Reading Time: 3 minutes

كيف تؤثر البُنية الاجتماعية على تطور السلوك الأناني؟ دار هذا السؤال في ذهن علماء الأحياء، وأخيراً وجد باحثون السبب في دراسة نُشرت هذا الأسبوع في دورية «إيكولوجي ليترز»، أظهر فريقٌ بحثي متعاون من جامعات رايس، وكاليفورنيا، وبيركلي الأميركية أنه بإمكانهم دفع تطوّرٍ يجعل يرقات «عثة المخزن» -المعرفة أيضاً باسم عثة الوجبة الهندية- تأكل بعضها البعض من خلال تغييرات بسيطة في بيئاتها.

التفاعل المحلي يزيد من الإيثار

تعدّ يرقات «عثة المخزن» من الآفات الشائعة في المخازن، والتي تضع بيوضها في الحبوب والدقيق والأطعمة المعلبة الأخرى. وباعتبارها يرقات، فهي كائنات نباتية بطبيعة الحال، لكن مع استثناء واحد؛ هو أنها في بعض الأحيان تأكل بعضها البعض، بما في ذلك رفاقها.

أظهر الباحثون في التجارب المخبرية أنه يمكنهم زيادة أو تقليل معدلات أكل أفراد عثة المخزن لبعضها البعض عن طريق تقليل المسافة التي يمكن للأفراد أن يتجولوا فيها بالقرب من بعضهم البعض، وبالتالي رفع احتمال التفاعلات المحلية بين اليرقات الأشقاء. وفي البيئات التي أُجبرت فيها اليرقات على التفاعل في كثير من الأحيان مع الأشقاء، تطور السلوك الأقل أنانية لديها خلال 10 أجيال.

بحسب الباحثين، إن التفاعلات المحلية المتزايدة تَحول دون تطور السلوكيات الأنانية؛ مثل أكل تلك الكائنات لأبناء جنسها. ولفهم السبب، يمكن تخيّل السلوكيات على أنها قائمة مرتّبة من الأقل إلى الأكثر أنانية. وفي أحد طرفي السلسلة توجد سلوكيات إيثارية؛ حيث قد يتخلى الفرد عن فرصته في البقاء على قيد الحياة أو التكاثر لزيادة تكاثر الآخرين. بينما أكل المثيل هو في الطرف الآخر. إذ يزيد الفرد من فرص بقائه على قيد الحياة وتكاثره عن طريق أكل أفراد من نوعه.

إن الدراسة قدمت اختباراً تجريبياً نادراً لمفهوم رئيسي في نظرية التطور؛ هو أنه مع زيادة التفاعلات المحلية، يزداد العامل الانتقائي ضد السلوكيات الأنانية. كما أن العائلات التي كانت تأكل من أبناء نوعها بدرجة كبيرة لم تبلي بلاءً حسناً في هذا النظام. بينما العائلات التي اتّبعت هذا السلوك بشكلٍ أقل كان لديها معدل وفيات أقل بكثير وأنتجت ذرية أكثر.

اقرأ أيضاً: المزيد من الأنانية: إليك العلاقة بين الكرم والهرمون الجنسي الذكري

عن الدراسة وتطبيقاتها

الصورة: جامعة رايس الأميركية

تم وضع خمسة عشر أنثى بالغة من عثة المخزن في عدة عبوات لوضع البيض. حيث تضع العث البيض في الطعام، وتعيش داخل الطعام حتى تفرز. وكان الطعام وفيراً في جميع العبوات، لكنه كان متنوعاً في اللزوجة. ولأنها تضع البيض في مجموعات، كان من المرجح أن تظل ضمن هذه المجموعات العائلية الصغيرة في الأطعمة الأكثر لزوجة؛ لأنها تحد من سرعة حركتها داخلها. مما فرض المزيد من التفاعلات المحلية مع الأشقاء. وهذا ما يُعتقد أنه كان الدافع لهذا التغيير في سلوك أكل الحشرات لبعضها البعض.

أشار الباحثون إلى أن نفس المبدأ التطوري هذا يمكن أيضاً تطبيقه على دراسة السلوك البشري. ففي المجتمعات أو الثقافات التي تعيش في مجموعات عائلية كبيرة بين الأقارب المقربين، قد تتوقع أن ترى سلوكاً أنانياً أقل مما هو عليه في المجتمعات أو الثقافات حيث يكون الناس أكثر انعزالاً عن عائلاتهم وأكثر احتمالاً لأن يكونوا محاطين بغرباء لانهم يضطرون الى التنقل في كثير من الاحيان لوظائف او لأسباب أخرى.

درس الباحثون عن كثب التأثيرات البيئية والتطورية لأكل الكائنات لنفس أفراد جنسها بهدف البقاء لما يقرب من 20 عاماً. إلا أنه أسيء فهمها وتفسيرها لعقود. ذلك لأن أجيالاً من علماء الأحياء كانت تنفر بشدة من هذا السلوك عند البشر لدرجة أنهم شطبوا السلوك في جميع الأنواع باعتباره غريباً عن الطبيعة، بينما هو ليس كذلك.

لكن ذلك بدأ يتغير ببطء منذ بضعة عقود، وقد تم الآن توثيق سلوك أكل الكائنات لأفراد جنسها في أكثر من 1500 نوع، ويُعتقد أنه يحدث في كثيرٍ من الأنواع الأخرى التي لم تُدرس بدقة بعد. فهو موجود في كل مكان. فمعظم الحيوانات التي تأكل حيواناتٍ أخرى يمكنها أكل أبناء جنسها إلى حد ما. وحتى تلك التي لا تأكل الحيوانات الأخرى عادةً -مثل عثة المخزن- غالباً ما تكون قابلة لأكل أبناء جنسها.

ليس هناك أخلاق مرتبطة بهذا السلوك في البرية، إذ أن هذه وجهة النظر البشرية فقط. أما في الطبيعة، لدى الأنواع الأخرى، فأكل أحد أبناء جنسك هو مجرد وجبة إضافية. كما أن لهذا السلوك له عواقب بيئية مهمة. فهو يحدد ديناميكيات أفراد النوع والمجتمعات، وتعايش الأنواع وحتى النظم البيئية بأكملها. ولم يُدرس بما فيه الكفاية مقارنةً بأهميته.

وبينما أظهرت هذه الدراسة أن الحد من التشتت، وزيادة التفاعلات المحلية، يمكن أن يدفع ضد تطور هذا السلوك من خلال زيادة عواقب الأنانية الشديدة، فإن الدفع التطوري ربما يسير في الاتجاه الآخر أيضاً. أي إذا كانت الظروف الغذائية سيئة، فإن أكل الكائنات لأبناء جنسها قد يوفر فوائد إضافية، والتي يمكن أن تدفع لمزيدٍ من السلوك الأناني.

سيكون من الجيد الحصول على فهم أفضل للقوى الدافعة والقدرة على شرح المزيد من التباين الذي نراه. مثل زيادة هذا السلوك لدى أنواع أكثر من أخرى، وحتى داخل النوع الواحد، يُلاحظ أن بعض الأفراد تستطيع أن تأكل أبناء جنسها أكثر من غيرها. لن يكون هناك إجابة واحدة. ولكن سيكون هناك بعض المبادئ الأساسية التي يمكن العمل بها على كل نظام.

اقرأ أيضاً: هل يصل المتسلقون والأنانين إلى المناصب أسرع من الضعفاء؟