Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


قد تعطينا أوراق النباتات المتحجرة -التي يبلغ عمرها 23 مليون عام- لمحة عن كيفية استجابة النباتات لمناخنا المتغير في المستقبل البعيد. ففي دراسة نُشرت في 20 أغسطس/ آب في دورية «مناخ الماضي»، درس علماء الأحياء والجيولوجيون حفريات محفوظة جيداً عُثر عليها في قاع بحيرة في نيوزيلندا، ووجدوا دليلاً على أنها ازدهرت في وقتٍ كانت فيه كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أعلى مما هي عليه اليوم. بالمقارنة مع النباتات الحديثة التي تعيش في بيئات مماثلة، وجد الباحثون بأن أوراق النباتات القديمة ربما كانت أكثر كفاءة وقدرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون والاحتفاظ بالماء في نفس الوقت.

يقول «تامو رايشجليت»، عالم الجيولوجيا في جامعة كونيتيكت ومؤلف مشارك في الدراسة: «أوراق النباتات على اتصالٍ مباشر مع الغلاف الجوي طوال الوقت، وهي بعكس الحيوانات، حساسةٌ جداً للتغيرات في الغلاف الجوي».

تعود الحفريات التي فحصها تامو وزملائه إلى عصر الميوسين المبكر، وهو الوقت الذي كانت فيه حرارة الأرض أعلى ولم يكن هناك غطاء جليدي في القطب الشمالي. خلال تلك الفترة؛ نمت الغابات المطيرة شبه الاستوائية في نيوزيلندا. في موقع «فولدن مار»، أحد مواقع الحفريات البارزة في نيوزيلندا -عبارة عن فوهة بركانية تقع شمال مدينة دنيدن- توفرت ظروف مثالية ساهمت في الحفاظ على أوراق أشجار الغابات منذ ملايين السنين. على عكس البحيرة النموذجية التي تتشكل عادة من مياه الأنهار عند تدفقها وتجمعها في منخفضٍ ما، كانت البحيرة التي تشكّلت في تلك الفوهة البركانية تتغذّى من مياه الأمطار والمياه الجوفية فقط، وهكذا، بقيت مياه البحيرة راكدة فترة طويلة جداً من الزمن، ولا تشجّع على أي نوعٍ من الحياة فيها.

كيف تخبرنا حفريات النباتات عن مستقبلنا؟

يقول ريشجيلت: «إذا سقط أي شيء عضوي مثل ورقة شجر أو حشرة في البحيرة وشق طريقه إلى القاع، فسيبقى كما هو لأنه لا يوجد شيء يعيش هناك يمكن أن يحلّل تلك الورقة. لذلك، في هذه البيئة النادرة جداً، يمكن أن تُحفظ الأوراق بهذا الشكل المذهل وتحافظ على بنيتها لأن جميع المواد العضوية الأصلية لا تزال موجودة فيها».

أوراق متحجرة, نباتات, علم النباتات القديمة, المناخ, التغير المناخي

إحدى الأوراق المتحجرة التي عُثر عليها في قاع بحيرة قديم في نيوزيلندا – مصدر الصورة: جينيفر بانيستر/ جامعة أوتاجو

قام ريشجليت وزملائه بفحص 72 ورقة متحجرة تمثل 18 نوعاً من الأشجار من الرواسب الأحفورية التي عُثر عليها في فوهة فولدن مار. لاحظ الفريق، عند فحص شظايا الأوراق تحت المجهر، أنها تحتوي على عددٍ قليل من المسامات (وهي الجزء التشريحي من الورقة التي يسمح لها بتبادل الغازات مع الجو المحيط). تفتح المسامات كي تأخذ غاز ثاني أكسيد الكربون، وخلال هذه العملية يتطاير قليل من الماء عبرها. هذا يعني أنه عندما تكون مستويات ثاني أكسيد الكربون عالية، يمكن للنبات أن تحصل على حاجتها من ثاني أكسيد الكربون من خلال عددٍ أقل من المسامات.

يقول ريشجليت: «إذا كانت النباتات قادرة على الحد من فقدان من الماء مع استمرار قدرتها على الحصول على كمية الكربون الذي تحتاجه في نفس الوقت، فستكون أكثر قدرةً على تحمل الجفاف، وبالتالي يمكنها النمو في مناطق أكثر جفافاً. وبناءً على هذا، فإن عدد المسام القليل في الأوراق الأحفورية تشير إلى أنها تطورت في جو غني بثاني أكسيد الكربون».

وقد أظهر التركيب الكيميائي لهذه الأوراق أدلة إضافية على وجود تلك الظروف في ذلك الوقت. في الواقع، هناك عدة أنواع من الكربون (تسمى النظائر) تطفو في الغلاف الجوي. والنظير الأكثر شيوعاً هو الكربون-12 وهو الأخف وزناً أيضاً بين النظائر الأخرى. يقول ريشجليت في هذا الصدد: «نظراً لأن نظير الكربون-13 ثقيل نسبياً، فإن حركته في الهواء أقل سهولة، وبالتالي لن يأخذه النبات إلا إذا كان يعاني من نقص الكربون المتاح». وجد ريشجليت وفريقه نسبةً عالية من الكربون-12 في الأوراق ونسبة أقل بكثير من ابن عمه الأثقل، الكربون 13، مما يشير إلى أن نسبة ثاني أكسيد الكربون المتاحة للنباتات كانت كبيرة جداً. يقول ريشجليت: «عندما تقارن مزيج أنواع الكربون الذي امتصته الأوراق مع عدد المسام فيها، يمكننا استنتاج كمية ثاني أكسيد الكربون المتاحة في الغلاف الجوي بدقة».

قدر الباحثون أن مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في ذلك الوقت كانت بين 450 و 555 جزءاً بالمليون، وهو ما يتفق مع درجات الحرارة العالية التي كانت سائدة خلال تلك الحقبة من تاريخ الأرض. وبإسقاط ذلك على مناخنا للمقارنة، كانت مستويات ثاني أكسيد الكربون قبل الثورة الصناعية أقل من 300 جزء بالمليون. بينما تبلغ اليوم أكثر من 400 جزء بالمليون، ومن المتوقع بحلول عام 2040 أن تصل مستوياته إلى 450 جزء في المليون.

تعمل وفرة ثاني أكسيد الكربون الحالية على دعم نمو النباتات في مختلف أنحاء العالم، ولكن تأثير التخصيب هذا لا يعني أن النباتات ستصلح جميع مشكلاتنا المتعلقة بتغير المناخ. قد تتطور النباتات المستقبلية للاستفادة من هذه الظروف لتوسيع موائلها، لكن ريشجليت يقول: «هذا ما سيحصل في المستقبل».

في الوقت الحالي، يجب أن تتعامل النباتات مع إزالة الغابات ومع الآثار الناجمة عن التغيرات البيئية السريعة. ففي المستقبل القريب، ستضع هذه القوى ضغوطاً متزايدة على النباتات، مما يزيد من أهمية الحد من كمية ثاني أكسيد الكربون التي نضخها في الغلاف الجوي.