعم الحياة البرية في أستراليا-، برعاية أكبر عددٍ ممكن من الحيوانات المصابة أو الصغار الذين فقدوا أهاليهم، كما يقوم مستشفى الكوالا «The Port Macquarie Koala Hospital» بالبحث عن حيوانات الكوالا المصابة وعلاجها وإعادة تأهيلها، ويقوم المشفى أيضاً بإقامة منافذ لمياه الشرب في المناطق التي دمرتها الحرائق. كما يشارك الاتحاد العالمي للحياة البرية في جهود الحفاظ على الكوالا، وإطفاء الحرائق أيضاً. كما يقوم مستشفى «Currumbin Wildlife Hospital» للحياة البرية بجمع التبرعات من أجل رعاية حيوانات الكوالا وإعادة تأهيلها.

كما يبذل المواطنون الأستراليون جهوداً أيضاً لتوفير الغذاء والماء للحيوانات في المناطق المتأثرة بالحرائق، وبالرغم أنه من الجيد ترك الحيوانات البرية بمفردها في الأوقات العادية، إلا أنّ هذه الأوقات عصيبةٌ جداً دفعت العديد للخروج لتقديم المساعدة لها.