Reading Time: 4 minutes

لم تكن الحرائق هذا الصيف مجرّد كارثة بحدّ ذاتها فقط، بل إنها، وعلى نطاقٍ أوسع، سلّطت الضوء على الضعف الهائل للأنظمة المدنية التي تجعل الحياة المعاصرة للأفراد ممكنة وسهلة.

أدّت الحرائق، على سبيل المثال، إلى قطع الطرقات، مما يعني تعريض مخزونات الوقود والطعام إلى النفّاذ. وقد قُطع التيار الكهربائي عن المدن وتوقفت خدمات الهاتف المحمول عن العمل أيضاً. وكذلك الأمر بالنسبة لأجهزة الصراف الآلي وخدمات الدفع الالكتروني التي يعتمد الاقتصاد على استمرارها.

ولكّن؟ كيف يمكن أن يحدث ذلك في دولةٍ ثرية وحديثة مثل أستراليا؟

عند الإجابة على هذا السؤال، من المفيد تبنّي مفهوم «التفكير النُظمي»، الذي يعالج المشكلات كجزءٍ من نظامٍ عام، حيث يرتبط كلّ جزءٍ بالآخر ويؤثّر فيه. أو بكلامٍ آخر، نحن بحاجةٍ لرؤية المشاكل في إطار رؤيةٍ أو صورةٍ أشمل كبيرة.

نظرة من خلال عدسة النُظم

توجد الأنظمة في كل مكانٍ، بدءاً من النظام البيئي للحيّد المرجاني العظيم، وصولاً إلى شبكات التكنولوجيا الهائلة في الأسواق المالية العالمية. أما بالمعنى الإنساني، فتتراوح الأنظمة الإجتماعية بين الصغيرة، مثل الأسرة، إلى المنظمّات الكبيرة أو القومية أو العالمية.

هذه الأنظمة هي أنظمة معقدة. هذا يعني أنها ترتبط بأنظمةٍ أخرى بطرق عديدة. أي أن أي تغيير في جزءٍ واحد من النظام، مثل حرائق الغابات في الطبيعة، قد يؤدي إلى تغييرات غير متوقعة في الأنظمة المرتبطة بها؛ سواء كانت سياسية أو تكنولوجية، أو اقتصادية أو اجتماعية.

تشترك الأنظمة المُعقدة في 3 أشياء:

  1. بحاجةٍ إلى أمدادٍ دائمٍ بالطاقة ليحافظ على استمراريتها.
  2. مترابطة على مستوياتٍ عدّة، شخصية ومحلية إلى عالمية وأبعد من ذلك.
  3. هشّة ويمكن أن تنهار بسهولة إذا لم يكن لديها خطّة «ب» بديلة.
بورصة نيويورك, أسواق المال, نظام اقتصادي, مجتمع, بيئة, التغير المناخي

بورصة نيويورك، جزءٌ من نظام الأسواق المالية العالمية المعقّد — حقوق الصورة: شينيا سوزوكي/ فليكر

حالة شرق «جيبسلاند»

لفهم أفضل حول حيثيات انهيار نظام معقد؛ دعونا ندرس مثالاً على ذلك ما حدث في منطقة شرق جيبسلاند الريفية الاقتصادية في ولاية فيكتوريا في أستراليا، وبشكلٍ خاص مدينة مالاكوتا الساحلية خلال الحرائق الأخيرة.

توضّح دراسة هذه الحالة كيف يمكن لإحدى العوامل (حرائق الغابات في هذه الحالة)، أن تتسبب في سلسلةٍ من الأحداث المتتالية، لكن هشاشة النظام أساساً تجعل الانهيار التام ممكناً.

من ناحية النقل، لا يوجد ترابطٌ جيد في بنية النقل التحتية يصلنا بشرق جيبسلاند أو «مالاكوتا». لقد قطعت الحرائق الطريق الوحيد إلى شرق جيبسلاند، طريق «برنسس» السريع، وأيضاً قطعت الطريق الوحيد المؤدّي إلى مالاكوتا. وقد منع دخان الحرائق إمكانية النقل الجوي، لذلك كان المنفذ الوحيد إلى المدينة عبر البحر، حيث تدخلّت البحرية الأسترالية هناك لإجلاء السكّان.

من ناحية المخازين الغذائية، لم يكن هناك احتياطاتٌ من المواد الغذائية والوقود والماء والإمدادات الطبية، أو الاتصالات عندما حدثت الحرائق، لذلك انخفضت الإمدادات إلى حدٍ كبير إلى درجةٍ تحدثت فيها تقارير عن «أزمة إنسانية» محتملة تلوح في الأفق.

حرائق أستراليا, الاحتباس الحراري, حرائق الغابات

تتعاون السلطات العسكرية والمدنية في أستراليا لإزالة شجرة تسد طريقاً بالقرب من مالاكوت — حقوق الصورة: يناير/ كانون الثاني 2020، وزارة الدفاع الأسترالية

لم يكن هذا النقص مفاجئاً. ففي أستراليا، كما هو الحال في معظم الدول المتقدمة، تعمل أنظمة توزيع الغذاء والوقود حسب الحاجة، أو وفق مفهوم «في الوقت المناسب» الذي طوّرته شركة تويوتا للسيارات، والذي يُنظم إمداد السوق حسب الحاجة والطلب على المنتجات.

تُلغي هذه الأنظمة الحاجة إلى تخزين المزيد من البضائع في المستودعات، وهي بلا شكّ فعّالة في مثل هذه المواقف. ولكنّها هشّةٌ للغاية نظراً لعدم وجود فائضٍ في النظام، أي لا توجد خطّة بديلة في حال الطوارئ.

الحالة في عموم أستراليا

الأنظمة في عموم أستراليا، في نواحٍ كثيرة، هشّة مثل أنظمة مدينة مالاكوتا. فأستراليا تستورد 90% من النفط؛ وهو رقم من المتوقع أن يرتفع إلى 100% بحلول عام 2030. ويمر معظم هذا النفط عبر مضيق هرمز، ثم عبر الأرخبيل الإندونيسي، وليس هناك سوى عددٍ قليل من الطرق البديلة. بالإضافة إلى ذلك، ليس لدى أستراليا احتياطيات كافية من الوقود في حال الطوارئ. فأستراليا هي العضو الوحيد في الوكالة الدولية للطاقة، والذي لا يفي بمعايير الوكالة بوجوب الإبقاء على احتياطيّ من الوقود يكفي لمدة 90 يوماً.

وقد أظهرت أزمة جيبسلاند ومالكوتا أنّ العديد من الأنظمة المرتبطة، مثل شبكات توزيع الأغذية، تعتمد اعتماداً كبيراً على هذا نظام الهش للوقود.

موقف خطير

في 3 يناير/ كانون الثاني 2020 -وهو نفس اليوم الذي أخلت فيه البحرية الأسترالية الناس من مدينة مالكوتا-؛ اغتالت الولايات المتحدة الجنرال الإيراني «قاسم سليماني» بضربةٍ جوية. فلو كانت إيران ردّت على تلك العملية بقطع إمدادت النفط عن طريق إغلاق مضيق هرمز، والتسبب بأزمة عالمية في إمدادات النفط، عندئذٍ كانت أستراليا ستواجه نقصاً في إمدادات النفط في ذروة الحاجة إليه أثناء حرائق الغابات.في الواقع، كان لدى أستراليا في أواخر العام الماضي، مخزوناتٍ من البنزين تكفي 18 يوماً، ومن الديزل ما يكفي 22 يوماً، وخزوناتٍ من وقود الطائرات تكفي لـ 23 يوماً فقط. ولحسن الحظ، فقد تجنّبت إيران والولايات المتحدة التصعيد بسبب ضبط النفس. من يدري، قد لا تكون استراليا محظوظةً في المرّة القادمة.

الحاجة إلى الاحتياطيات

تحتاج المجتمعات في أستراليا -خاصة في المناطق المعرضة لاشتعال حرائق الغابات- إلى مزيد من الاحتياطات لكي تكون قادرةً على مواجهة الكوارث. وذلك يعني تخزين المياه والمواد الغذائية غير القابلة للتلف والبطانيات والإمدادات الطبية ومولدات الكهرباء والهواتف الفضائية وربما الوقود، تخزينها في مواقع محمية.

بالنسبة لعموم أستراليا، نحن بحاجةٍ لاحتياطيٍّ وطني من الوقود، وينبغي أن يتماشى هذا الاحتياطي مع معايير وكالة الطاقة الدولية التي تقول بوجوب أن تكفي الاحتياطات لـ 90 يوماً في حال الطوارئ. لقد صدرت تقارير عن الحكومة الأسترالية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي تفيد بأنّ احتياطات أستراليا من الوقود لا تكفي سوى لمدة 54 يوماً.

تقوم الحكومة الأسترالية حالياً بالنظر في تعزيز احتياطياتها من خلال عقد صفقاتٍ محتملة مع الولايات المتحدة وهولندا. لكّن الإمدادات الخارجية لن تكون فعّالةً جدّاً في حال حدوث أزماتٍ مفاجئة.

إن الآثار المترتبة على أزمة حرائق الغابات واضحة. يجب علينا تحسين مرونة الأنظمة على المستوى الوطني والفردي، والتي تجعل حياة المواطنين اليومية ممكنة.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن