Reading Time: 3 minutes

يطفو بساط ضخم من طحالب السرجس، يتجاوز طوله مئات الأميال، قرب سواحل المكسيك الكاريبية، ومن المرجح أن يغطي مساحات شاسعة من الشواطئ هناك. فهناك وجهات سياحية مثل تولوم مهددة بالزوال بسبب إمكانية تمدد طحالب السرجس لأكثر من 180 ميلاً من الشواطئ هناك. وخلال تقدمه نحو السواحل، تتحول المياه الزرقاء الصافية إلى اللون البني، ويفسد تحلل الطحالب الهواء النقي برائحة البيض الفاسد. في محاولة يائسة للحفاظ على تدفق السياح نحو هذه الشواطئ، ينفق أصحاب الفنادق المطلة عليها ما يصل إلى 47,000 دولار شهرياً؛ لتنظيف المخلفات الناجمة عن هذه الأعشاب البحرية.

تكشف صور الأقمار الصناعية أن “حزام السرجس الأطلسي” يمتد من الساحل الغربي لأفريقيا إلى خليج المكسيك. وتشير دراسة جديدة نشرت في دورية ساينس أن هذه الطحالب قد تعمّر أمداً طويلاً، وبهذا الصدد، تقول منجكيو وانغ، عالمة المحيطات بجامعة جنوب فلوريدا والباحثة الرئيسية في هذه الدراسة، إن “هذا هو أكبر حزام من الأعشاب البحرية في العالم”.

السرجس نوع من الأعشاب البحرية بنية اللون، يشبه شكلها أوراق الشجر، وتحتوي على أكياس مملوءة بالغاز تسمح لها بالطفو فوق الماء. وتنتشر بكثرة في بحر سارجاسو بشمال المحيط الأطلسي. هذه الأعشاب مكون حيوي يستفيد منه الأسماك والطيور والسلاحف والقشريات، إذ تستخدم كثير من الأسماك التي نأكلها هذا الغطاء الممتد من الأعشاب البحرية كمكان لتربية صغارها. ويصرح وانغ: “لا تمثل هذه الأعشاب في حد ذاتها مشكلة في المياه المفتوحة، لكن عندما تصل إلى السواحل، تصبح مصدر إزعاج مستمر”.

علاوة على رائحتها النتنة وشكلها غير المحبذ، يمكن أن تضر أكوام الأعشاب البحرية الميتة هذه البشر والحيوانات على حدٍ سواء، إذ يمكن أن يسبب كبريتيد الهيدروجين، مصدر الرائحة الكريهة -وهي رائحة البيض الفاسد أيضاً- تهيج الرئتين، خاصةً في حالة الأشخاص الذين يعانون من الربو. 

إضافة إلى ذلك، عندما تتحلل هذه الأعشاب في المياه الساحلية، تستهلك الميكروبات الأكسجين، مؤدية إلى اختناق الحيوانات البحرية، ذلك أن ارتفاع تركيزات كبريتيد الهيدروجين والأمونيوم والمواد الكيميائية التي تطلق خلال عملية التحلل تسمم الحياة المائية، وتقضي عليها. وقد أفادت دراسة حديثة أن 78 نوع من الكائنات الحية، معظمها من الأسماك والقشريات، ماتت خلال مد طحالب السرجس نحو المكسيك في عام 2018. مثلما اجتاحت عدد من الشواطئ الكاريبية، وشواطئ فلوريدا والساحل الغربي لأفريقيا.

بعد زيادة عدد التقارير عن طحالب السرجس التي جرفتها الأمواج نحو السواحل، أرادت وانغ معرفة إذا كان بإمكانه تحديد مصدر هذه الأعشاب البحرية. لهذا الغرض، استخدم صوراً التقطتها أقمار ناسا عبر المحيط الأطلسي، تظهر بوضوح مكان انتشار هذه الأعشاب البحرية. فالكلوروفيل الموجود في هذه الأعشاب البحرية يعكس ضوء الأشعة تحت الحمراء، لذا تظهر بوضوح في أجهزة استشعار الأقمار الصناعية.

بينت الصور اتساع المساحة التي يغطيها السرجس باطراد منذ عام 2011، حتى أصبح يمتد على شكل حزام ضخم وسط المحيط الأطلسي. في عام 2018، كان هذا الحزام يحتوي على أكثر من 20 مليون طن متري من الأعشاب البحرية، حسب تقديرات في الدراسة.

درس العلماء أيضا الأسباب المحتملة التي تقف خلف الاتساع المطرد لرقعة الطحالب البنية، وبحثوا العوامل المختلفة المرتبطة بنموها، من درجات حرارة سطح المحيط، إلى مستويات المغذيات في المحيط. استناداً إلى هذا التحليل، توصل الباحثون إلى أن نسبة المواد المغذية المتزايدة التي تتسرب إلى المحيط، خاصة تلك التي مصدرها البرازيل، هي على الأرجح وراء اتساع المساحة التي تغطيها طحالب السرجس.

في السنوات الأخيرة، شهدت الغابات المطيرة في الأمازون إزالة متواصلة لمساحات شاسعة من الأشجار بجانب اتساع مساحة الرقعة الزراعية، ما أدى إلى ارتفاع كميات النيتروجين والفوسفور في نهر الأمازون، التي تصل في الأخير إلى المحيط الأطلسي. أضف إلى ذلك، وجود منطقة تيارات مائية صاعدة قبالة ساحل أفريقيا، والتي تؤدي إلى نقل المياه الغنية بالمواد المغذية من القاع إلى السطح. 

باستخدام المحاكاة الحاسوبية، وجدت وانغ أن التيارات البحرية يمكن أن تنقل العناصر الغذائية نحو حزام يمتد على طول المحيط الأطلسي، وهو ما يتوافق مع المكان الذي تزدهر فيه طحالب السرجس، وتعلق على هذا بقولها: “من النادر رؤية نمط مثل هذا في المياه المفتوحة”.

مع ذلك، تظل كيفية نشوء الأعشاب البحرية في حاجة إلى مزيد من البحث، وترى وانغ أنه بالرغم من أن الدراسة التي أنجزتها، بمعية الفريق البحثي، تقدم فرضية تصف كيفية تشكل طحالب السرجس، فثمة عوامل أخرى يمكن أن تكون سبباً في تكون هذه الأعشاب. ذلك أننا لا نعرف، مثلاً، كيف يمكن أن يؤثر الاحترار العالمي وزيادة حموضة المحيطات في نمو الطحالب. 

الأمر الواضح هو أنه طالما تواصل ضخ المواد المغذية في المحيطات؛ فسوف تستمر الأعشاب البحرية في التكاثر، وتلويث المياه الساحلية، فإزالة غابات الأمازون في ازدياد، حيث تُزال قطعة أرض من الغابات المطيرة بحجم ملعب كرة القدم كل دقيقة. ما يعني، حسب قول وانغ، إن “حزام الأعشاب البحرية هذا سيبقى، وستتسع رقعته أكثر ما لم نتصرف”.